تجربة الأدب الروائي النسوي…غادة السمان نموذجا

الأربعاء, 27 مايو, 2020, 21:19 | وكالة أخبار المرأة

«ذات ليلة سأموت بنزيف داخلي في الذاكرة»
غادة السمان نزفت ومازالت تنزف إبداعا منذ أول قصة لها «من وحي الرياضيات» التي نشرت في مجلة مدرستها، مرورا بمقالتها الشهيرة «أحمل عاري إلى لندن» إلى آخر انتاجها الإبداعي، المتمثل في «امرأة على قوس قزح» الذي احتوى مقالاتها في أدب الرحلات، بجرأة جميلة في التعبير الأنيق، فضلا عن رواياتها الغنية المتمثلة في: «بيروت 75» سنة 1975، «كوابيس بيروت» 1976، «ليلة المليار» 1986، «الرواية المستحيلة فسيفساء دمشقية» 1997، «سهرة تنكرية للموتى» 2003.
أبطال غادة في رواياتهـا مـن الوجوديين، والعبثيين، والمأساويين، والرومانسيين، والواقعيين، من صنع مخيالها، ومخزونها الثقافي المجتمعي، ومن تجاربها الذاتية المتنوعة مع مختلف شرائح المجتمع.
غادة أحمد السمان، كاتبة وأديبة سورية، ولدت في دمشق عام 1942 لأسرة شامية عريقة، والدتها سلمى رويمة توفيت وغادة صغيرة؛ ليتحمل مسؤوليتها والدها الدكتور الرجل العصامي الطموح أحمد السمان، فتحظى غادة في ما بعد برعاية واهتمام وتشجيع والدها في المراحل المبكرة من تعليمها، الذي كان الركيزة الأساسية، إضافة إلى تشجيع أستاذها، لقدرتها في الكتابة الإبداعية؛ لتصبح في ما بعد كاتبة مبدعة متميزة يشار لها بالبنان.
كتبت غادة السمان في قضايا المرأة التقليدية التي تعبر عن معاناتها واضطهادها وتهميشها، إلا أنها إضافة إلى ذلك استطاعت أن تقدم أدبا مختلفا متميزا، خرجت به من الحيز الضيق لمشاكل المرأة المعتادة، والحركات النسوية المكررة، إلى آفاق اجتماعية ونفسية وإنسانية واسعة قيّمة.
 لم يكسر قلم غادة ما واجهته في المجتمع الشامي الذكوري، من تضييق على المرأة العربية وتقييد لحريتها، بل زادها جرأة في مجابهة المجتمع بعاداته وتقاليده وعقليته الذكورية، ومضت تشق طريقها الإبداعي بكل طموح وإصرار وعزيمة. أنهت غادة مشوارها الأكاديمي بحصولها على شهادة الماجستير في بيروت، وملاحقتها من قبل المخابرات السورية، والحكم عليها بالسجن ثلاثة أشهر غيابيا، لتبدأ مشوار التنقل والترحال في أوروبا، مراسلة صحافية، واستفادت كثيرا من هذه التجربة التي ظهر أثرها في مجموعتها «ليل الغرباء»، إلا أن هزيمة يونيو/حزيران 1967 شكلت صدمة كبيرة لغادة وأبناء جيلها، وهذا ما دفعها لكتابة مقالها الشهير من داخل الطائرة «أحمل عاري إلى لندن» ليدرك كل من يقرأ المقال، في ما بعد طزاجة هذا العار المتمثل في هزيمة الوطن وكأنه وليد اللحظة!
من يقرأ ما أصدرته غادة السمان، أو يسعفه الحظ بالمرور ببعضه، من مجموعتها «رحيل المرافئ القديمة» عام 1973، الذي وضحت فيه المأزق الذي يعيشه العربي المثقف والهوة المتمثلة بين فكره وسلوكه، بأسلوب أدبي راقٍ، إلى روايتها «بيروت 75» التي تناولت فيها الواقع المأساوي لبيروت الجميلة، بعد انقضاض الحرب عليها، والذي كان له الأثر العميق في نفس غادة، كما أن استغراقها في كتابة هذه الرواية جعلها تعتذر عن استلام الجائزة الأدبية اللبنانية، التي تقدمها جمعية أصدقاء الكتاب الراقية باسم رئيس الجمهورية، عن روايتها «رحيل المرافئ القديمة»، بل ترسل حماتها لاستلام الجائزة، كي لا تسمح للنجاح باغتيالها عن الكتابة عن بيروت المغتالة بسبب الحرب، إلى مجموعتها «زمن الحب الأول» 1978 التي تحدثت فيها عن فكر الرجل الشرقي، الذي ينحصر في رؤيته للمرأة على أنها مجرد جسد، وأن الرجل الشرقي مفتون بحب التملك، يعشق تملك الأنثى إلى الحد الذي يجعله يُطالبها بترك دراستها وعملها وهواياتها، من أجل أن تبقى في المنزل وتقوم بأعمال البيت.
وبانتقال غادة إلى «كوابيس بيروت» روايتها التي تؤرخ لمرحلة عصيبة في لبنان، حيث الحرب الأهلية فيها تمزق العلاقات البشرية التي لا جذور حقيقية لها، وتلتهم الحرائق كل شيء في هذه المدينة التي رقصت على إيقاع سقوط القذائف والصواريخ، وكيف استطاعت فيها رصد مناخات بيروت، عند تفجر أزمة الحرب اللبنانية، ونقلت أوضاع المثقفين والسياسيين والناس العاديين، حيث رائحة البارود والفساد والفوضى، إذ يمتزج العهر السياسي والمالي والاحتكاري مع العهر الجنسي، في بوتقة مناخ فاسد إنسانيا. كما أنها تغلغلت في ثنايا وزوايا الحياة اليومية لأفراد عاديين يعيشون حياتهم في زحمة الأحداث، غير مكترثين بمصير وطن كامل، ثم روايتها «ليلة المليار» التي تأثرت في كتابتها بالحرب اللبنانية خصوصا، والظرفية التاريخية السياسية التي تعيش فيها المنطقة العربية، خاصة نكسة 67، فشل الوحدة العربية بين سوريا ومصر، والعدوان الصهيوني على لبنان؛ أصبحت بذلك من أهم الروائيات الرائدات في العالم العربي.
لتصدر لها في ما بعد «الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية» التي تغذيها من ذاكرة الأيام؛ فتنسج روايتها من بيوتات الشام، ممزوجة بعبقها الياسميني، بأحداثها أحيانا، وبعراقتها وحضارتها الراسخة عبر الزمان، أحيانا أخرى، عبر مذكرات وهمية لصبية وصديقتها البومة، فتنساب الأحداث وفي ثناياها تتغلغل أنفاس دمشقية، تعكس من خلالها المجريات التاريخية والاجتماعية، لتتوضح في إطار الذات الشامية بكل أبعادها ومعتقداتها وعاداتها الراسخة في ذلك الزمان، فكانت بمثابة سيرة ذاتية، رغم نفي غادة لذلك، ليصدر لها في ما بعد «سهرة تنكرية للموتى» التي تجد الأبطال فيها يهربون من جحيم الحرب الأهلية اللبنانية إلى النعيم والاستقرار الدائمين في باريس؛ ليجدوا ذواتهم في جحيم من نوع آخر لا يطاق، وكأن في ذلك امتدادا طبيعيا لرواية» ليلة المليار». كما أن فيها انبعاث «كوابيس بيروت للحياة من جديد على شكل سهرة تنكرية للموتى» بعد مرور عقدين من الزمن، بالحرب التي دمرت الطاقات البشرية والمادية.
زواج غادة في أواخر الستينيات من الناقد بشير الداعوق، لم يشبع حسها بالحرية، بسبب اختلاف انتماءاتهما، رغم إنجابها منه ابنها الوحيد حازم، الذي سمته على اسم أحد أبطال مجموعة الغرباء، ورغم وفائها لزوجها حتى وفاته، إلا أن علاقاتها العاطفية تعددت، وكانت من بينها علاقتها بغسان كنفاني، التي أنجبت منها مجموعة رسائل أدبية ونشرتها في ما بعد لتثري الأدب العربي، بغض النظر عن رأي النقاد في نشرها. غربة غادة السمان التي فرضت عليها الحياة في باريس في ما بعد، إثر إلقاء قنبلة في ساحة مدرسة ابنها، جعلتها تغادر مرة أخرى حاملة ذاكرة دامية لا تفتأ تنزف ألما وإبداعا، لتبقى من أهم الكاتبات العربيات المعاصرات الملتزمات بقضايا المجتمع والإنسان وحريته، ما ساعد في انتشار أدبها في العالم العربي والغربي على حد سواء، وذلك بترجمته إلى عدة لغات منها: الفرنسية والإيطالية والإنكليزية والإسبانية.
غادة السمان المرأة الحديدية الحرة المتمردة، الأديبة المبدعة، كان لابد لإبداعها أن يستفز النقاد بين مؤيد لتحررها وانطلاقتها، ومعارض لهذا التوجه. ويعد أنيس منصور من أوائل النقاد الذين كتبوا عن غادة السمان، الذي وصفها في ما بعد بأنها غير منتمية، إلا أن الناقد غالي شكري اعتبرها من كبار الروائيين العرب في الأدب العربي؛ لتميزها وتفردها في نوعية الكتابة التي تسلكها عن غيرها من الأديبات في الأدب النسوي. أما ما يثار حول أدب الجنس في أدب غادة السمان، فقد كان بشهادة العديد من النقاد ومنهم: ديكابوا وسمر يزبك، أنه في قمة الرقي من حيث التوظيف في خدمة السياق الروائي، والبعد الدرامي للشخصيات، حتى أنها أصبحت من الرائدات في هذا المجال، وأثبتت قدرتها على توظيفه بمستوى لا يقل عن الأدباء الذكور، ومع ذلك فإن جرأتها الأدبية المناهضة للعادات والتقاليد السائدة، أثار اهتمام كثير من النقاد، إلى تناول أدب غادة بقدر من التحامل والعدائية، خاصة مسألة الجنس، التي احتلت حيزا لافتا في نتاجها، كونه ارتبط بمفهوم الحرية الإنسانية الراقية، وهذا ما دفع وفيق غريزي إلى التركيز على هذا الجانب والإقبال على دراسة أدب غادة في كتابه «الجنس في أدب غادة السمان».
أما الحب في أدب غادة فكان من أهم أشكال الحياة التي تواجه الموت، وكان لعاطفتها الجياشة المتميزة في هذا السياق ما جعل الناقد جهاد فضل يعدها من أكبر الشاعرات اللواتي تميزت بصدقه ووضوحه، إضافة إلى كونها قاصة وروائية وكاتبة كبيرة.
وبالنسبة للغة في أدبها، فقد كانت على كفة تميز مع مواضيعها، حيث ترى الناقدة إيمان القاضي أن لغة غادة كانت بعيدة عن الواقعية التقليدية المألوفة، بل كانت مكثفة غنية بالإيحاءات والرمز وتوظيف الأسطورة، وأما الأرنؤوطي «عبد اللطيف الأرناؤوط» فيرى أن لغة غادة السمان غنية بالتصوير للحظات لم تكن غادة لتفوتها لجماليتها وأهميتها.
ولا عجب في أن ترفض غادة السمان الفصل بين الكتابة النسوية وكتابة الرجل، وأن ترفض مصطلح النسوية، وذلك لثقتها بأن أدبها الذي تميز بالأفكار والموضوعات والأسلوب واللغة الراقية، والذي استطاع أن يضع بصمتها في تاريخ الرواية العربية المعاصرة، سيبرق في سماء الأدب الإبداعي، بدون الحاجة إلى اللجوء إلى مصطلحات تنصفه أو تلفت إليه الأنظار.