المرأة بين دسترة الحقوق الكونية والمقاصد الاسلامية

الكاتب الصحفي: خالد الورتاني - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة " الإثنين, 11 مارس, 2013, 10:54 | وكالة أخبار المرأة

الكاتب الصحفي: خالد الورتاني - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

يثير إحياء أمم وشعوب الأرض لليوم العالمي للمرأة الذي يصادف الثامن من مارس من كل سنة شجنا خاصا في أنفس النخب المتنورة بالعالم العربي، لما ينطوي عليه ملف المراة في بلداننا العربية من مفارقات وما تحمله المقاربة العربية لمكانة المرأة ودورها من تناقضات وفوارق عجيبة ذات علاقة مباشرة بواقع الأمة ومصيرها.
فمن ناحية تستند الأمة العربية الى منظومة قيمية دينية أخلاقية وحتى ثقافية تجلّ المرأة وتعظم دورها ولا تسمح باضطهادها، ومن ناحية أخرى ما تزال المرأة في أقطار عربية عديدة تعاني التهميش حتى لتكاد تقصى من الحياة ويرتدّ دورها إلى مجرّد أداة من الأدوات التي تعود ملكيتها للمجتمع الذكوري.
نحن في تونس يحق لنا ونحن نحتفل بالعيد العالمي للمرأة أن نخضع مسيرة التونسيات للمساءلة وأن لا نجاري الخطاب التمجيدي السائد في مثل هذه المناسبات التي تكتفي بالتنويه بآراء الطاهر الحداد التنويرية والمفاخرة بما فعله بورقيبة من اجل النهوض بالمرأة التونسية.
إن تبني الدولة لقضية المرأة جعلها نموذجا تطمح فئات كثيرة في المجتمعات العربية والاسلامية إلى الاقتداء به، كما جعل من مجلة الأحوال الشخصية التونسية مثالا فريدا تسعى الكثير من المناضلات إلى محاكاته واستلهام بنيته. ولئن بدت المرأة التونسية في عيون البعض موضع احترام أو حسد وغيرة نتيجة ما اكتسبته من حقوق، فإننا نجد إزاء موقف الاعجاب موقف استنقاص لمنزلة التونسية فهناك من يعتبر أن وضع المرأة التونسية هشّ لأنه لم يكن وليد حركة نضالية نسائية بل إنه جاء نتيجة مبادرة شخصية وارتبط منذ البدء برغبة ذكورية وإرادة سياسية فوقية لا تستند إلى القاعدة ولا تعبّر عن حاجاتها، فالمرأة لم تتحرّر بموجب وعي شخصي ونضال مرير قادته في سبيل تغيير مكانتها، إنما ضربت الوصاية عليها وهي وصاية مضاعفة: وصاية الرجل ووصاية الدولة وبذلك تم اتخاذ القرار نيابة عن النساء وصيغت المطالب على لسان الرجل.
دسترة حقوق المرأة:
إن الحركة النسائية التي شكلت منذ نشأتها مكونا أساسيا في حركة التغيير الديمقراطي والتي استطاعت أن تحصل على عدد من المكتسبات لفائدة التونسيات تعتبر ثورة 14 جانفي 2011 منعطفا هاما لترجمة اختياراتها الاستراتيجية الحداثية التي تجعل قضية المساواة بين المرأة والرجل والقضاء على العنف والتمييز من رهاناتها الأساسية لذلك تعتبر دسترة الحقوق والمساواة بين الجنسين والتدابير والاجراءات الايجابية لتحقيق هذه الاهداف ستمكن من التأصيل الدستوري للمكتسبات. وبناء عليه تقدمت عديد الأطراف باقتراحات تهمّ حقوق النساء وحمايتها و آليات النهوض بها وتدابير التمييز التي من شأنها الحدّ من واقع الميز والاقصاء.
اقترحات تستحضر تطلعات المرأة للحرية والكرامة والمواطنة الكاملة وحقها في المشاركة الفعلية والمناصفة في وضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية وفي تدبير الشأن العام على المستوى الوطني والجهوي والمحلي، ومن هذا المنطلق كان الجدل واسعا حول كونية الحقوق والحريات أو المقاصد الاسلامية: فقد تعرضت فصول باب الحقوق والحريات الى انتقادات بعض الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني وحتى بعض الأحزاب التي رأت ان مشروع الدستور الجديد لم يكفل جميع الحقوق والحريات الكونية ولم يكن صريحا في التنصيص عليها وفي الزام الدولة على ضمان هذه الحقوق، وقد اعتبر شقّ آخر أن العقلية التي صاغت باب الحقوق والحريات هي عقلية الحرص على تضمين هذه الحقوق وليست عقلية تقييد لأن الأصل في الشيء هو الحرية.
هل المرأة قضية دينية؟
أفضت المواجهة مع الدين الى افراغه من بعده الروحي وأدى الغلوّ من اليمين واليسار إلى زعزعة المرأة وخلخلة البنى الذهنية والاجتماعية وظهرت مواقف تعبّر عن استنقاص النساء واعتقاد راسخ في دونيتهنّ وقد بدت الهوّة عميقة بين الظاهر والباطن والخطاب والممارسة.
ولئن كان تصدّع مفهوم الفحولة وخلخلة بناء الذكورة نوعا ما قادحين وراء "انتقام" عددمن الرجال من النساء واتخاذ بعضهم العنف اللفظي أو المادي أو الرمزي وسيلة من وسائل ردّ الاعتبار الى الفحولة المهزومة، فإن مقاومة فئة من النساء للتغيير الذي لحق وضعهنّ له مبررات أخرى منها ما يتعلق بعسر التخلص من الموروث ومنها ما يرتبط بالمرجعية الدينية أو الايديولوجية، ومع تغلغل الخطاب الديني-السياسي في النسيج الاجتماعي صار التنكّر للمكتسبات شرط إثبات الانتماء الى الجماعات الدينية وإبراز الولا للأمة.
إن ما تحقّق من إنجازات ثورية من أجل تحسين وضع المرأة اندرج ضمن رغبة السائس في تحديث البلاد، ومن ثمة وظفت القضية النسائية سياسيا لصالح الدولة التي صارت حاملة شعار الحداثة مفتخرة بما قطعته من أشواط في سبيل التخلص من تركة الماضي المتخلف. لذلك فإن قضية المرأة اليوم مطروحة بحدّة اكثر حيث يرى بعض الباحثين ان المرأة تتمتع بحقوق أوسع في حين يظل النقاش العمومي محتشما في المجتمعات التي تعاني فيها المرأة من الاقصاء والتمييز، لكن في نفس الوقت فإن حجم هذه المكاسب ومخاطر المساس بها هو الذي يفسّر ردة الفعل داخل المجتمع.
لكن مثل هذه القراءة لا تميز في حقيقة الأمر بين تغيير وضع المرأة ومكانتها ودورها باعتباره نتاجا لحركة التاريخ الكوني عموما وبين ما يمكن أن يقوم به نظام ما أو زعيم ما في بلد عربي وعلى عكس دعاة اليوم كان رفاعة رافع الطهطاوي قد فهم هذا التطوّر التاريخي وكان أول من شجع على تعليم البنات، لذلك إن ما يسمى بقضية المرأة في مجتمعاتنا في حقيقة الأمر ليست قضية دينية بل هي قضية اجتماعية سياسية بالأساس حيث يسعى المجتمع الى اعادة انتاج تراتبيته وتوازناته التقليدية من خلال اضفاء صبغة دينية على المحافظة الاجتماعية: فالاسلام لا يمثل عائقا أمام تطور المرأة باتجاه المشاركة الفاعلة والمساواة لكن المشكلة تكمن في نظرة كل طرف للإسلام وطريقة تأويل النصوص، وبصفة عامة يبقى ملف المرأة مقياسا مهما لمعرفة إن كان ما يسمى بالربيع العربي هو لحظة تغيير حضاري باتجاه إعادة بناء مجتمعي شامل أم هو مجرّد تغيير سياسي في هرم السلطة لا أكثر.