الجزائر - " وكالة أخبار المرأة "

يعتبر كتاب “المرأة الحسّانية وثقافة الجسد” للباحثة الجزائرية مباركة بلحسن دراسة ميدانية في حقل الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية لمجتمع بقي مهمّشًا من قبل الباحثين ومن الدراسات الأكاديمية عمومًا.
وتُشير الباحثة في كتابها الصادر عن دار الوطن اليوم، إلى أنّها أرادت من هذه الدراسة تبيان دور المرأة، ومعرفة مكانتها بأبعادها الاجتماعية والرمزية، انطلاقًا من تحديد وظيفة البُعدين الجسدي والجنساني.
البحث الميداني
ترى مباركة بلحسن أنّ النظرة الأحادية لمكانة المرأة أخفت إلى حدّ بعيد الرؤى الأخرى والحقائق المتعلّقة بتصوُّر المرأة الحسّانية في حدّ ذاتها لمكانتها ومكتسباتها.
وحاولت الباحثة الوقوف على مكانة المرأة الحسّانية في مجتمع محلي ذي خصوصية ثقافية بالاعتماد على مقاربات نظرية وتقنيات البحث الميداني في حقل الأنثروبولوجيا، من أبرزها تقنية الملاحظة، وهو الأمر الذي مكّنها من مساءلة العديد من الظواهر الخاصّة بالمرأة ومكانتها وثقافة جسدها.
وقسّمت بلحسن كتابها إلى ستة فصول تضمّنت ملامح النظام الاجتماعي الحسّاني من لسان وبنية وتركيبة اجتماعية، وصورة المرأة في المدوّنة الحسّانية من شعر وأوزان، وإشكالية الرقابة الاجتماعية ورهان المكانة الاجتماعية وعلاقتها بالزواج.
وتبين الباحثة أنّ المجتمع الحسّاني من بين المجتمعات العربية القليلة التي حافظت على مقوماتها الهوياتية التقليدية، رغم ظاهرة التحديث الذي عرفته في النصف الثاني من القرن العشرين خاصة، حيث أن هذا المجتمع رغم تشابهه مع مجتمعات عربية إسلامية أخرى، يتميز عنها في ملامح سوسيو – ثقافية أساسية كتلك المتعلقة بالأسرة وسوق الزواج ومكانة المرأة وحريتها، وهو ما تركز عليه من خلال هذه المقاربة الأنثروبولوجية التي تعتمد أساسا على تثمين الكتابات الأنثروبولوجية التاريخية والاجتماعية والثقافية من جهة، وعلى البحث الميداني المتواصل عبر ما يزيد عن خمسة عشر سنة انطلاقا من المجموعات الحسّانية القاطنة بالجنوب الغربي الجزائري إلى المجموعات الأخرى في موريتانيا من جهة أخرى.
وبالرغم من الاهتمام المعتبر من طرف علماء الأنثروبولوجيا الغربيين خاصة بهذه المجتمعات التي تسمى بمجتمعات “البيضان”، فإن هذا الحقل لا يزال بحاجة إلى دراسات إضافية معمقة ومتعددة لجوانب مختلفة منها خاصة تلك التي تقتضي التحليل الأنثروبولوجي.
الذكورة والأنوثة
ترى بلحسن أن المجتمع المحلي، أي المجتمع الحساني، يشاع عنه أنه مجتمع يمنح مكانة معتبرة للمرأة مقارنة بمجتمعات الشمال. وتوضح أنّ ما يميز هذا المجتمع، من وجهة نظر خارجية للملاحظ، هي قبل كل شيء الخصوصية الثقافية التي تتجلى في الملبس واللغة والطقوس والعادات والتقاليد والنظام الاجتماعي بشكل عام في مجموعات متواجدة في الجنوب الغربي الجزائري والصحراء الغربية وموريتانيا وجنوب المغرب الأقصى.
وتبين الباحثة أن هذا المجتمع محل دراستها هو فضاء اجتماعي ورمزي لمكانة معتبرة للمرأة، مع الموازاة مع سلطة ذكورية حقيقية، تعتقد أنه بإمكاننا تحديد ملامحه وتمييزها ومعرفتها من خلال مقاربة سوسيو – أنثروبولوجية تتعلق ببعد جوهري للحياة اليومية، وهو السلوك الجنساني الذي لا يمكن ملاحظته بالمعنى الدقيق للكلمة لأنه يمس ممارسة متعلقة بالحميمية.
وتضيف “خيارنا هو مقاربة هذا السلوك في تجلياته الفردية والجماعية من خلال مفهوم الطقوس الانتقالية الأساسية، هذه الطقوس التي تعتبر معرفتها مرحلة ضرورية لفهم الممارسات الاجتماعية المختلفة والتي تعتبر الممارسة الجنسانية من أهمها”.
وتشدد على أن هذه الطقوس الانتقالية تساهم في إنتاج معرفة حقيقية لظاهرة الجنسانية عبر مراحلها الأساسية، خاصة تلك المتعلقة بالخروج من حال أو مكانة اجتماعية والدخول إلى أخرى، مع انتقال الفرد من مرتبة اجتماعية إلى أخرى.
وتلفت بلحسن إلى أن النوع الاجتماعي/ الجندر يعتبر من المفاهيم السوسيو – أنثروبولوجية الراهنة التوظيف في العلوم الإنسانية، بينما تعتبر الجنسانية من المفاهيم المعقدة لأنها متشابكة الجوانب (اجتماعية، نفسية، ثقافية) بارتباطها في المخيال الاجتماعي بالتابوهات المسكوت عنها.
وتتابع إنه “لمن الصعوبة بمكان الحكم على العلاقة الحقيقية التي تربط بين الذكورة والأنوثة في مجتمع ما بدون الوقوف على أدق تفاصيل هذه العلاقة، لأن النوع الاجتماعي أو الجندر مسار لا يتوقف، ولأن الفرد دائما في حالة تفاوض مع الآخر. إن الهدف من هذا البحث هو محاولة إنتاج معرفة عن الجنسانية انطلاقا من المرأة، خلافا لتلك المقاربات السابقة التي تنطلق من منظور ذكوري، والدافع ليس انحيازا أيديولوجيا بل من أجل النظر من جهة وزاوية مخالفة أساسا، وذلك إسهاما في إلقاء الضوء على ظاهرة مركبة تقتضي تجنب إسقاطات النظرة المبتورة”.
وترى بلحسن أنّ ما يزيد من صعوبة التوجه الأنثروبولوجي عند دراسته للعلاقة بين النوع الاجتماعي والجنسانية، هو بروز مفهوم الهيمنة. فالهيمنة الذكورية واقع مؤكد في المجتمع البطريركي لأنه مجتمع رجالي محض يتميز بخضوع المرأة وتبعية دورها. لكن ماذا عن المجتمعات التي تمنح المرأة مكانة معتبرة، بالأخص المجتمع الحسّاني؟ فمن المعروف والشائع عن هذا المجتمع أنّ للمرأة فيه مكانة حقيقية. لكن هل لديها سلطة؟ وإذا كانت لديها سلطة فهل هي سلطة واسعة وفعلية، أم أنها سلطة شكلية أو محدودة تجعل وزن المرأة في هذا المجتمع يرجع إلى الاعتبار الذي يحضى به كل فرد أو فئة من المجتمع رجل، امرأة، طفل، طفلة أو شيخ؟
والتساؤل الذي انطلقت منه هو إمكانية تواجد سلطة نسائية كاملة أمام الهيمنة الذكورية في المجتمع المحلي الحسّاني الذي يمنح المرأة مكانة معتبرة. ومن ثم فإن الافتراض الذي يطرحه هذا البحث هو عدم منح المجتمع الحسّاني سلطة كاملة للمرأة مقابل هيمنة ذكورية حقيقية، وأنّ ما يسمى بالمكانة المعتبرة للمرأة الحسّانية هو نوع من المعاملة المجتمعية الخاصة بها مقارنة بوضعها في مجتمعات بطريركية أخرى، معاملة تمنحها صلاحيات وتجعلها محل اهتمام وتقدير.
ضد الصورة النمطية
تتناول الباحثة في الفصل الأول من الكتاب ملامح النظام الاجتماعي الحساني من ناحية اللسان الحساني واستراتيجية الانتشار وبنية مجتمع “البيضان”، متطرقة إلى مسألة الأصل والتركيبة الاجتماعية والبيئة الحسانية والمرأة. وتتناول في الفصل الثاني صورة المرأة في المروية الحسانية عبرمقاربتها لهذه الصورة في الشعر الحساني وفي شتى مجالات المعرفة والمخيال الشعبي.
وتتناول بلحسن لاحقا في الفصل الثالث موضوع ترويض الجسد الأنثوي عبر عناوين البروز والرقابة الاجتماعية، والجنس بين الرغبة والتخويف والسوائل الجسدية. وتقارب في فصل الكتاب الرابع تقنيات الإغراء عبر مظاهر الجمال والفتنة والتعابير الجسدية، حيث تتناول الدلالة الثقافية للباس والمكياج والحلي والوشم والرسم بالحناء، كما تدرس الإغواء عند المرأة الحسانية.
وتفكك الباحثة الجزائرية في خامس فصول مؤلفها قضية الجنسانية والرقابة الاجتماعية، مبينة القيود الاجتماعية ورهان المكان والزفاف كطقس انتقالي وصباح العروس بين التكتم والأشعار. لتصل في فصل الكتاب السادس إلى مسألة “جدلية الرغبة والألم”، متناولة الجنسانية والمقدس والرغبة بين الفقدان والتغييب، داعية في الخاتمة إلى تجاوز النمطية التي تعاني منها صورة المرأة الحسانية..