ماذا عن فيلمنا نحن؟

الكاتبة الصحفية: بدرية البشر - السعودية - " وكالة أخبار المرأة " الخميس, 20 سبتمبر, 2012, 09:30 | وكالة أخبار المرأة

الكاتبة الصحفية: بدرية البشر - السعودية - " وكالة أخبار المرأة "

مشاهد الغضب العارم والهجوم على السفارات الأميركية ومقتل السفير الأميركي في ليبيا (في مدينة بنغازي) مثلما كانا خبراً أولَ في محطاتنا العربية كانا هما نفسهما الخبر الأول في الصحافة الغربية، وقد ساعدتنا في تقصِّي حقيقة ما حدث أكثر مما فعله الهياج العربي، فقد راحت تبحث بدلاً عنا عن تفاصيل ما أثار هذا الغضب. فبماذا خرجت هذه التحقيقات؟ سأكتفي بشهادتين من عرض مئات الشهادات التي سُجلت، فمجلة من أهم المجلات السينمائية هي «هوليوود ريبورتر» تساءلتْ إن كانت المعلومات التي وفّرها باسيلي عن الفيلم حقيقية من الأساس؟ «فالفيلم شديد الرداءة في أسلوب التصوير والإضاءة، ويستخدم خدعاً سينمائية شديدة السذاجة، ومن المستحيل أن يكلف هذا الفيلم الضعيف 5 ملايين دولار، ثم إن كان هناك فيلم يكلِّف 5 ملايين دولار، فلا بد من أن يظهر اسمه في مواقع الأفلام المستقلة، والمواقع المهتمة بأخبار السينما، أو حتى تصاريح التصوير وغيرها من الأوراق الرسمية، فى حين أنه لا يوجد أثر على الإطلاق لأي فيلم يحمل اسم «براءة المسلمين».
وراح متخصصون في السينما يدققون النظر في الدقائق الـ14 المتوافرة على «يوتيوب»، حيث النسخة الإنكليزية الأصلية يظهر فيها بوضوح تلاعب في الصوت، لينتهوا بالتحليل بأن المَشَاهد جرى عليها مونتاج لبضع دقائق، وتركيب صوت يحوي سباباً للرسول، لنشر المقطع على مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة «يوتيوب»، ليبتلع المسلمون الطعمَ خارجين في تظاهرات حاشدة ضد عمل فني وهْمي لا وجود له على أرض الواقع من الأساس، منادين بحرق أميركا.
ربما تكون هذه الاستنتاجات مهمة لنفهم كيف جرت الأمور في الواقع، ولتسحب معها كل التاريخ الذي مضى لهياج قديم، كنا فيه على الدوام طُعماً سهلاً. هذه المرة ليست كما المرات السابقة، لم نَخَفْ من الوقوف في وجه الغوغاء حتى لا يدهسنا قطار غضبهم، ولم يعد أحد قادراً على التشكيك بأن ضبط النفس حكمةٌ، وليس خيانةً، بل إننا صرنا نسمع صوت عمر بن الخطاب الناصح بتجاهل الباطل كي يموت، فهل يزايدُ أحد على عمر بن الخطاب؟
لكن ما الذي تعلمناه هذه المرة طالما أن مسلسل الهياج قد فضح، ولم يتعد كونه بلع طُعماً، وبعد أن رآه آخرون إساءةً إلى مسلسل الربيع العربي وصرفاً عن مكاسبه، وصوّر العرب كأنهم أطاحوا طاغية كي يحلوا محله بالمنهج نفسه من الطغيان.
لقد تورط المهتاجون بتقديم فيلم أكثرَ رداءةً من الفيلم الُمهاجَم، لكن هذه المرة لا نستطيع أن نقول إنه «مفبرك»، أو أن أحداً أنتجه، كيْ يشوه صورة المسلمين، لأنه لسوء الحظ كان فيلماً حيّاً ظهر فيه الشبابُ المسلمُ والعربيُّ يقتل وينهب ويحرق ويرمي الحجارة بشكل أعمى لا يدري بها من يصيب، وأهدى الحزب الديموقراطي الذي وقف مع ثورته «تشنجات» قد تطيحه وتجلب لنا جمهوريين من عينة بوش الابن. فهل نقف هذه المرة لنطرح على أنفسنا سؤالاً: لماذا فعلنا هذا؟ الأمر يكون حين هوجموا في أحداث «11 ايلول / سبتمبر» طرحوا سؤالاً على أنفسهم يقول: لماذا يكرهوننا؟ بمعنى لماذا فعلوا بنا ذلك!؟ كانوا هم الضحية، لكنهم حاولوا أن يفهموا حجم مسؤوليتهم في ما حدث. إنه منهج نقد الذات الذي لا يتقدم الأفراد ولا الدول بدونه. البناء الذي قام في العقلية وفي الخطاب الإسلامي منذ أن اختطفتْه السياسة بناءٌ قديم ومليء بالأخطاء البشرية، ونقدُه لا يعني نقدَ الإسلام، بل نقد ما هو بشري منه، والذي أقفل باب الاجتهاد فيه جعل هذه الأخطاء تعيد نفسها بقداسة، فتهدد من يقترب، لفكها أو الحوار معها.
في الحوار الوطني الذي شاركتُ فيه مرة، سألتُ: كيف يمكن أن نقيم حواراً مع «الآخر» ونحن ندرِّس أطفالنا في المدرسة «أن الواجب علينا تجاه الآخر المخالِف كرهه» فتقدم أحد المشاركين في الحوار مدافعاً قائلاً: «إننا نقصد الكره الإيجابي». لم يحدث أ‍بداً أن كانت الكراهية طاقة إيجابية، لكنها حين تدخل مشروع الكذب على النفس وتمجيد الذات يصبح كل ما نقوله إيجابياً وما يقوله الآخر سلبياً.