مظهر المراسلات الصحافيات تحت مجهر الجماهير ... ناشطو المواقع الاجتماعية يركزون على الشكل لا المضمون في عمل الإعلاميات العربيات.

السبت, 21 مارس, 2020, 22:15 | وكالة أخبار المرأة

أصبحت فدوى شطورو، مراسلة التلفزيون التونسي، حديث الساعة، بعد تغطيتها المباشرة لوقائع التفجير الانتحاري الذي حصل، الأسبوع الأول من مارس الحالي، بمحيط السفارة الأميركية في تونس.
ولم يكن هذا الاهتمام متعلقا بأهمية الخبر، بل بمظهر المراسلة التلفزيونية، الذي استفز العديد من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، أكثر من الواقعة الإرهابية في حد ذاتها.
وفتح ظهور شطورو دون مساحيق تجميل أو تسريحة شعر “لائقة”، شهية الكثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي لإفراغ شحنة التنمّر التي يملكون ضدها، منتقدين شكلها الخارجي.
وكشفت حملة السخرية والهجوم غير المبرر الذي بلغ حد التجريح عن تقديم المشاهدين للصورة على المضمون، وكان علماء النفس وصفوا التهافت على الشكل الخارجي أكثر من المحتوى قائلين إن “ما هو جميل هو جيّد بالضرورة”.
وترى عالمة النفس والباحثة التونسية في مجال الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، مريم كوكي البوعاني، أن “الصورة تلعب في الإعلام السمعي البصري دورا مهمّا في كيفية تقبل المعلومة”.
وتضيف البوعاني مستنكرة “لكن أن يصل الأمر حد الرفض والتنمّر وحتى الاستهزاء.. فهذا يدل على أن المتلقّي يركز بالضرورة على الجانب البصري حتى لو كان الحدث ذا أهمية أو كارثيًا”.
ولفتت عالمة النفس التونسية في حديثها إلى أن “هذه الظاهرة يجب أن تحترم دائما قواعد الأنوثة.. وهي ثقافة”.
لكن هذه الثقافة كما وصفتها البوعاني لم تظهر من فراغ بل جراء اتجاه إعلامي عربي ارتأى لسنوات أن يجعل من المظهر الحسن نقطة جذب هامة للرفع من نسب المشاهدة.
ووفقا لبعض الناشطين الاجتماعيين، فإن هذا التركيز تغلغل في نفوس المشاهدين وجعلهم ينفرون من كل ما هو مختلف وغير جميل حتى وإن كان المحتوى جيدا ولافتا.
وفي العام 2016 حين احتلت تونس بحسب موقع “رانكر” – الذي يعتمد على تصويت الجمهور من مستخدمي المواقع الاجتماعية – المرتبة الأولى عربيا في قائمة أجمل نساء العالم التي ضمت 43 دولة، استنكر العديد من النشطاء ذلك معتبرين اللبنانيات أجمل.


إلا أن بعض المختصين برروا فوز التونسيات على اللبنانيات بالقياس إلى درجة جمال مقدمات البرامج لاسيما الإخبارية منها، قائلين إن التونسيات لا يستخدمن الكثير من المساحيق وعمليات التجميل.
ومع ذلك فإنه في الوقت الذي تكافح فيه المرأة في الوطن العربي للنهوض بمشاركتها المحدودة في القطاع الإعلامي، تجد بعض مقدمات البرامج والمراسلات التلفزيونيات على غرار شطورو أنفسهن يواجهن تحديات جديدة، بسبب تعقب نشطاء المواقع الاجتماعية لزلاتهن “المظهرية” فلا تهمّ سرعة تغطية حدث هام، فالأهم اهتمام المراسلة بمظهرها.
ويعد وجود المرأة في قطاع الإعلام العربي مقترنا بسلسلة من العقبات التي تحد من تقدمها في مجال العمل سواء أكانت بالصحف والمواقع الإلكترونية أم بالإذاعة والتلفزيون.
ووفقا لمنظمة “وان إيفرا”، فإن الإعلام يساهم في التأثير على المجتمع بشكل كبير، وبذلك عندما لا تتساوى النساء مع الرجال في الإعلام، تزيد مخاطر تعزيز الانحياز الجندري والصور النمطية على المستوى الاجتماعي. وإذا حصل ذلك، فلن يؤثر سلبيا على النساء فقط، بل على المجتمع ككل.
الاغتيال الوظيفي
أكدت العديد من الشهادات أن عمل المرأة في قسم الأخبار أو البرامج بالتلفزيون خاصة تحكمه العديد من الاعتبارات، إذ هناك من ينظر إلى الإعلامية على أنها فريسة سهلة وجسد جميل كان صكها للوصول إلى كرسي ذاك البرنامج أو تلك النشرة الإخبارية ومثل هذه الأفكار تجد صدى وجمهورا عريضا من المتابعين.
وتتحمّل الإعلامية بذلك أحكام المتابعين المسبقة التي تقلل من شأن خبرتها وكفاءتها وتعلي من شأن مظهرها وأناقتها، إذ أن بعضا من الذين هاجموا شطورو اتّهموا القائمين على القناة التونسية بأنهم لم يوفقوا في الاختيار، وطالبوهم بالاقتداء بقنوات أخرى تشغّل في صفوفها مراسلات جميلات، معتبرين مظهر المذيعة أو الصحافية عنصرا أساسيا لتواصلها مع المشاهدين.
ويرى علماء نفس أنه لا بدا من تعميم القوانين التي تجرم التنمر، وأشادوا بتجربة بعض الولايات الأميركية التي تدين كل ما من شأنه أن يسبب إساءة وإيذاء للآخرين، قد تصل بالمتضرر حد الانتحار.
وألمحوا إلى أن ”الاغتيال الوظيفي” وهو إحدى التعريفات المختلفة للتنمر، ليس بالضرورة ضررا ناتجا عن منافسة بين الزملاء، وإنما يكمن أيضا في عدم تقييم عمل المرأة وفق اجتهاداتها، بل من منظور يركّز على مدى جمالها وحرصها على المحافظة عليه كيفما كان سواء عن طريق عمليات التجميل أو التملق لأصحاب القنوات ورؤساء العمل من الرجال.
وقالت الإعلامية الجزائرية، سميحة صياد، إنها “عانت طيلة مسيرتها الإعلامية ولا تزال تعاني بسبب مظهرها، حيث وجدت نفسها عرضة للنقد من قبل الزملاء بالمهنة لاسيما عند تغطيتها لأيّ مناسبة أو ندوة فإنها تتهم بأنها جميلة”.
وأضافت صياد ، “من المؤلم أن يكون الجمال تهمة واستنقاصا من قيمة ما أبذله من جهود وتفان في عملي.. لقد تعرّضت إلى عدة مواقف مجحفة ومقصية أشعرتني بالإحباط، أن تكون المرأة نجمة وناجحة في المجال الإعلامي فذلك مرهون أساسا بمهارتها ومدى اجتهادها في عملها. لكن إذا امتلكت المرأة هذه المقوّمات، بالإضافة إلى أنها جميلة، فإنها قد تُرمى بالكثير من التهم الجاهزة وتلاحقها الإشاعات، ويقال إنها توظف جمالها للحصول على مناصب أو ترقيات، وهذه هي الضريبة التي تدفعها معظم النساء الناجحات في عملهن”.
وتابعت “أخوض تحديا كبيرا لأنني أحب كثيرا التقدم والارتقاء في عملي وفي سبيله أقبل التحدي، وفي نفس الوقت أبارك شكلي ولا أتوانى عن الاهتمام بمظهري الخارجي”.
وأظهرت الكثيرات على غرار صياد قدرة على مقاومة التيار الجارف لطموحاتهن المهنية، وتعد الباكستانية طاهرة رحمن إحدى الإعلاميات اللاتي لم يستسلمن ودافعن عن حقهن في الوظيفة بعد التخرج من كلية الصحافة.
وأثبتت رحمن، التي تمكنت في العام 2018 من التغلب على العراقيل لتصبح أول مذيعة مسلمة محجبة تظهر على شاشات التلفزيون في الولايات المتحدة، أن لا شيء مستحيلا أمام بلوغ حلمها وتحقيق تقدم في عملها.
وتعمل رحمن التي تعيش في دافنبورت بولاية أيوا الأميركية، حاليا مراسلة لصالح شاشة محطة “دبليو إتش.بي.إف” التابعة لشبكة “سي.بي.إس” الإخبارية.
لا بد من دعم معنوي
أطلق مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام “الكريديف” في تونس حملة بهدف مناهضة التنمّر المسلّط على النساء في الفضاء الرقمي، وذلك بإنشاء غروب خاص على فيسبوك يحمل اسم “هاو وجهي” (هذا وجهي).
وتدعو الحملة النساء والفتيات من مختلف الشرائح العمرية والفئات الاجتماعية من شخصيات عامة وغيرها المستخدمات للفضاء الرقمي إلى نشر صورهن متجردات من مساحيق التجميل في إشارة إلى أنها لا يمكن أن تكون ضمن العوامل المحددة لهويات النساء.
وتفاعل مع هذه الحملة العديد من الإعلاميات والشخصيات العامة من مختلف الشرائح العمرية وفئات المجتمع حيث قامت النساء بنشر صورهن على الغروب دون مساحيق تجميل، وكذلك فعل عدد محدود من الرجال مساندة للمرأة.
وبحسب وكالة الأنباء التونسية (وات)، فإن الحملة استلهمت من دراسة لمركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول “العنف ضد النساء في الفضاء الرقمي فيسبوك نموذجا”، وهي مساندة لكل النساء والفتيات الناشطات في مجال الحياة العامة والسياسية والمتواجدات في الفضاء الرقمي اللاتي يتعرّضن لكل أشكال العنف.
وأكدت حادثة شطورو صحة الدراسة التي ذهبت إلى أن فيسبوك تحول إلى فضاء غير آمن للنساء، وحاولت “العرب” الحديث مع الصحافية التونسية حول ما تعرّضت له لكنها اعتذرت بلباقة، مبررة رفضها بأنها تمتنع عن الظهور في أيّ وسيلة إعلامية.
وقال مالك أبوعطا، الإعلامي العراقي المقيم في الدنمارك، إن “الإعلاميات (المراسلات) يواجهن العديد من الصعوبات، تظهر أكثر في المجتمعات الشرقية، والعربية منها على وجه الخصوص، التي تنظر بالأساس للمرأة نظرة دونية، فكيف بالمرأة التي تعمل في وسط إعلامي ذكوري. مما يعرضها إلى مضايقات تعوق أداءها وربما إخفاقها في إنجاز مهماتها الإعلامية”.
وأضاف أبوعطا، “بسبب ذلك تشعر الإعلاميات غالبا بنوع من الخوف أو الخشية، وهو شعور ناجم عن خطر أو تهديد متصوّر تواجهه الإعلامية المراسلة، مصدره الجمهور أو المتلقي من جهة، أو المؤسسة والقناة التي تعمل فيها من جهة أخرى، ما يفضي في نهاية المطاف إلى تغيّر في السلوك”.
وتابع “إن المصدر الأول للمخاوف يتمثل في إدارة المؤسسة الإعلامية، ولاسيما الفضائيات، التي تقدم جمال الشكل والوسامة والإثارة في الملابس ونوع المكياج، على المهارة والخبرة والأداء، واللياقة واللغة وسرعة البديهة كشروط أساسية للعمل كمراسلة. مع غياب القوانين التي تحمي الإعلامية الضامنة لحريتها وأمنها”.
وتعد المعايير التي تضعها تلك المنصات الإعلامية للشكل انعكاسا لأفكار المجتمع الاستهلاكي.
أما الطرف الآخر من التحديات التي تواجهه المراسلة، فهو الجمهور، وفقا للإعلامي العراقي، قائلا “هنا تبدو المخاوف أكثر تعقيدا، إذ يخضع الظهور إلى اعتبارات اجتماعية وأخلاقية، وسياسية وأمنية. في ظل مجتمعات مضطربة أو قلقة، يغيب عنها القانون”.
وعدّد أبوعطا ما تتعرض له الإعلاميات من تحديات، مشيرا إلى أن “العمل الإعلامي لا يعرف المواقيت المحددة. مما يعرّض (المراسلة) إلى مخاطر جسيمة من قبل الجماعات المسلحة، أو المنفلتة، أو عصابات ومجموعات إرهابية تتسيد المشهد السياسي والأمني”.
وأضاف “كما تتعرض المراسلة للتحرش من قبل الأفراد، إذا كانت على قدر من الجمال، أو يعرضها للابتزاز، وأحياناً الخطف، والتغييب من بعض الجماعات. وقد لا يكون الجمال وحده السبب في هذه المخاطر، إنما يعود للموقف السياسي من السلطة والنظام والجماعات.. أو الخوف من الأماكن المغلقة بالقلق والتوتر أثناء التحدث مع الناس ومقابلتهم. وهو ما يمتد تأثيره على التفاعل والاستجابة”
نسخ طبق الأصل
القوالب النمطية الجاهزة للمرأة تسيطر على المشهد العام حتى في أكثر الدول انفتاحا، وكانت دراسة أجريت من قبل قسم المتابعة الإعلامية بهيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”، خلصت إلى أنه في دول متعددة شملت روسيا وإيطاليا وإيران وأوزبكستان وبريطانيا لم تكن الأخبار تهيمن عليها فقط أنباء عن رجال، ولكن الرجال كانوا عادة من يغطون الأخبار “الجادة” التي يمكنها أن تجلب الشهرة لمقدميها وكتّابها.
كما كشفت الدراسة المسحية التي غطت أفغانستان وأذربيجان ومصر وإندونيسيا والهند وإيران وإيطاليا وكينيا والسعودية وبريطانيا وأوزبكستان، أنه في الكثير من الحالات، وسائل الإعلام تبرز مكانة الرجال أكثر من المرأة وتقدم ما يعطي شرعية لهيمنتهم المجتمعية على النساء.
وفي الولايات المتحدة يحظى الرجال بتمثيل أكبر بكثير من النساء في الصور التي تستخدمها المؤسسات الإخبارية الأميركية في القصص الإخبارية المنشورة على موقع فيسبوك، بحسب دراسة أعدّها مركز بيو للأبحاث. وهذه الدراسات تكشف أن الوضع في الوطن العربي لا يبدو شاذا بالمرة، مع وجود نظرة جماهيرية استهلاكية بامتياز.
وعلى الرغم من أن قرار رئيسة اتحاد الإذاعة والتلفزيون في مصر الراحلة صفاء حجازي، في العام 2016، الذي نص على إيقاف 8 مذيعات عن العمل بسبب أوزانهن الزائدة أثار ضجة كبيرة، وجدلا حقوقيا وإعلاميا، فإن ذلك لم يقف سيل الإساءات التي تتعرض لها الإعلاميات إلى اليوم.
وكانت حجازي أصدرت أمرا بالإيقاف للمذيعات، لمدة شهر لحين القيام بـ”ريجيم” من أجل الظهور على الشاشة بمظهر لائق مرة أخرى، وهددت بمنعهن من العمل التلفزيوني نهائيا، إذا انتهت المهلة المحددة دون الوصول إلى نتائج إيجابية في خفض الوزن. ووصفت منظمات نسوية القرار بأنه “يمثل مزيدا من التمييز ضد المرأة، فلم يسبق لأيّ رجل أن تعرّض لمضايقات بسبب زيادة وزنه”.
وما أثار المزيد من الغضب داخل المنظمات النسوية، أنه تم نشر أسماء وصور المذيعات اللاتي جرى وقفهن عن العمل، ما يرخي بظلال سلبية على حياتهن الشخصية والعائلية، ويجعلهن مادة للسخرية بسبب زيادة الوزن وعدم الصلاحية للعمل التلفزيوني.
وذكر أبوعطا أن “خمس مذيعات في قناة الجزيرة قدمن استقالتهن من العمل بسبب تدخلات إدارة القناة وعدم احترامها للقواعد المهنية، أو المؤهل والخبرة. إنما اعتمدت مزاجية المسؤول في القناة ورغباته.. وهناك العديد من الأمثلة لهذا النمط في التعامل وخارج حدود اللياقة والقيم الإنسانية”.
وبالنهاية فإن مثل هذه القرارات والانتقادات وحملات التنمّر تدفع بعض الإعلاميات العربيات إلى التسابق للحصول على مظهر جذاب والحرص على المحافظة على المظهر اللائق والنضارة والأناقة أكثر من تركيزهن على محتوى ما يقدّمنه من برامج.
لكن هذا لم يمنع تعرّضهن للسخرية والنقد بسبب كمّ عمليات التجميل أو المساحيق التي قد تفقدهن أحيانا كثيرة المعالم الحقيقية لأشكالهن الطبيعية، أو بسبب ضعف المحتوى الذي يقدمنه ويرى فيه بعض المشاهدين دليلا على تراجع مستوياتهن المهنية والثقافية قياسا بمظهرهن.
وهو ما عبّر عنه الشاعر السوري الراحل نزار قباني بالقول “مكياج المرأة يجب أن يكون مكياجا ثقافيّا لأحبّها، أنا لا أستطيع أن أحتمل امرأة جميلة وغبيّة”، وبالتالي الجمال لا يعكس الجوهر لاسيما في المواد التي يتم تقديمها للمشاهدين، لكن متى يمكن أن يستوعب المشاهد ذلك؟