إلى من تشير أصابع الاتهام؟

الدكتورة: علياء ابراهيم محمود - مصر - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة " الإثنين, 11 يونيو, 2012, 21:34 | وكالة أخبار المرأة

الدكتورة: علياء ابراهيم محمود - مصر - خاص بـ

هذا قمع لحريتي.. تلك حياتي أنا.. سأفعل كل ما يحلو لي.. فأنا حر.. وأنا حرة.. فحياتي اختياري....
لطالما رددنا هذه الكلمات - ليلاً نهاراً- في مرحلتَي المراهقة والشباب، وبالتأكيد ونحن أطفال، عندما كنا نحاول أن نتمرد على كل من يحاول الوقوف أمام رغباتنا التي عادة هي ضد إرادة الكبار، بدعوى أنهم يرغبون في كبت حريتنا وقمع ذواتنا والحجر على حقنا في الحياة كما يحلو لنا، فكثيراً ما ناضلنا لكي نرتدي ما نريد كيفما نريد، وقاومنا قمعنا لنأكل ما يحلو لنا، وما أكثر اعتراضاتنا على عدم السماح لنا بالسهر أو مصادقة فلان أو علّان..
ولكن هذه الاشياء التي ناضلنا وتعنتنا ولبسنا ثوب العناد لنفعلها، من اختيار الملبس والأصدقاء والخروج، هي أولى دوائر الحرية التي نتعامل معها، والتي سوف نكتشف تدريجياً أنها - بالرغم من بساطتها - تمثل القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها حريات أخرى، سوف تتسع وتتعقد وتتشابك كلما تقدم بنا العمر، منها حرية اختيار التخصص والمهنة والسفر.. وكلها مجالات تحتاج لإنسان لديه القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية مبنية على أسس ومعايير ومهارات لا بد أن يكتسبها تدريجيا، فقيمة الحرية تمثل الأساس في المنظومة القيمية للإنسان، وحقّاً من حقوقه التي كفلها له الله عز وجل، الذي منحه القدرة على التعقل والتدبر والتفكر وبالتالي حرية الاختيار، حتى حرية اختيار العقيدة (لا إكراه في الدين)!! إنه قول الخالق عز وجل الذي كان قادراً على أن يهدي الناس جميعا بـ(كن فيكون)، ولكنه أراد للإنسان أن يتذوق لذة حرية الاختيار التي تجعل منه فرداً مسؤولاً.
وتقع مسؤولية تأسيس المفهوم الصحيح للحرية، وكيفية ممارستها لدى الطفل، على كاهل الأسرة، تلك المؤسسة التي أصبحت تواجه العديد من التحديات في ممارستها لدورها الرئيسي والحيوي في عملية بناء المنظومة القيمية لدى الأبناء، والتي تعد الحرية أهم مكوناتها، ففي هذا العصر تعاني معظم الأسر من عدم إدراكها أننا نربي أبناءنا لزمان غير زماننا، ولواقعٍ يعجُّ بالعديد من التحديات التي باتت تواجهنا وتواجههم، فتخبّطت الأسر بين التربية التقليدية والحديثة، والشرقية والغربية، والمتزمتة والمنفلتة....، لتضِلّ التربية الوسطية الواعية والمعتدلة طريقها في معظم الأحيان، في ظل غياب الثقافة التربوية، وغياب الحوار الأسري، واتساع الهوَّة بين الأزواج والزوجات، وبين الآباء والأبناء، والدوران في طاحونة الحياة اليومية، ومصادر التشتيت والانفتاح والأزمات بكل أنواعها، وانعزال أفراد الأسرة أمام شاشات أخذتنا من بعضنا البعض، وعدم وجود دعم حقيقيٍّ للأم يمكّنها من تأدية دورها كأمّ عاملة لها دورها الحيوي الذي لا غنى عنه على المستويين، وتفاقم ظاهرة "المرأة المعيلة للأسرة"، مع ارتفاع نسب الطلاق والبطالة وغيرها، وتنامي ظاهرة الأب "الحاضر الغائب"، فما بين أب يلهث وراء لقمة العيش، وآخر تغرّب عن وطنه من أجل تأمينٍ ماديٍّ لأسرته، وأب يتمتع برفاهية اقتصادية فيمارس أدنى مستويات الحرية، بالتخلص من مسؤولياته العائلية، لاهثاً وراء طموحاته أو ملذّاته، وآخر تفنن في إيذاء أفراد أسرته، بدءاً من الزوجة، ومروراً بالأبناء الذين يدفعون الثمن، وتبنّى بعض الأسر ثقافة "ماما الخادمة" و"بابا السائق"، فتنازل الآباء والأمهات عن أداء مسؤولياتهم.
في ظل كل ما سبق وأكثر منه، يظن الكثير من الآباء والأمهات أن أبناءهم لا بد وأن يكونوا نسخاً مكرّرة منهم، اعتقاداً منهم أنهم مارسوا حرياتهم بوعي وبمسؤولية، والبعض الآخر يرغب في أن يعوض أبناءَه الحريات التي حُرم هو من ممارستها، وآخرون يرغبون في أن يجنبوا أبناءهم أخطاءً ارتكبوها هم أنفسهم نتيجةَ قراراتٍ اتخذوها في شبابهم تحت شعار "الحرية"، فتتسع الفجوة بين آباء يرغبون في تكرار حياتهم في أبنائهم، أو تعويض ما حرموا منه، أو أن يجنبوا أبناءهم الشعور بالندم الذي شعروا به عندما أخطأوا، لأنهم لم يمتلكوا لجاماً يكبحون به حصان حريتهم الجامح بلا وعي، وهو ما لا يستطيع أن يدركه شبابٌ يريد أن يختبر الحياة بنفسه وليس بخبرات آبائه، ولكنها الفطرة التي فطر الله عليها قلوب الأمهات والآباء؛ حب لا محدودٌ للأبناء، الذين هم جزء لا يتجزأ من أمهاتهم وآبائهم، يمارسونه سلباً أو إيجاباً.
وعندما يلتحق الطفل بالمؤسسة التالية - المدرسة – التي غاب عنها تفعيل دور المجالس الطلابية والأنشطة المدرسية، وغابت من الاساس جودة التعليم الذي يمكن أن يُكسِب الطالبَ تدريجياً كيفية ممارسة الحريات على المستويين الشخصي والمجتمعي، ليجد الطالب نفسه يلعب دور المتلقّي لمعلومات لا يستطيع مناقشة المعلم فيها، إلا فيما ندر، ذلك المعلم الذي جاء من أسرة، وربما كان هو رب أسرة يواجه نفس ما تواجه أسر طلابه من تحديات أو أكثر أو أقل، وربما يكون هو نفسه غير مدركٍ أن مجرد الحجر على رأي الطالب في حل مسألة حسابية أو مناقشة قضية علمية، أو حتى استفسار ساذجٍ، يخنق الحرية في مهدها الأول.
لتتلقف أبناءَنا المؤسسةُ الإعلامية، وهي الأشد تأثيراً عليهم والأكثر جاذبية وإبهاراً لهم، فيصطدموا بإعلام في معظمه يبث قيمة الحرية بمفاهيم مغلوطة ومتناقضة، ويجسد نماذجَ تدعو إلى حرية ارتدت العديد من أثواب الابتذال والفوضى والتطرف والتغرب ....
وهكذا تتعاون المؤسسات الثلاث الأسرة والمدرسة والإعلام، في تقديم أمثلة متضاربة لمفهوم الحرية وآليات ممارستها، مما يتسبب في إصابة النشء والشباب بنوع من الاضطراب والازدواجية يجعلهم فريسة سهلة لعمليات "غسيل المخ" التي تسهم في تبنّيهم لمفاهيم مغلوطة عن الحرية.
ثم نطلب من هؤلاء الشباب - والبعض منه حالفه الحظ بنشأته ضمن أسر واعية وتلقى نوعية تعليم ربما لم تتوفر للسواد الأعظم ، بينما الكثيرون منهم تبنَّتهم مؤسسات لم تجمعها رؤية موحدة في بناء المنظومة القيمية للنشء الذين هم طاقة وعماد مستقبل الوطن – نطلب منهم أن يمارسوا حرية التعبير التي لم يدركوا معاييرها، والاختلاف الذي لا يعون قواعده، و لم يمارسوه تدريجيا ، وحرية الإبداع، والاختيار، والبحث العلمي،.. والأخطر من هذا كله أن كلّاً من هؤلاء الشباب عليه أن يكون أباً أو أمّاً أو معلماً أو أستاذاً أو إعلاميّاً يشارك في تنشئة أجيالٍ تتلقى عنه مفاهيمه الخاصة عن الحرية.
فإلى من تشير أصابع الاتهام في ظل نِسَب الأمية والفقر وفوضى التفسيرات الدينية الصادرة من غير أهل الاختصاص والسيطرة الإعلامية والعولمة التي صنعت كلها مفاهيماً متناقضةً عن الحرية، فسلبت الحرية باسم الحرية كما يقولون..... وللحديث بقية
عبير الكلمات
ما بين مقعد الطالبة ومقعد الأستاذة، لحظاتٌ رائعةٌ أَدين خلالَها بالامتنان لكل من أساتذتي وطلابي، فكلاهما تعلمت منه أن الحب يبني جسراً قوياً بين المعلم والمتعلم.