التحــــرش الجنــــسي .. ظاهــــرة خطيــــرة بحجــــم الإرهــــاب

عماد الزاملي - العراق - " وكالة أخبار المرأة " الإثنين, 9 سبتمبر, 2013, 09:01 | وكالة أخبار المرأة

تعد ظاهرة التحرش الجنسي في العراق جريمة مسكوت عنها بسبب الحياء والضوابط المجتمعية المتشددة التي تحاصر المرأة . وهي ظاهرة لاتقل خطورتها عن الارهاب . وكشفت الوقائع ان التحرش الجنسي كظاهرة تفاقمت حدتها بسبب الاوضاع الامنية والاقتصادية والاجتماعية ودخول التكنولوجيا الحديثة كالانترنيت والموبايل . فضلا عن قصور القوانين التي تحد من هذه الظاهرة . كما ان دراسة ظاهرة التحرش الجنسي في العراق تواجه صعوبات لعدم وجود احصائيات سيما وان معظم ضحايا التحرش لايقدمون بلاغات للجهات الامنية المعنية خوفا من محاسبة المجتمع للضحية وليس المجرم ووصمها بالقصور والعار . وكشفت بعض الدراسات القليلة ان اكثر الاماكن انتشارا للظاهرة هي اماكن العمل .
أكثر الاماكن تحرشاً
الموظفة (ج . ع) تؤكد أن بعض القيادات الادارية في المؤسسات يتحرشون ببعض الموظفات تحت ضغوط العمل ويقمعون المرأة ويستغلون حاجتها إلى العمل للوصول الى ما يريدونه .
في حين ترى الموظفة (س . ك) ان بعض المسؤولين من المدراء يحاولون اضفاء الشرعية على سلوكيات التحرش تحت مسميات كزواج المتعة وغيره والذي يساء فهمه واستغلاله بشكل سيء. ويظهر احد الاستطلاعات التي اجريت في العراق أن المتحرشين أغلبهم من ذوي المناصب الأعلى والأرفع في السلم الوظيفي. فقد أكدت 70 في المائة من المشاركات في الاستطلاع بأنهن يتعرضن للتحرش الجنسي فقط من الذين هم أعلى منهن وظيفياً، وتسبب هذا لـ81 في المائة من المشاركات بتعرضهن لضرر وظيفي بسبب رفضهن للتحرش الجنسي. وهذا يدخل في باب استغلال النساء .
واشار سليم جاسم محمد الى ان اخطر انواع التحرش الجنسي هو التحرش اللفظي بسبب سلوكياته التي لاتحتاج الى جهد ويترك اثرا سلبيا على مشاعر الضحية ومن الممكن القيام به في اي وقت واي مكان . ودعا سليم الى ضرورة مراجعة القوانين الخاصة بهذه الظاهرة حيث تشير المادة 402 الى تغريم المتحرش 75 دينار فقط لاطلاق سراحه . وهذا يعد قصورا في القوانين .
اما محمود مصعب فيقول ان احدى الدراسات المحلية اظهرت ان 38 بالمائة من الفتيات في العراق لايصلن الى المرحلة المتوسطة بسبب خوف الاهل عليهن من تعرضهن الى التحرش الجنسي وتزداد هذه النسبة خاصة في المناطق الريفية النائية.
التحرش في الجامعات
وفي الجهة الاخرى نجد ان التحرش كظاهرة تفاقمت في الوسط الجامعي وخاصة بين الاستاذ والطالبة . حيث تشير الطالبة (ا . م) ان بعض الاساتذة يحاولون استدراج الطالبة الجميلة ويعزفون على وتر الدرجات وتلميحات بالرسوب في حال لم توافقه الرغبة . وتؤكد زميلتها انها تسمع عبارات الغزل اكثر من مرة من استاذها وترده بلطف خوفا من غضبه الذي قد يأتي بنتائج سلبية تؤثر على درجاتها. وفي دراسة لمنظمة بنت الرافدين وهي احدى المنظمات النسوية في محافظة بابل تقول عنها الباحثة سرى محمد جواد ان نسبة الطالبات اللواتي يتعرضن للتحرش الجنسي داخل الحرم الجامعي 25 . 34 بالمائة اي 149 طالبة من اصل العينة 500 في حين كانت النسبة بين طالبات المرحلة الاعدادية 28 بالمائة و 63 بالمائة من طالبات الاعدادية لايشعرن بالامان في الشوارع وكانت نسبة الموظفات اللواتي يتعرضن بالتحرش في اماكن عملهن كانت 55 بالمائة .
نساء يغرين المتحرش بالتحرش
وتتضح صور التحرش الجنسي بصورة جلية في المتنزهات والاسواق والشوارع . ويؤكد الباحث الاجتماعي عماد الاعرجي ان الاماكن التي تزدحم فيه الناس يتعدى التحرش بالعبارات اللفظية الى اللمس حيث ان المرأة التي تتعرض الى التحرش باللمس تحاول الابتعاد عن المتحرش قدر المستطاع وتجنبه لكن بعض المتحرشين يمعن بالتحرش بلمس المناطق الحساسة وسط زحمة الناس ويهرب بسهولة قبل رصده. وهنالك حالات يتم كشف المتحرش ومعرفته وتحدث مشاكل خاصة اذا كان مع المرأة زوجها او اخوها . كما ان المتنزهات اماكن جاذبة للشباب المنحرف يتصيدون الفتيات. ويشدد الباحث الاعرجي على ان بعض النساء يتسببن بوقوع التحرش بسبب طريقة المكياج والملابس الصارخة والسلوكيات الخارجة عن حدود الكياسة والادب مما يدفع الوحوش البشرية الى ملاحقة المرأة من هذا النوع وتقع مشاكل كبيرة داعيا وزارة الداخلية الى تخصيص شرطة خاصة للحد من هذه الظاهرة وردع كل من تسول نفسه في التحرش بالنساء .
مشكلة المرأة الجميلة
والتحرش مشكلة المرأة الجميلة فانها اينما تذهب تجد من يتحرش بها بألفاظه البذيئة . وتقول (ح . ن) التي تتمتع بقدر كبير من الجمال انها لم يمر يوم دون التعرض للتحرش من قبل شبان المنطقة وهي في طريقها الى العمل او بالعكس . وتؤكد (ا . ك) ان التحرش يتعدى الى اطلاق شتائم مثل (بنت الكلب شنو هالجمال) وغيرها من هذا النوع من (الغزل).
واعتبر الدكتور حسن علوان بيعي رئيس قسم طب الاسرة في كلية الطب التحرش الجنسي فعلا مشينا بكل المقاييس. وشكل من أشكال التفرقة العنصرية غير الشرعية، وهو ايضا شكل من أشكال الإيذاء (الجسدي ،الجنسي والنفسي) وهو سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يضايق المرأة أو يعطيها إحساسا بعدم الأمان وقد ربط مؤتمر حقوق الإنسان والذي صدر عنه إعلان فينا عام 1993 بين العنف والتمييز ضد المرأة وأشار إلى ذلك في الفقرة 38 بان مظاهر العنف تشتمل المضايقة الجنسية والاستغلال الجنسي والتمييز القائم على الجنس واكد بيعي ان اغلب مرتكبي التحرش من الرجال منهم في سن الاربعين وفوق ، ومعظمهم متزوجون؛ وغالبا ما يشغلون مناصب قيادية . وان معظم اعمار اللاتي تعرضن للتحرش من20 إلى 35 سنة، وغالبا ممن يعملن في أماكن مكتبية أو إعلامية. مشيرا الى ان معظم حالات التحرش وقعت في مواقع العمل. لافتا الى ان تصرفات التحرش اما تكون عبارة عن اللمس والاحتكاك عن عمد او نكتة جنسية؛ او الإغواء بالكلام، ثم طلب الاتصال الجنسي بشكل غير مباشر.
وعن الأسباب التي أثرت على زيادة هذه المشكلة فقد اشار الدكتور حسن بيعي الى ان التحرش الجنسي بات من الظواهر الاجتماعية السلبية المتفاقمة في المجتمع العراقي ذات العواقب الوخيمة على الضحايا نساء كانوا أم أطفال بسبب قصور القوانين او عدم تفعيلها. وسيادة تقاليد اجتماعية موروثة تلقي اللوم ،في الاغلب الاعم ،على المرأة عند حدوث أي حالة تحرش.
كما ان الظروف التي مر بها المجتمع من حروب وحصار وصراعات ادت الى تفاقم هذه الظاهرة فضلا عن تدني القيم (خلل في النسق القيمي للمجتمع في العقود ألأخيرة) والتميز الواضح ضد المرأة وغياب المحاولات الجادة لإيجاد مخرج للمشكلة ،( المجتمع يدين الضحية) ولا ننسى دور تردي الوضع الأمني وزيادة معدلات الطلاق و الجريمة وغياب احترام القانون
وهنالك عوامل مهمة ايضا لاتقل تأثيرا وهي الإحباط بسبب الظروف الاقتصادية العامة ، وزيادة في عدد السكان وتفشي البطالة وتفشي الفقر والحرمان وانتشار حالات الإدمان وزيادة حالات العنوسة نتيجة عدم قدرة الشباب على الاقتران بسب تردي وضعهم الاقتصادي . كما ان تناغم بعض النساء لظاهرة التحرش وجعلها وسيلة لتحقيق مكاسب ، اثر على النساء العفيفات واللواتي يرفضن مبدأ التحرش وان مجتمعنا تعرض لردة ثقافية للمجتمع تمثلت بتدني عمل المؤسسات التربوية والتميز بين الذكور والإناث في المناهج وغياب مواد الثقافة الجنسية والقانونية الفعالة فيها. وتدني ثقافة ووعي الرجل خاصة. وأدى انتشار تكنولوجيا التواصل الاجتماعي الحديثة. والدور السلبي للدراما التلفزيونية وغياب دور ألاعلام الاجتماعي الهادف ولغة الترهيب والتخويف والوعيد التي تسود في اغلب الاحيان في المجتمع اثرت على مسيرة التوعية والتثقيف في الأسرة وحول الاثر الصحي والاجتماعي على الضحية جراء التحرش. اكد بيعي انه حسب شدة الحالة التي تصل حد الاغتصاب فضحايا التحرش اكثر عرضة للإمراض والاضطرابات النفسية كالإصابة بالاكتئاب بثلاث مرات من غير المتعرضات . كما ان الإصابة بالكرب بعد الشدة تكون نسبة الارجحية ستة إضعاف غير المتعرضات.
وعن دراسة هذه الظاهرة في العراق اشار الدكتور حسن علوان بيعي ان دراسة الظاهرة محفوفة بالكثير من الغموض والارتباك حيث لا تمنح الأرقام والإحصائيات الصورة الواضحة للظاهرة ولا تحدد ابعادها الحقيقية نظرا للحساسية المفرطة المحيطة بالموضوع الجنسي . وخوف الضحايا من فقدان العمل عند كشف الموضوع. وخوف بعضهن من التعثر الدراسي والرسوب. وشعور الضحايا بعدم جدوى العقوبات غير الرادعة. فضلا عن صعوبة إثبات ادلة التحرش الجنسي في مجتمع عشائري ذكوري. مؤكدا ان هذه الأسباب يبقى التحرش الجنسي بعيد ا ربما عن الضبط ومعرفة صورته الحقيقية حتى إن بعض الدراسات في بعض الدول أكدت ان عدد اللواتي تجرأن على التقدم بالشكوى لا يتجاوز 25 % من مجموع حالات التحرش. من هذا يتبين لنا إن التحرش الجنسي وبائيا يأخذ شكل الجبل الجليدي أي إن ما اخفي من حجم المشكلة هو الأكثر .
وعن الوضع القانوني لقضية التحرش الجنسي فيقول ان جريمة خدش الحياء من ذكر على انثى تقع بالقول اوالفعل او الاشارة دون ان تصل حد الملامسة الجسدية ، المادة 402 /1ب من قانون العقوبات العراقي 111 لسنة 1969 اما اذا كان الفعل المادي المكون للجريمة يتعدى للملامسة الجسدية فيكون عند جريمة منصوص عليها في المادتين 396، 397من القانون أعلاه
مطالبا الى ضرورة التعديل القانوني من اجل القضاء نهائياً أو على الأقل الحد من ارتكاب مثل هذه الأفعال (تندرج ضمن التحرش الجنسي لأفعال ظهرت بعد عام 2003 بدخول تقنية الاتصالات الحديثة)و التي لم يجرمها المشرع بشكل كافي حتى الآن ويترتب عليها آثار وخيمة تؤثر سلباً علي المجتمع .
التحرش في المدارس
واكد المشرف التربوي عبد الامير رباط العويدي مشرف التربية الخاصة والدمج التربوي في تربية بابل ان التحرش الجنسي بين تلاميذ المدارس مشكلة مسكوت عنها رغم خطورة هذه المشكلة الصحية والاجتماعية والاخلاقية المعيقة للتنمية البشرية. مشيرا الى ان هذه الظاهرة تكثر في المراحل النهائية من المرحلة الابتدائية عكس ما يحدث في الدول الاوربية التي تكثر في اعمار اقل من خمس سنوات. مؤكدا ان هذه الظاهرة تفاقمت في السنوات الاخيرة . واثبت اكثر من 75 % من المعلمين على وجود هذه الظاهرة في مدارسنا . مؤكدا ان نسب الحالات التي يتم الاخبار عنها ومناقشتها من قبل الهيئة التعليمية في المدارس واطلاع الاهل عليها قليلة قياسا بعدد الحالات الكلية التي ذكرها المشاركون في هذه الدراسة. كما ان تدخل القضاء للمعاقبة القانونية التأديبية هو قليل جدا قياسا بالدول المتقدمة. وهذا ناتج عن القصور الشديد في توعية العاملين في القطاع التربوي وتثقيفهم حول الوقاية من هذه المشكلة المدمرة لشخصية بناة المستقبل.
ودعا المشرف التربوي الى ضرورة وضع سياسة واضحة المعالم وقابلة للتطبيق للحد من هذه المشكلة وصولا الى منعها من خلال التعاون والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة (وزارة التربية، الجامعات العراقية ، وزارة الصحة ، وزارة العدل ، الداخلية ، منظمات المجتمع المدني المسؤولة عن حماية حقوق الاطفال ورعايتهم). و تشجيع ودعم المشاريع البحثية الواسعة لتحديد حجم المشكلة وتحليلها بشكل علمي صحيح والاهم من ذلك هو تطبيق البحوث التدخلية من قبل فرق متعددة الاختصاص تقودها كفاءات اكاديمية من جامعة بابل اضافة الى تشجيع طلبة الدراسات العليا في الكليات ذات العلاقة للتصدي لهذه المشكلة التي لها الاولوية في مجال حفظ وتعزيز صحة المجتمع. كما دعا الى تعزيز دور الاعلام الاجتماعي والصحي والتربوي منه المرئي والمسموع والمقروء من اجل نشر الوعي العام لفئات المجتمع المختلفة من اجل تحصين الافراد من هذه المشكلة الشائكة والمتعددة الابعاد. ووضع خطة من قبل وزارة التربية وبالتعاون مع التعليم العالي ومنظمات المجتمع لبناء قدرات المعلمين وزيادة معارفهم ومهاراتهم في المراقبة والتعامل مع الحالات بعد اكتشافها بشكل سريع . وطالب المشرف المؤسسة الدينية تبني دور كبير في اشاعة ثقافة الحماية من التحرش الجنسي بشتى صوره وتحريمه من خلال اصدار الفتاوى وتوضيحها بالخطب الدينية في ايام الجمع والمناسبات الدينية الاخرى.
الاتحاد البغداديه