راضية القيزاني - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

يشير عدد من الخبراء إلى أنه رغم محاولات بعض البلدان التكيف مع التحولات التي جاءت تباعًا للتغييرات الاجتماعية والاقتصادية، لم تنجح في خلق بيئة تصلح للجميع، فقد غفلت عن تعزيز مبدأ المساواة بين الجنسين، إذ تبدو المدن ظاهريًا محايدة جنسيًا أو متطورة نسبيًا بالمفهوم التكنولوجي والبيئي ولكنها ليست مناسبة للنساء.
ونشر البنك الدولي وثيقة عن التخطيط الحضري الذي يراعي النوع الاجتماعي وأوضح بأنه على مر التاريخ كان الرجال من يخططون المدن ويصممونها بما يخدم احتياجاتهم، أي أن المدن بشكلها الحاليّ خطط لها الرجال من أجل الرجال، واستثنت الفئات الاجتماعية الأخرى مثل النساء والأطفال والأقليات الجنسية وذوي الاحتياجات الخاصة من الصورة.
وفي الوقت الراهن، تعمل العديد من البلدان على تعزيز مشاركة النساء في الفضاء العام تصحيحا للاختلال في المساواة بين الجنسين بما يوفر للنساء المزيد من الأمان. ومن تلك البلدان تونس ولبنان والمغرب والبرازيل وطاجيكستان وفرنسا.
وبالتعاون مع تحالف المدن، وبدعم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أطلقت تونس “مبادرة نساء المدينة” التي تهدف إلى إنشاء مناطق حضرية تكون أكثر شمولًا وملاءمة لاحتياجات المرأة عبر تأهيل وإتاحة الفضاءات العمومية في مدينة تونس التي تشمل الدوائر البلدية بباب سويقة وسيدي البشير وباب بحر.
وتقلص هذه المبادرة فجوة الفوارق بين الجنسين في مناطق التدخل لتحسين ظروف النساء وتمكينهن من الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية.
وأكدت إيمان الزهواني هويمل، وزيرة المرأة والأسرة وكبار السن على أنّ اعتماد هذه المبادرة على الحوكمة الحضرية للفضاءات العمومية في إطار مقاربة تشاركية دامجة، ينصهر في صلب التوجهات الأفقية التي تعمل الوزارة على تشجيعها ومتابعتها من خلال الانخراط في المجهود الدولي لتحقيق التنمية المستدامة في المسائل الجوهرية خصوصا الهدف الخامس المتعلق بتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات، وتفعيل الخطة الوطنية لإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في التخطيط والبرمجة والتقييم والميزانية.
وبيّنت أن الوزارة تعمل على رسم ملامح مشاركة نسائية فاعلة في الشأن المحلي عبر تطوير آليات الديمقراطية المحلية واللامركزية التي تراعي مقاربة النوع الاجتماعي من خلال إبرام عدد من اتفاقيات الشراكة في هذا المجال، وإحداث اللجنة الوطنية لدعم المساواة بين النساء والرجال في إدارة الشأن المحلي منذ أبريل 2015 التي انبثق عنها الميثاق الوطني للمساواة في إدارة الشأن المحلي، ومكّن من تقديم قراءة لمشروع مجلة الجماعات المحلية من منظور مقاربة النوع الاجتماعي.
كما أبرزت جهود الوزارة في دعم قدرات النساء للمشاركة في الحياة العامة وإدارة الشأن المحلي وتعزيز ثقافة المواطنة عبر تنظيم الأنشطة التكوينية والتحسيسية في 350 بلدية.
ودعت هويمل إلى تضافر الجهود حتى تكون المدن دامجة ومستقطبة لتيسير تواجد المرأة في الفضاءات العامة وإدارة الشأن العام وملمّة بمختلف الفئات العمرية مع الأخذ بعين الاعتبار أصحاب الاحتياجات الخصوصية والأطفال وكبار السن، مؤكدة ضرورة إنتاج مؤشرات كمية ونوعية قادرة على رصد تطور المشاركة النسائية في الفضاءات العمومية وإدارة الشأن العام لتأكيد نجاح هذه المبادرة النموذجية.
وفي العام 1980 بدأ الحديث عن فكرة “المدن الصديقة للمرأة”، حين نشرت مجلة “ساينس” النسوية مقالًا يتطلب من القراء تخيل شكل مدينة غير متحيزة جنسيًا، وقالت كاتبة المقال أستاذة التخطيط الحضري في جامعة كاليفورنيا دولوريس هايدن، إن المهندسيين المعماريين اعتمدوا في تخطيطاتهم الحضرية على الفهم النمطي بأن المرأة تنتمي إلى المنزل ولا تزال تعيش في أسر ممتدة ومجتمعات صغيرة وحميمة، ولم يلاحظوا أن دور المرأة في المجتمع قد تغير بصورة كبيرة، والمجتمع بحد ذاته لم يعد كما كان.
وقال الخبراء إنه لا يمكننا بكل بساطة أن نهدم مدن العالم ونعيد بناءها كي تتناسب مع احتياجات النساء، إلا أنه يمكن اتخاذ العديد من التدابير لجعل الشوارع أكثر أمانًا عند التنقل، ويبدأ تحقيق ذلك من خلال استشارة النساء في التخطيط العمراني للمدن وإشراك رؤيتهم واقتراحاتهم في مجالس البلديات.
وظهرت العديد من مبادرات “المدينة الآمنة” على أرض الواقع إلا أنها تظل محدودة التأثير نسبيًا. وتعمل هيئة الأمم المتحدة للمرأة واليونيسف مع مسؤولي البلديات حول بلدان العالم، وكذلك منظمات المرأة والشباب، من أجل ضمان تمتع النساء والأطفال بالأماكن العامة دون خوف من العنف والاعتداءات الخارجية، وأحد تلك البرامج “مدن آمنة وودية للجميع” التي بدأت في 8 دول من بينها لبنان والمغرب والبرازيل وطاجيكستان.
واستنادًا إلى مبادئ العدالة الاجتماعية والتنوع والشمولية والمساواة، بدأ المخططون الحضريون بإدخال تعديلات بسيطة على المدن مثل إدراج أضواء إضافية للشوارع في الزوايا المظلمة، مما يمكّن المرأة من الشعور بالحرية والأمان في الحركة بنفس مستوى ثقة نظرائها الذكور، إذ تشير بعض التجارب إلى أن الشوارع المضاءة جيدًا تمثل طريقة فعالة لمعالجة العنف الجنسي، وهي أحد أهم الجوانب التي تسعى المدن الصديقة للمرأة لإدماجها في معاييرها.
وترغب بلدية باريس في تصحيح الاختلال في المساواة بين الجنسين في الأماكن العامة، شأنها في ذلك شأن مدن فرنسية أخرى، لكن هذه المقاربة تثير استياء بعض الجهات.
وبحسب ما تلفت إليه كورين لوكسمبورغ الأستاذة الباحثة في المدرسة الوطنية العليا للهندسة باريس – لا فيليت فإن منشأة متنزّه فيليت تقدّم “خير مثال” على التفاوت القائم بين الرجال والنساء في الأماكن العامة، حيث يقوم عدّة رجال عراة الصدور بتمارين لياقة بدنية، مستخدمين المعدّات المتوفّرة في هذه الحديقة الواقعة في شمال شرق العاصمة.
وفي هذه المجموعة التي تضمّ نحو 10 أشخاص، “امرأتان لا غير”.
وتقول “ما كنّا لنظنّ أن النساء سيُنبذن من هذا المكان”.
وترى هذه الباحثة المتخصصة في مسائل النوع الاجتماعي في المدينة أنه إذا كان جهاز رياضي يستخدم من “الرجال بنسبة 90 في المئة، فهذا يعني أنه لم يُصمّم وفق الأصول”.
ويثير هذا الاختلال بين الرجال والنساء في الحيّز العام الذي تمّ تشخيصه في فيينا وبرلين وبرشلونة مثلا منذ مطلع الألفية الثالثة اهتمام حفنة من المدن الفرنسية منذ بضع سنوات، حرصا منها على اعتماد مقاربة أكثر إنصافا لمفهوم تصميم الحواضر.
وفي مسعى إلى تعزيز الاختلاط الجندري، أعربت باريس وبوردو ومونتروي ومؤخّرا رين وليون عن نيّتها اعتماد ميزانيات “تراعي النوع الاجتماعي”.
ويقضي الهدف بتقييم توزيع النفقات العامة لتفادي أن تصبّ الميزانية في مصلحة الرجال في نهاية المطاف.
وتؤكّد إيلين بيدار مساعدة رئيسة بلدية باريس المكلّفة بقسم المساواة بين الرجال والنساء الذي بلغت ميزانيته 10 ملايين يورو لعام 2020 “نعمل على هذا الموضوع”، مشيرة إلى حرص السلطات على “عدم الاستثمار في أنشطة هي حكر على الرجال”.
وفي باريس، حيث أثارت البلدية المؤلّفة من اشتراكيين وشيوعيين وأعضاء في أحزاب بيئية هذه المسألة سنة 2016، تجلّى هذا الوعي باعتماد “ورقة مناقشة حول النوع الاجتماعي” منذ استدراج العروض التي أطلقت لترميم سبع ساحات كبيرة.
وفي شمال شرق العاصمة، في ساحة “بلاس دي فيت” المحاطة بأبراج، عُزّزت الإضاءة وغُيّرت الألوان والتصاميم الحضرية. وفي قلب الساحة، مركز اجتماعي بات يستقطب النساء وأطفالهن.
وتحفّز المقاعد الخشبية الجديدة المقوّسة الشكل “التخالط الاجتماعي”، بحسب ما تقول لورا كاييه من جمعية “ويمنابيليتي” المكلّفة بإعداد تقييم بعد ترميم الموقع يتمحور حول استخدامات الرجال والنساء له.