تحولات لدى نساء اليهود الحريديم في إسرائيل: ثورة نسوية أم جزء من تأقلم النظام الأبوي؟

الثلاثاء, 7 يناير, 2020, 21:39 | وكالة أخبار المرأة

 يشهد مجتمع اليهود المتزمتين (الحريديم) تحولات عميقة في العقدين الماضيين من ناحية مكانة ودور المرأة فيه، خاصة في مجال التعليم والعمل، وهو مجتمع تعتبره أغلبية الإسرائيليين متخلفا وعبئا عليها وعلى الدولة.
في مجال التعليم يتم تخصيص مسارات تعلم منفصلة للنساء المتدينات من الحريديم لتمكينهن من التعليم وتسيير مسارهن الأكاديمي، كذلك من ناحية خروج المرأة إلى العمل في مهن أكاديمية وغير أكاديمية، وقد شمل ذلك انخراطها أيضاً في مجال الهايتك (التقنية العالية).
كما يشهد اليهود الحريديم صعود أصوات نسوية تطالب بالانخراط في العمل السياسي، سواء في السياسة المحلية، أو في السياسة القطرية – البرلمانية، ومطالبة قسم منهن بالانخراط في قوائم الأحزاب الحريدية، فضلا عن انخراط بعضهن في الأحزاب الصهيونية غير المتدينة.
وحسب أغلب التقديرات الإحصائية فإن اليهود الحريديم يشكلون حوالى 10% من مجمل سكان إسرائيل، وترتفع النسبة إذا اقتصرت النسبة على اليهود فقط.
ويتميز المجتمع الحريدي على اختلاف مجموعاته بتكريس الرجال لحياتهم في تعلم التوراة، بينما تساعد المرأة في توفير الدخل المادي، علاوة على ما يحصل عليه الطالب الحريدي من مخصصات حكومية ومساعدات من مؤسسات ومنظمات يهودية.
وحسب معطيات مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل تصل نسبة الطلاق في المجتمع اليهودي إلى 26%، بينما تشير تقديرات إلى أن نسبة الطلاق في صفوف الحريديم لا تتجاوز 3%، مما يدل على تماسك الأسرة الحريدية أو على خضوع النساء في هذا المجتمع.
وبموجب المعطيات التي أوردها مركز المعلومات والبحث التابع للكنيست، فإن عدد الحريديم من الفئة العمرية 25-64 عاماً تصل إلى حوالى 313 ألف نسمة، ويشكلن حوالى 7% من هذه الفئة العمرية من مجمل السكان في الدولة، في حين يصل عدد النساء الحريديات من الشريحة نفسها العمرية إلى 152 ألف امرأة حريدية.
وتشير معطيات عرضت في الكنيست إلى أن 90% من النساء المتدينات من الحريديم يكملن تعليمهن في مسارات مهنية بعد المرحلة الثانوية، كما تصل نسبة العاملات من النساء الحريديات إلى حوالى 75% وهي نسبة أعلى من نسبة العاملين في صفوف الرجال الحريديم التي تصل إلى 50% فقط. وتدرس 8000 امرأة حريدية في مسارات مهنية كل عام، وحسب توقعات وزارة العمل الإسرائيلية فإن هذا الرقم سوف يتضاعف بـ 16 مرة خلال سنوات قليلة، وأغلب النساء يتوجهن إلى العمل في مجالي التربية والتعليم والخدمات الاجتماعية، كما أن 700-800 امرأة حريدية يدرسن مجالات البرمجة.
وتشير المعطيات إلى أن نسبة الموظفين الحريديم في مجال الهايتك تصل إلى 3% فقط، أي ما يعادل 9100 موظف، 5200 منهم من النساء، و44 % من النساء المتدينات اللاتي يعملن في هذا المجال يحصلن على راتب فوق المتوسط.
في هذا السياق، وحسب معطيات المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ( مدار) استمرت التحولات في أنماط عمل المرأة الحريدية في الأعوام الأخيرة، التي تدل على تعمق انخراطها في سوق العمل، حيث تراجعت نسبة النساء الحريديات اللاتي يعملن في مجال التربية والتعليم بحوالى 25% خلال السنوات 2001-2017، من 60 % إلى 45%. وخلال هذه الفترة ارتفعت نسبة النساء الحريديات العاملات من 52% إلى 75%، وتساوت مع معدل العمل لدى النساء اليهوديات غير الحريديات.
وهذا يدل على أن النساء الحريديات يتوجهن إلى مجالات عمل أخرى بالذات في الهندسة والتكنولوجيا والأعمال، حيث تشكل النساء الحريديات حوالى 10% من طلاب الهندسة، أي حوالى 2750 امرأة في 22 مسارا تعليميا.
ويشير «مدار» إلى أن التحولات التعليمية في صفوف النساء الحريديات بدأت قبل المسار الأكاديمي، حيث تنهي أكثر من نصف النساء الحريديات شهادة التوجيهي الثانوية (البغروت)، بينما لم تتجاوز هذه النسبة 30% قبل عشرة أعوام.
وهناك العديد من التفسيرات لهذه التحولات في دور ومكانة المرأة الحريدية وأولاً يجب التفريق بين دورها ومكانتها، فلا شك أن دور المرأة الحريدية كما تشير المعطيات أعلاه قد تقدم في مجال التعليم من المرحلة الثانوية إلى التعليم الأكاديمي، حيث تزداد أعداد النساء اللاتي ينخرطن في المؤسسات الأكاديمية ومسارات التعليم المهني المتنوعة. كما أن انخراطها في سوق العمل ازداد كماً ونوعاً، كماً من حيث تضاعف عددهن في سوق العمل، ونوعاً من حيث تعدد المجالات التي يعملن فيها، من التربية والتعليم مروراً بالهندسة وإدارة الأعمال وانتهاء في مجال صناعات الهايتك.
ولا شك أيضاً أن المرأة الحريدية تقدمت في ذلك على الرجل الحريدي، ووصلت في معدل انخراطها في سوق العمل إلى مستوى معدل انخراط النساء اليهوديات غير الحريديات.
بين دورها وبين مكانتها
وتتساءل دراسة «مدار» هل غيّر هذا الدور من مكانة المرأة الحريدية في المجتمع الحريدي؟ للإجابة على هذا السؤال يشير بداية إلى أن المجالين المهميّن اللذين لم تحرز فيهما المرأة الحريدية تقدما ملموسا، هما المجالان السياسي والديني.
بالنسبة للمجال السياسي فإن الأحزاب الحريدية لا تزال ترفض إدراج نساء في قوائمها وفي هيئاتها القيادية العليا، وبالرغم من أن نساء حريديات حاولن كسر هذا الأمر، لا بل إن بعضهن توجه للمحكمة العليا لإلزام القوائم الحريدية بتخصيص أماكن للنساء، غير أن جهودهن باءت بالفشل، فضلا عن أن المحكمة قررت عدم التدخل في هذا الشأن، فظل المجال السياسي حكرا على الرجال. ورغم أن بعض النساء الحريديات انخرطن في صفوف الأحزاب الصهيونية غير المتدينة، لا سيّما في تحالف (أزرق أبيض)»، ولكن تم اعتبارهن متمردات على التقاليد في المجتمع الحريدي.
يشار أيضا إلى أن امرأة حريدية فازت في الانتخابات المحلية في مدينة بيت شيمش وهزمت مرشحين متدينين لأحزاب دينية، الأمر الذي اعتبر خطوة مهمة نحو انخراط النساء الحريديات في السياسة والحكم المحليين في دولة الاحتلال.
المؤسسات الدينية
أما في المجال الديني، فما زالت المؤسسات الدينية حكرا على الرجال الذين يشكلون السلطة الدينية الحصرية لدى الحريديم، كما أن حضور المرأة في الحيز العام محدود، فما زال هناك فصل للرجال عن النساء في المناسبات العامة، لا سيّما الترفيهية منها، وتجلس النساء في الصفوف المتأخرة في المواصلات العامة، ويُمنع تعليق صور النساء في الأحياء الحريدية. كما أن نسبة التكاثر الطبيعي عند المرأة الحريدية لا تزال مرتفعة، وهي من المعدلات العالية في العالم وتجاوزت منذ سنوات الزيادة الطبيعية لدى فلسطينيي الداخل بعدما كانت هي الأعلى في البلاد، لذلك فهموم الأسرة وتربية الأولاد لا تزال مهمة النساء، إضافة إلى التعليم والعمل، والاهتمام بشؤون البيت والزوج وتوفير دخل شهري للأسرة.
لعلّ التفسير الأساسي الذي ينطلق منه «مدار» لفهم هذه التحولات الكبيرة الآخذة بالتعمق أفقياً وعمودياً، هو أن هناك موافقة من طرف الرجل عليها، أي أن المجتمع الحريدي، بما يحمل من بنى اجتماعية، وتقاليد دينية، وسلطة ثيولوجية مطلقة، منح مشروعية لهذه التحولات. أما السبب الثاني فيعود إلى تحولات متعلقة باندماج الحريديم في التجربة الإسرائيلية، فالأسرلة ضربت جذوراً لها لديهم، بالرغم من انكفائه في الغالب عن المجتمع اليهودي العام. ويرجح أن السبب الثالث يرتبط بضغوط المجتمع اليهودي غير المتدين، الذي لا ينفكّ يطالب الحريديم بالاندماج أكثر في الحياة الإسرائيلية، لا سيّما في التعليم والعمل والخدمة الإلزامية في جيش الاحتلال، حيث أن المؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن اندماج الحريديم في سوق العمل سوف يعزّز مكانتهم الاقتصادية من جهة، ويؤدي الى استمرار نمو الاقتصاد الإسرائيلي من جهة أخرى.