سريان الرشوة..

المحامية الدكتورة خلود أديب - العراق - " وكالة أخبار المرأة " الأربعاء, 5 ديسمبر, 2012, 22:24 | وكالة أخبار المرأة

المحامية الدكتورة خلود أديب - العراق - " وكالة أخبار المرأة "

لقد غزت الرشوة الكثير من مناحي حياة المجتمعات المختلفة، حتى لم يكد يسلم منها مجال من المجالات، فلم تقتصر على دول العالم الثالث، على الرغم من تفاقم حدتها، بل شملت حتى الدول الأكثر تقدماً. فهناك الرشوة في الحكم، فيقضي الحاكم لمن لا يستحق أو يمنع من يستحق أو يقدم مَن ليس من حقه أن يتقدم ويؤخر الجديرين بالتقدير والتقديم، أو يحابي في حكمه لقرابة أو جاه، كما يمكن أن نرى الرشوة في تنفيذ الحكم أيضًا.
رَشْوَة ; رِشْوَة (جمعها رِشا) نــوع من الفساد، يُطلق على دفع شخص أو مؤسسة مالاً أو خدمة من أجل الاستفادة من حق ليس له، أو أن يعفي نفسه من واجب عليه. أما إذا كان هناك ظرف خاص يجعل الإنسان غير قادر على استيفاء حق له إلا بأداء الرشوة لظالم أو لحكام؛ فإن ما يدفعه في هذه الحال من أجل الوصول إلى حقه لا يعتبر رشوة كما يرى أكثر العلماء وإنما هو ابتزاز عند الحاجة.
في الواقع يمكن النظر إلى الرشوة على أنها أسلوب من أساليب الاحتيال بغرض استلاب حقوق الآخرين، وحرمان المستحقين من حقوقهم الثابتة أو التي يجب أن تثبت لهم مستقبلاً. مع العلم أن الرشوة قد تأخذ صوراً عديدة، مباشرة في صورة مال، وقد تتم بطريقة غير مباشرة في صورة هدية، ولكنها من المؤكد أنها محرمة في الحالتين؛ لأنها تدور مدار السرقة أو الاختلاس مهما تقنّعت أو تجمّلت، الأمر الذي يستوجب العقاب لمرتكبها دون هوادة. في الأصل، والمتعارف عليه، أن الرشوة تطبع أعمال وتصرفات الموظف العام والذي يفترض أنه يتقاضى أجراً على العمل الذي يؤديه من الدولة، ولكنّه يسارع إلى تقاضي الرشوة من المراجعين وأصحاب المصلحة لقاء ذلك، إلا أنها قد تطال التعيين في الوظائف أيضاً حيث يقوم الشخص بدفع الرشوة للمسؤول عن الوظيفة، ليضمن تعيينه رغم استحقاق غيره، كما تكون في التعليم، وفي مجالات البناء والتشييد، على سبيل الذكر لا الحصر.
ومن الثابت أن للرشوة آثاراً ضارة وعواقب وخيمة على الفرد والمجتمع، حيث تؤدي إلى توسيد الأمر لغير أهله؛ حين يناط بالفرد وظيفة معينة لا يملك مقوماتها وشروطها فيغدو ليس أهلاً لها، وتؤدي بالتالي إلى التقصير في العمل والشح في الإنتاج، ناهيك عن الإهدار للموارد. كما تؤدي، في المجمل، إلى تدمير المبادئ والثوابت الأخلاقية في المجتمع الذي تستشري فيه، وتقود بالتالي إلى سيطرة مشاعر التسيب واللامبالاة وغياب الشعور بالولاء والانتماء الوطني والاجتماعي، بالإضافة إلى شعور من يقع عليه ظلمها بالإحباط.
على الرغم من انتشار العبارات المغلفة والمخففة لهذا الجرم؛ على اعتبار أنها من أعمال المهارة واستخدام الذكاء في تسخير المناصب العامة للمنفعة المادية أو بحكم الضرورة أو الحاجة، تلك العبارات التي تخدم تعميق انتشارها وتدعو إلى التغاضي عنها، إلا الواعي المبصر والبصير يدرك، في أعماق نفسه، أنها مرض من أمراض المجتمع الخطيرة؛ تهز بنيان المجتمع والدولة ومؤسساتها في العمق. وعليه، يتوجب عليها التبحر في أسباب سريان الرشوة في مجتمع ما، والتي تتنوع بين أسباب سياسية وإدارية واقتصادية واجتماعية، قبل أن نتعرض لسبل علاجها أو بالأحرى مكافحتها على أنها تلك الآفة الاجتماعية الفتاكة.
لا بد لنا، أولاً، من التأكيد أن داء الرشوة منتشر في أغلب الأنظمة السياسية، فهي لا تقتصر على الدول النامية والمتخلفة، بل نراها سارية في المجتمعات المتقدمة وإن كان بنسب أقل، حيث تزداد حدة في الأنظمة السياسية التي تضيق فيها مساحة الديمقراطية والشفافية والمساءلة، وتُقمع فيها حرية التعبير والرأي والرقابة، بحيث لا تخضع تصرفات السلطة السياسية للرقابة والمساءلة والنقد، في ظل عدم وجود أجهزة إعلام حرة بحق وقادرة على كشف الحقائق وتسليط الضوء على مواطن الفساد.
ولا ننسى أن ضعف السلطة القضائية، والانتقاص أو فقدان استقلالها عن السلطتين التشريعية والتنفيذية يساعد في انتشار الرشوة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تطبيق القانون على نحو انتقائي (يفلت البعض باعتبارهم فوق القانون تبعاً لمنصبهم السياسي أو الإداري)، دون أن يطال الجميع.
وبينما يفترض بالإدارة أن تلعب دوراً فاعلاً في محاربة الرشوة، بكونها مسؤولة مسؤولية كاملة لمحاسبة مرتكبيها، لكنها غالباً ما تلعب دوراً مغايراً تماماً، قصداً أم سهواً أم إهمالاً، بحيث تؤدي إلى تفشي الرشوة، ومرد ذلك إلى تخلف الإجراءات الإدارية والروتين والبيروقراطية، وغموض الأنظمة وتناقض التشريعات وكثرة التفسيرات، وضعف دور الرقابة وعدم فعاليتها وافتقارها إلى الكوادر المؤهلة والمدربة، وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، والوصول إلى المناصب عن طريق أساليب غير مشروعة. فقد أظهرت دراسات خبراء الاجتماع، مؤخراً أن (80%) من أسباب انتشار الرشوة هي تمتع البعض بمناصب ومراكز تجعلهم بعيدين عن المحاسبة.
ويشكل جانب العمل الاقتصادي أحد أهم العوامل المشجعة على انتشار الرشوة نتيجة انخفاض مستوى المعيشة وتدني أجور الموظفين مقابل الارتفاع المستمر في الأسعار، وسوء توزيع الدخل القومي، بينما تتركز الأموال في أيدي قلة من الأشخاص، بحيث يزداد الانقسام والحقد الطبقي حدة، ويدفع الموظف إلى التعويض عن شعوره بالحرمان والعوز ورغبته بالانتقام ممن يعتقد أن السبب فيما يكابده، من خلال أخذ الرشا من أصحاب رؤوس الأموال.
كل ما تقدم لا يغني عن النظر إلى الرشوة باعتبارها سلوكاً اجتماعياً غير سوي قد يلجأ إليه الفرد أو الجماعة كوسيلة لتحقيق غايات لا يستطيع الوصول إليها بالوسائل المشروعة أو بالطرق التنافسية المتعارف عليها نتاج جملة أسباب كضعف الوعي الاجتماعي - حيث يتم تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة بدافع روابط القربى والمشاعر العائلية والقبلية، وتدني المستوى التعليمي والثقافي للأفراد؛ حين يؤدي جهل المواطن للإجراءات الإدارية والقانون إلى وقوعه فريسة سهلة المنال في يد الموظف الذي يعمل على تعقيد الإجراءات، عمداً، بغية الحصول على الرشوة اللازمة لتفكيكها، بالإضافة إلى ضعف الإحساس الاجتماعي بتعارض الرشوة مع النظام المجتمعي السليم والصحي، فيسارع المستفيدون من الرشوة إلى إسباغ بعض المشروعية عليها عبر تسميات أقل وقعاً، مثل إكرامية أو حلوان أو أتعاب… الخ.
وفي النهاية علينا أن لا نغض الطرف عن ضعف الوازع الديني والأخلاقي، ودوره في تفشي هذا الداء على الرغم من أن الأديان السماوية قد حضت على حرمتها، فيقول الحديث النبوي الشريف: " لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما." بيمنا ورد في سفر الخروج ما يلي: "لا تحرّف حق فقيرك في دعواه. ابتعد عن كلام الكذب ولا تقتل البريء والبار، لأني لا أبرر المذنب. ولا تأخذ رشوة، لأن الرشوة تعمي المبصرين وتعوج كلام الأبرار" (خروج 23: 6-8). وفي سفر التثنية ورد عن الرشوة ما يلي: "لا تحرف القضاء، ولا تنظر إلى الوجوه، ولا تأخذ رشوة، لأن الرشوة تعمي أعين الحكماء وتعوج كلام الصدّيقين" (تثنية 16: 19).
 لذلك يجب أن تتضافر الجهود لمراجعة جميع تلك الأسباب والعوامل التي تعمل على انتشار الرشوة، بدءاً من السلطة السياسية التي يتوجب عليها تبنّي سياسة حقيقية وتأخذ قراراً صريحاً وجريئاً لمكافحة جريمة الرشوة، كائناً من كان المتورط في ارتكابها، وذلك عبر إيجاد هيئة مستقلة لمكافحة الرشوة، والعمل على تحقيق الديمقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين والعاملين، وتوفير حرية الصحافة والتعبير والرأي؛ وذلك لممارسة دورهم الرقابي لكشف مواطن الفساد والرشوة من خلال أجهزة إعلام حرة، وضرورة تحقيق مبدأ استقلالية القضاء والعمل على توفير البيئة المادية والإدارية والسياسية المناسبة للقضاة بما يضمن استقلالهم وحيادهم.
كما يجب مكافحة الرشوة، إدارياً، عبر ممارسة الرقابة الفعالة على الموظفين، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة أمام جميع المواطنين، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب بفعاليةٍ وصرامةٍ - فتتم محاسبة كافة المرتشين والفاسدين وصرفهم من الخدمة، أما من تثبت كفاءته ونزاهته فتصرف له المكافآت المناسبة ويتم ترفيعه في المنصب.
 وبالكلام عن المحاسبة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب لا بد من التعريج على الرؤية التشريعية للرشوة، لشدة أهميتها هنا، حيث تنقسم التشريعات الحديثة في نظرتها إلى الرشوة إلى اتجاهين:
• الاتجاه الأول يرى أن الرشوة تتكون من جريمتين مستقلتين أحدهما يرتكبها الراشي والأخرى يرتكبها المرتشي، وهدا يعني أن كل جريمة يصح فيها العقاب مستقلة ومنفصلة عن الأخرى، فكل منهما تعتبر جريمة تامة بكل عناصرها وأوصافها وعقوبتها، وعليه فإن فعل الراشي لا يعد اشتراكاً في جريمة المرتشي بل هو فعل مستقل يعاقب عليه القانون منفرداً.
ويصطلح على تسمية جريمة الراشي "جريمة الرشوة الإيجابية" وجريمة المرتشي "الرشوة السلبية".
• الاتجاه الثاني يرى أن جريمة الرشوة هي جريمة واحدة، جريمة موظف يتاجر بوظيفته، فالفاعل الأصلي هو الموظف أو القاضي المرتشي أما الراشي فهو شريك له يستعير منه إجرامه.
وقد مال المشرِّع السوري إلى تبني الاتجاه الأول على الرغم من أنه ساوى في العقوبة بين الراشي والمرتشي في المادتين / 341 و342 /، حيث فصل بين كل من الراشي والمرتشي في التجريم واعتبر كل منهما جريمة مستقلة عن الأخرى رغم المساواة في العقوبة ومن هنا جاء النص بإعفاء الراشي من العقوبة إذا باح بالأمر للسلطات المختصة قبل إحالة القضية على المحكمة ونص على ذلك في المادة /344/ ق.ع. وقد قانون العقوبات المرتشي بأنه: "كل موظف وكل شخص ندب إلى خدمة عامة سواء بالانتخاب أم بالتعيين، وكل امرئ كلف بمهمة رسمية كالحكم والخبير التمس أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعداً أو أية منفعة أخرى ليقوم بعمل شرعي من أعمال وظيفته أو التمس أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعداً أو أية منفعة أخرى ليعمل عملاً منافياً لوظيفته أو يدعي أنه داخل في وظيفته أو ليهمل أو يؤخر ما كان عمله واجباً عليه."
 وتتم مكافحة الرشوة، اقتصادياً من خلال زيادة الرواتب للموظفين (بشكل دوري مستمر ويتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة)، وتحسين مستوى المعيشة بشكل عام، بحيث يتمتع الموظف بمستوى لائق كريم من العيش تقطع عليها طريق تبرير الرشوة وربطها بالحاجة والفقر. إلى جانب العمل على التوزيع العادل للدخل القومي والثروات وتخفيف حدة التفاوت الطبقي في المجتمع، وفرض سياسة ضريبية عادلة تضمن الحد الأدنى من إعادة توزيع الثروة القومية بعدل وإنصاف.
 وبالحديث عن مكافحة الرشوة في المجال الاجتماعي، نجد إنه يتم من خلال تربية أفراد المجتمع تربية أخلاقية ودينية"، عبر التركيز على دور الأسرة والمدرسة في توجيه الطفل إلى السلوك القويم والأخلاق الحميدة، ونشر الوعي الاجتماعي العام لمخاطر الرشوة على كيان الدولة والمجتمع، ورفع المستوى الثقافي للمواطنين والعمل على القضاء على الجهل والأمية المستشريين، والتشديد على البعد الاجتماعي لعقاب المرتشي والراشي؛ من حيث اعتبار سلوكه معيباً وشائناً يستوجب الازدراء لا المديح. وهنا يأتي دور علماء الاجتماع والمفكرين والمثقفين في نشر مثل ذلك الوعي والحس الاجتماعي السليم.
  ونختم بالقول إنه إذا فشت الرشوة في مجتمع من المجتمعات فلا شك إنه مجتمع فاسد، محكوم عليه بالعواقب الوخيمة، وبالهلاك المحقق. فلنبادر إلى إنقاذ مجتمعنا السوري بكل ما نملك من أدوات وقدر ما ندخر من قوة.