مظلومية المرأة العراقية مجتمعيا

الإثنين, 10 أغسطس, 2020, 22:02 | وكالة أخبار المرأة

سيماء علي مهدي - العراق - " وكالة أخبار المرأة "

 قبل الإسلام كانت المرأة عند الأغلبية من المجتمع البدوي المتخلف تعتبر عورة رغم بروز شخصيات نسائية مرموقة في كافة نواحي الحياة, مثل بلقيس ملكة سبأ, وخديجه زوجة النبي محمد(ص) واشتغالها بالتجارة, والخنساء وما عرف عنها من الشعر العربي وروائعه, وخولة بنت الازور المقاتلة الشجاعة, وغيرها كثير, وعندما جاء الإسلام أول ما حرم سفك الدماء وعدم التعرض للنساء وقت الحروب وتحريم وأد البنات وكما جاء في قوله تعالى: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ ) وساوى الاسلام المرأة في الحقوق والواجبات مع الرجل وأحترامها بأعتبارها الأم والأخت والزوجة, ومن احاديث النبي محمد (ص) عن المرأة: (إنَّ اللهَ يُوصِيكُم بالنساءِ خيرًا، إنَّ اللهَ يُوصِيكُم بالنساءِ خيرًا، فإنهنَّ أمهاتُكم وبناتُكم وخالاتُكم،...), وقال عليه السلام:(خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ) ويوضح رسول الله في جملة بلاغية رائعة أن النساء يُماثِلن الرجال في القدر والمكانة، ولا ينتقص منهن أبدًا كونُهنَّ نساء، فيقول: (إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ), و من قول الله تبارك وتعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .
وبعد وفاة النبي (ص) ونهاية الخلافة الراشدة بدأت العقول الجاهلية والتي دخلت الاسلام خوفا من سيفه وحرصا على مصالحها الاقتصادية والسياسية والسيادية, وليس أيمانا حقيقا بمبادئه السمحاء بالعودة الى مفاهيم الجاهلية في التعامل مع المرأة, وهمشوا دورها الحقيقي في المجتمع . لكن ورغم التغييرات في المفاهيم وانشاء منظمات لدعم المرأة بوجه عام لازال العنف الاسري قائم إذ تشير الإحصاءات الحكومية إلى أن امرأة من كل خمس نساء عراقيات تتعرض للتعنيف الجسدي (14% من النساء منهن كن حوامل في ذلك الوقت). وأجرت وزارة التخطيط العراقية مسحًا بشأن العنف الموجه ضد المرأة في البلاد، يمكننا إلقاء نظرة على التعنيف الجسدي، ونسبته في المجتمع العراقي:
• 47.9% ضرب الزوجة إذا خرجت من المنزل دون أذنه.
• 44.3% ضرب الزوجة إذا خالفت أوامره.
• 69.5% يمنع الزوجة من زيارة أقاربها.
ويعود السبب لقيم البداوة المتجذرة في المجتمع العراقي، بمفاهيمها الذكورية التي تفضل الذكور على الإناث (الإحصاءات تشير إلى أن 50.7% من الفتيات العراقيات يتلقين معاملة غير متساوية مع إخوانهم الذكور في نفس العائلة، وثلث الفتيات بأعمار 10 - 14 سنة يعنفن جسديًا من إخوانهن و59% من النساء العراقيات يبررن العنف الجسدي) منذ اليوم الأول لولادة الطفل، إلى إعطاء الفرص والصلاحيات للذكور دون الإناث، إلى مفاهيم الشرف و العار.
هذه الأفكار السائدة في المجتمع، جعلت الزواج فرصة للحفاظ على الفتيات، ووضعت الزواج أولوية دون التعليم وأخذ الدور الفاعل في المجتمع، ففتاة من أصل عشر فتيات في العراق تعتقد ضرورة زواج الفتاة قبل سن الـ18 (5% من المتزوجات تزوجن قبل سن 15 سنة، و22% قبل سن 18 سنة). والزواج المبكر في المجتمع العراقي يحرم الفتيات من فرص التعليم، ويجعل إمكانية الاستقلال المادي للفتاة شبه مستحيلة، وبالتالي عندما تجد المرأة المعنفة أنها غير قادرة على إعالة نفسها وإعالة أطفالها تستمر بتحمل تعنيف الزوج لتضمن وجود المأوى لها ولأطفالها.
ناهيك عن المتحرشين ومستغلي المنصب إذ أجرت منظمة بوينت المتخصصة باستطلاعات الرأي والدراسات الاستراتيجية استطلاعاً شمل خمس مدن عراقية أظهر ان ً73% من المشاركات وعددهن (500) امرأة من جميع الأعمار تعرضن فعلاً إلى التحرش الجنسي ضمن نطاق وظائفهن، وأشارت النتائج الى نحو 75% من اللواتي تعرضن للتحرش لم يخبرن أحداً عن تعرضهن له، لكن المتعرضات يواجهن المتحرش بنسبة 68% وان 58% لا يهتمن للتحرش، الأدهى من ذلك ان 85.1 في المائة من المشاركات يعتقدن بأن القانون لن ينصفهن بينما يُسبب لهن الفضيحة اذا قدمن شكوى، غير أن اغرب ما أظهرته الدراسة هو أن الموظفات يتعرضن للتحرش من ذوي المناصب العليا، وان 69% يتعرضن للتحرش والابتزاز الجنسي حين يأتي وقت السلـَّم الوظيفي للترفيع او حين يكون هناك إيفاد الى الخارج او دعوة لحضور مؤتمر في هذه الدولة او تلك وتتضح صور التحرش الجنسي بصورة جلية في المتنزهات والأسواق والشوارع حيث يتواجد الشباب وهم الفئة الأكثر تحرشاً في هذه الأماكن، إذ أنه في الأماكن التي يزدحم فيها الناس يتعدى التحرش بالعبارات اللفظية الى اللمس حيث أن المرأة التي تتعرض الى التحرش باللمس تحاول الابتعاد عن المتحرش قدر المستطاع وتجنبه لكن بعض المتحرشين يمعنَّ بالتحرش بلمس المناطق الحساسة وسط زحمة الناس ويهرب بسهولة قبل رصده. أما التحرش الالكتروني إذ تشهد وسائل التواصل الاجتماعي وقائع تحرش عديدة بالفتيات، وذلك لشعور المتحرش عند ارتكابه المضايقات عبر الإنترنت آمن بدرجة كبيرة مقارنة بالتحرش المباشر كون التحرش المباشر قد يتعرض الى مصادمات مع اشخاص قريبين من الواقعة وبالتالي يعرض نفسة الى مشكلة يعاقب عليها بالقانون ، اما التحرش عن طريق صفحات التواصل يمتاز بنظره بعدم معرفة هويته وبالتالي صعوبة إثباته وقد يكون التواصل من قبل صفحته الشخصية او ينتحل شخصية اخرى يمتاز بمواصفات قد تكون مرغوبة لدى بعض البنات، من هنا نرى ملايين الفتيات يتعرضن للتحرش الإلكتروني بكل أشكاله، بدءاً من رسائل التعارف المجهولة، مروراً بالشتائم وإرسال الصور المخلّة، وصولاً إلى الابتزاز والتشهير و التهكير الى الصفحات والتهديد والتلاعب بالصور الموجودة على الصفحات الشخصية. يجب التركيز هنا على دور القانون حسب ما جاء به المشرع العراقي حيث نصت المادتين (396، 397) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة (1969) تضمنت المادة (396) على أنه:
1– يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس من اعتدى بالقوة أو التهديد أو بالحيلة أو بأي وجه أخر من أوجه عدم الرضا على عرض شخص ذكرا أو أنثى أو شرع في ذلك.
2– فإذا كان من وقعت عليه الجريمة لم يبلغ من العمر ثماني عشرة سنة او كان مرتكبها ممن اشير إليهم في الفقرة (2) من المادة 393 تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على عشر سنين))، كما نصت المادة (397) على انه ((يعاقب بالحبس من اعتدى بغير قوة او تهديد او حيلة على عرض شخص ذكراً او انثى لم يتم الثامنة عشرة من عمره فاذا كان مرتكب الجريمة ممن اشير إليهم في الفقرة (2) من المادة (393) تكن العقوبة السجن مدة لا تزيده على سبع سنوات أو بالحبس)). نلاحظ هنا أن ظاهرة التحرش لم تذكر بنص قانوني واضح وصريح لتكون رادع قوي لمرتكبيها.
ليس التحرش فقط مشاكلنا كثيرة ومُثيرة للحزن والشفقة واستمرار طرحها كجزء من مسؤولية اجتماعية تحتم علينا ذلك. مازال هنالك نساءٌ في الخِيام، نساءٌ فوق طاولات الإتجار بالبشر، نساءٌ في مراكز تحت مسميات مراكز ثقافية يتم استخدامهن في البغاء.