رئيسة نيوزيلندا:حين تحكم الأخلاق

الإثنين, 25 مارس, 2019, 17:15 | وكالة أخبار المرأة

رجال، رجال، رجال، العالم الذي يتعاقب عليه حكم الرجال ما تُراه أثمر منذ سنوات طويلة سوى الدمار، والقتل، والمادية الكريهة، الرجل الذي امتلك سطوة العضلات قوة، واستضعف جسد المرأة، وألغى ما تتمتع به من الوعي والحكمة، والاتزان الذي حبتها به الطبيعة عندما خصتها بالأمومة، العالم الذي يسوّق وينظّر فيه الرجال إلى تسيّد الأمم، والشعوب، وصهرهم في مخروط واحد يشبّون فيه النار متى أرادوا، ويحولونه إلى لعب، وأشكال كاريكاتورية، وهلامية، وشرائح ألكترونية يقودونها بضغطة ماوس، والعالم الذي ينصّب الرجال حكاما، وقادة، وطواغيت، إلا ما رحم ربي في دول استوعبت، ووعت الديموقراطية الحقة من تبادل الأدوار بين الذكر والأنثى، أما آن له أن يغير وجهات النظر التي يتشبث بها، ويلتفت قليلا إلى أرض الواقع ليأخذ العبرة مما يحدث عليها، ويراجع رؤيته إلى كل شيء، ثم يطالب بتسييد المرأة زعيمة، وقائدة، وبانية دول بدلا من الرجل الذي لم يجلب بتعضّل فكره سوى الإبادة للمجتمعات، والهلاك، والخراب؟!
 نيوزيلاندا الدولة الهادئة التي أعطت، وتعطي منذ أسابيع، وأعتقد أنه سيطول بها الأمد في ذلك، دروسا لقنت بها العالم الأهوج قيمة التعقل، والحكمة التي أتت من حاكمة تداركت الشر قبل أن يستفحل، حين أمرت حكومتها بأجهزتها كاملة بالاستنفار ردا على مسلسل إجرامي بالكاد افتتح حلقته الأولى بالمذبحة التي أودت بحياة خمسين إنسانا دفعة واحدة، في مسجدين في مدينة " كرايست تشيرش" وهم يمارسون طقوس عبادتهم بسلام روحي وادع، رجال، ونساء، وأطفال مسلمون اقتنصوا ساجدين لربهم في يوم الجمعة الذي يعظمونه غير دارين بما يتهيأ له المجرم الإرهابي الأسترالي الذي خطط للعملية بإتقان، واستهتار بعد أن طُمست روحه بالحقد الطائفي، والعقائدي والعنصريّ، فاستقزم العالم، واختزله إلا في العرق الأبيض الذي ينتمي إليه، وفي منتهى الشر الفظيع والمرعب صبّ طلقات رشاش صدرت عن قلب اندثرت منه القيم، والمروءة، والأحاسيس، قلب إرهابي متطرف معبأ بمداد قاتم، وغباء، وإجرام، متباهيا به حين نقشه باللون الأبيض الذي يتبناه انتماء على سلاح اسودّ بما في نفسه من دهمة، وقذارة، وبأفكار استقاها من وقائع عصرها من التاريخ الذي كعادته يحفل بانتصارات وهزائم ضحيتها الشعوب المستضعفة، والتي هي من فعل الرجال، وتخطيطهم في الغالبية العظمى، وإن كان لا ينكر أن تحذو بعض النسوة حذوهم في نسج الشر كما أرّخ لنا في صفحاته، ليجيء المسلسل الذي حمل في طياته الموت والقتل والحزن، والقهر لأسر كثيرة لم ترتكب من الذنب شيئا!
  وماذا كان يمكن أن تكون ردة الفعل على تلك العملية القذرة، لو لم تسارع جاسيندا رئيسة وزراء نيوزيلاندا إلى تملك ناصية الأمور بما أوتيت من حكمة المرأة، واتخاذها العاطفة الإيجابية سلاحا تمنع به الدم الذي كان سيتوالى سفكه، وتطبب به جراحات من لذعوا بفقد الأهل، والأحبة، "جاسيندا أرديرن" المرأة، وقد بُعثت العاطفة امرأة، والرّوح امرأة، والأرض امرأة، والشجرة امرأة، والحكمة امرأة، والأمومة امرأة، والسماء امرأة، والمواساة امرأة، وجهنم امرأة حين تفقد الصبر، جاسندا أرديرن رئيسة الوزراء، بما استوعبته، وكرسته في نيوزيلندا بذكاء الأم المحبة الحريصة على رعاياها، ووطنها، والمقدرة لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها في الحكم وإدارة البلاد سارعت إلى حشر نفسها بين الجموع الملتاعة فكانت إحدى أفرادها، كانت الأم لمن فقدت ابنها، وكانت الزوجة لمن فقد زوجته، وكانت الأخت، والأخ، والمسلمة بسلوكها الذي دفعها إلى تأكيد احترامها لدين المسلمين الذين كُلموا في مُصلّاهم بمجاراتهم في كثير من شرائعهم في التحية واللباس، والسماح لأذانهم بأن يعلو في جنبات البلاد في الجمعة التي تلت جمعة نكبتهم، ليتجلى ذكاء الحاكمة العاقلة التي ترفض الإرهاب والتسويق له بالامتناع عن ذكر اسم المجرم في معرض خطابها، والجرأة على التصريح برأيها، ونعته بالإرهابي، والمتطرف، في حين امتنع كثير من حكام العالم الحر، وحكام العالم المتخلف، عن شجبٍ، إن جاء ـ فبكلمات لامست الشفاه، ولم تتعدها، ومنهم من أغضى الطرف عن جريمة تصنّف كأكبر الجرائم العنصرية المدمرة في القرن الحالي، ومنهم من آثر اللوذ بالصمت، والاختباء وراء وجهه المشطوب فيه الحياء، تلك الحاكمة المرأة بذلت أقصى جهدها لدرء خطر التشرذم عن وطنها، وحمايته من سيول الثأر التي كان مقدرا لها أن تأتي كردات فعل على ما جرى للمظلومين الذين كانوا مطمئنين في قعر دارهم.
 ما قامت وتقوم به تلك الحاكمة المرأة من تأكيد المواطنة للاجئين المسلمين الذين سبق لهم أن استقبلتهم نيوزيلاندا، وأقاموا، وشيدوا، وبنوا حياتهم الخاصة فيها، لهو أعظم رد اعتبار لهم، ولدينهم، وهو  أكبر شطب للمجرم بأفكاره، وحقده الذي فعل ما فعل دون أن يبدي شفقة، أو اكتراثا، وألغى أية نظرة إنسانية في أن الأرض ملك لجميع الخلق، ومن حق من أوذوا في ديارهم أن يسرحوا فيها إلى حيث يستشعرون الطمأنينة، والسلامة، وما أبدته، وتبديه السيدة جاسيندا من أخلاق، وسلوك راق مترفع في التعامل مع الأزمة الصعبة التي عصفت ببلادها يستجلب إلى الذاكرة " فارس الخوري " المفكر، والسياسي السوري الذي وقف موقفا مماثلا في الوطنية، والوعي الحكيم حين انبرى ناطقا بالشهادتين من على منبر الجامع الأموي داحضا بها مزاعم الجنرال غورو الذي قاد الحملة الفرنسية بحجة حماية المسيحيين في سورية مؤكدا على وحدة السوريين تجاه عدو مشترك.
 وأليس بعد هذا الذكاء السياسي، والإنساني لامرأة مثل رئيسة وزراء نيوزيلاندا، وبعد ما نكبته النسوة في الحروب، والفواجع في أزواجهن، وأبنائهن من قبل الزعماء، والمتسلطين من طغاة البشر من الرجال الذين يبتكرون الحروب، والمآسي، يحق لنا أن نطالب وبشدة بأن تتزعم نسوةٌ العالم الذي ينشد أما رؤوما تحتضنه، لا ذئابا مدمرة تفترسه؟!