الحرب النفسية وأجهزة العلاقات العامة

الثلاثاء, 5 نوفمبر, 2019, 21:31 | وكالة أخبار المرأة

الدكتور: أحمد عبد الفتاح عيسى - مصر - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

أعزائى القراء من دواعى سرورى أن أكتب فى هذا الموضوع الذى أعتبره واجب وطنى على كل المعنيين بالرأى العام وتوجهات الجماهير النوعية ودعم الدولة والقيادة السياسية فيما يحاك ضدها من حروب نفسية  .
ومن الجدير بالذكر أن الحروب النفسية لا تمارس فقط ضد الدول ، وإنما فى عالم الإقتصاد والمال يتم ممارستها ضد الشركات والمؤسسات والكيانات ، فهى حرب تهدف إلى هدم الكيانات داخليا فلا تقوى على أى منافسة خارجية .
وقبل أن أبدأ فى الحديث التفصيلى عن الحرب النفسية أو ما يطلق عليها تحديدا حروب الجيل الرابع دعونا نأخذ جولة سريعة لمعرفة تطور الحروب .
فى البداية أحب أن أوضح أنه لا يوجد تاريخ فاصل يوضح بشكل قطعى المراحل الفاصلة بين كل جيل من الحروب وأخر ، ولكنها بشكل تقريبى يتم تحديدها ، وبدأت حروب الجيل الأول تقريبا فى الفترة ما بين 1600 و1880 ميلادية ، وأتضحت معالم حروب الجيل الأول بوضوح فيما يسمى بالحرب النابليونية .
وركزت هذه النوعية من الحروب على العدد أو القوة البشرية وكانت فيها الجيوش تتلاقى فى الصفوف الأمامية وجها لوجه ، وكانت الخسائر البشرية فادحة .
ثم تطورت الحروب من الجيل الأول للجيل الثانى ، وأصبح التركيز فيها على العتاد أو ما يسمى بالتسليح .
وتأتى بعد ذلك حروب الجيل الثالث وفيها تم التركيز على المناورة والتكتيك ومحاولة الإلتفاف والوصول للصفوف الخلفية أو ما يسمى بالإمداد وتدميرها ومن ثم تصبح الصفوف الأمامية لقمة سائغة ، وظهرت بوضوح فى حروب الفترة التاريخية بدءا من عام 1940 .
ونصل الأن للحديث عن حروب الجيل الرابع بدءا من مرحلة تفكك الإتحاد السوفيتى قديما وثمانينيات القرن العشرين، ولمعرفة ألية عمل هذه الحروب ينبغى أن نعلم أن الشعوب والأوطان يتم تقسيمها لقوى عسكرية وقوى مدنية ، فإذا ما سقطت القوى العسكرية أصبحت القوى المدنية هشة ضعيفة وتسقط بعدها الدول ، وكذلك الحال إذا إنهارت القوى المدنية أصبح من السهل الفتك بالقوى العسكرية ،وذلك لأن القوى المدنية تمثل الجهاز المناعى الذى يدعم القوى العسكرية داخليا ويمثل عامل أساسى فى تماسك الدول والشعوب .
وكما ذكر إيفى لى رجل العلاقات العامة أنه وبسبب الشائعات إنهارت كثير من الدول فى الحرب العالمية الثانية قبل إنهيارها عسكريا ، نعم إنهارت بسبب فتك الشائعات بالقوى المدنية ، مما كان له أثره السئ على القوى العسكرية وتماسكها ومدى جدوى مقاومتها وصمودها ، ومنذ ذلك الحين وبرز دور أجهزة العلاقات العامة فى صمود الجبهة الداخلية وتماسك الدول وأصبحت تخصص الدول ميزانيات ضخمة لأجهزة العلاقات العامة لا تقل عن ميزانيات التسليح العسكرى ، إذ ثبت بما لايدع مجالا للشك من خلال تجربة الحرب العالمية الثانية ، أن تماسك الجبهة المدنية الداخلية والروح المعنوية العالية هى سبب رئيسى لصمود وتماسك الجبهة العسكرية .
مما سبق يتضح لنا أن الحرب النفسية أو حروب الجيل الرابع هى حروب الشائعات ، وهى التى حذر منها الرئيس عبد الفتاح السيسى فى خطابه بهذا الشأن محذرا من حروب الجيل الرابع والجيل الخامس .
ولكن كيف تعمل الشائعات وما هى الخطط المتبعة من قبل أعداء الوطن فى حروب الجيل الرابع ؟
بعد دراساتى المستفيضة فى هذا الصدد توصلت إلى أنه هناك أربعة مراحل يتم إتباعها فى هذه الحروب التى تسمى الحرب النفسية أو حروب الجيل الرابع أو حرب الشائعات .
المرحلة الأولى التشكيك :
وفيها يتم إطلاق الشائعات حول القيادة والقدوة فى المجتمعات وطبعا تتميز حروب الجيل الرباع بإعتمادها على التكنولوجيا الحديثة ممثلة فى وسائل التواصل الإجتماعى التى تجعل الإشاعة تنتشربسرعة أكبر من سرعة إنتشار النار فى الهشيم ، ولابد من سرعة توضيح الأمر للجمهور وعدم ترك حالة الغموض تسيطر على الجمهور ولابد من وجود شفافية فى معالجة الشائعات ، وهنا يتضح دور العلاقات العامة فى إصدار البيانات أو عقد مؤتمر لتوضيح الأمر وعدم تركه وعدم الإهتمام بما يدور فى أذهان الجماهير ، وهنا أتقدم بالشكر للرئيس عبد الفتاح السيسى فى خطوته الموفقة عندما صارح الجماهير وكاشفهم بملابسات موضوع محمد على ، إذ أنه من الصواب فى هذه الحالات ، التوضيح والشفافية وليس العكس ، لأن الإهمال يمثل بيئة خصبة لإنتشار الشائعات ومن ثم نجاح أعداء الوطن فى المرحلة الأولى من الحرب النفسية التى تسمى بالتشكيك .
المرحلة الثانية التفكيك :
بعد إنتشار الشائعات وعدم وجود من يتصدى لها تنتقل الجبهة المدنية فى أى بلد من مرحلة التشكيك إلى التفكيك ، وذلك بعدما تجد شائعات منتشرة ولا يوجد رد عليها أو توضيح من القيادة ، فتفقد الثقة فى القيادة ، وبعد فقد الثقة فى القيادة ، يصبح إرتباطها بالقيادة ضعيف جدا حتى ينعدم وينقطع بسبب الشك وفتك الشائعات بالعقول والقلوب ، فتنقطع كل حبال الثقة بين القيادة والجبهة المدنية الداخلية .
المرحلة الثالثة التفريق :
فى هذه المرحلة تبدأ الجبهة المدنية بسبب طول البعاد وقطع حبال الثقة بينها وبين القيادة ، فى تبنى موقف معادى للقيادة فتصبح وكأنها فريق والقيادة فريق أخر على طول الخط .
المرحلة الرابعة التنازع :
وإذا لم تنتبه القيادة لهذه المرحلة الثالثة المسماة بالتفريق ، ولم تبذل الجهود المحتم عليها بذلها للقضاء على هذه الحالة من الإنقسام المجتمعى ، فإنها سوف تنزلق أقدامها للمرحلة الخطيرة الرابعة والتى يبدأ فيها النزاع على القيادة ، وفى هذه المرحلة يتم تدمير الجبهة المدنية الداخلية تماما ، حيث أن نزاع حروب الجيل الرابع يمر بثلاثة ملامح رئيسية ، الملمح الأول وهو الإنهاك ، حيث أن كل الأطراف تعرف جيدا بعضها بعضا ، لذلك فالجميع يلعب بإحترافية عالية تقود إلى إنهاك الأخر ، وبعدها يأتى ملمح الإرباك ، وهو إضطراب داخلى يصيب معظم الأطراف بسبب توقعهم تصرف معين من الطرف الأخر الذى كان يوما ما معهم فى نفس الخندق ثم يخيب ظنهم بسبب حدوث عكس ما كانوا يعتقدون حدوثه ، فيحدث إرباك شديد لهم فى حساباتهم ، فيقومون أيضا برد الصاع بشكل يربك الطرف الأخر ، وهكذا تظل الجبهات المدنية تتقاسم وتتكاثر وتأكل بعضها بعضا ، وبعدها ينتهى الأمر للجميع بالفشل ،وفى ختام بحثى هذا أتمنى أن أكون قدمت شيئا ولو يسيرا لوطنى ولمؤسستى التى أعمل بها وكذلك مؤسسات الوطن المعنية بالرأى العام حتى لا يكونوا عرضة للوقوع فى براثن حروب الجيل الرابع  ولا يسعنى إلا أن أختم بقول الله تعالى
(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم )
وإلى اللقاء فى بحث أخر من أبحاث الرأى العام