عام التسامح في الأمارات والجذور

الأحد, 3 فبراير, 2019, 21:59 | وكالة أخبار المرأة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة- خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

التسامح تفاعل من الثلاثي (س م ح) ، بمعنى العفو والتجاوز، والعـفـو من صفات الله تعالى فهو العفوّ الغفور والرؤوف الرحيم، واتصف الرسول الأعظم بصفــــــــة العـفـو والسماح، فلقد كان يعفو عمن ظلمه ويسامح من يجهل عليه ويعطي من حرمه، وكان يحثُّ على ذلك، فلقد كان غافياً مرة فأفاق ، فبكى ثم ضحك فسُئل عن ذلك ، فقال : (رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : يَا رَبِّ خُذْ لِي مَظْلَمَتِـي مِنْ أَخِي ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَـــى : أَعْطِ أَخَاكَ مَظْلَمَتَهُ ، فَقَـــالَ : يَا رَبِّ مَا بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِي شَيْءٌ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي ) ، وَفَاضَتْ عَيْنَـا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : ( وَإِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَيَوْمٌ عَظِيمٌ يَوْمٌ يَحْتَاجُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى أَنْ تُحْمَلَ عَنْهُمْ أَوْزَارُهُمْ ) ، ثُمَّ قَالَ : ( قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ بِحَقِّهِ : ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرْ إِلَى الْجِنَـــانِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ ، فَقَال : لِمَنْ هَذَا يَا رَبِّ ؟ قَــــالَ : لِمَنْ أَعْطَانِي ثَمَنَهُ ، قَالَ : وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ يَا رَبِّ ؟ قَالَ : أَنْتَ ، قَالَ : بِمَاذَا ؟ قَالَ : بِعَفْـــوِكَ عَنْ أَخِيكَ ، قَالَ : يَا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ ، قَالَ : خُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَادْخُلا الْجَنَّةَ ) ، ثُمَّ قَالَ : وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) سورة الأنفال – 1، والحديث صححه الحاكم وله شواهد ، ويعمل به في فضائل الأعمال، كما هو معلوم في قواعد التحديث .
وتسمية هذا العام 2019 بعام التسامح في دولة الأمارات العربية المتحدة ليس أمـــراً مبتدعا، وإنما هو تعبير عن حقيقة هذه الدولة المتحضّـرة التي بنـاهـا صــاحب السموّ الشيخ زايد آل نهيان رحمه الله على أسس التعاون الإنساني الأثيـل ، ومواقفه الخالدة تشهد بالعفو والتسامح ، وقد أقام صرحاً يُحتذى في التسامح والتعاون، سداتُهُ القيم الإسلامية ولُحمته القيم العربية الأصيلة .
كان يدعو رحمه الله إلى التعامل مع الناس حسب أعمالهم بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية(ولنتذكر الأعراق المتعددة والجنسيات المختلفة التي تعيش على ثرى الدولة)،كما يلزم أن نتذكرأننا دولة تطمح لجلب الخير الى جميع القاطنين على أرضها ، دولة تؤسس للنماء والقيم الإنسانية المتمدنة وتشيد لذلك وزارتين هامّتين همــا وزارة السعادة ووزارة التسامح وهي دولة نموذجية مثلى غير مسبوقة بهذا المنحى.
ولذلك نسطر هنا كلمة الشيخ نهيان آل نهيان حفظه الله إذ يلخّص لنا الموضوع قائلا: تعلمنا التسامح في الإمارات من أقوال وأفعال زايد .
وفي لغة الجذور تتسامى (سِ- السين) مع الميم وتعانق الحرف الحلقي(ح- الحـــــاء) مكوِّنة البناء الهيكلي لمصطلح التسامح:
حرف الصفير (السين) وهو من مجموعة الحروف المهموسة .
يليه حرف (الميـم) وهو متوسط في الشدة والرخاوة، وتوسطه يعبّـر عن مكانــــــة التسامح في التعامل مع الناس أفراداً وجماعاتٍ ، ويؤكد هذا مجيء الميم في وسط اللفظة (س م ح)، ثم الحرف الحلقي (الحاء) الذي يضفي على اللفظة سحابــــة من الدفء والحنان .
جاء في حديث عطاء : اسْمَحْ يُسْمَحْ لك ، والعرب يصفون شريعة الإسلام الغــــرّاء بالحَنِيفِيَّة السَّمْحة ؛ أي ليس فيها ضيق ولا شدة . قال ابن فارس في المقاييس :
السين والميم والحاء(س+م+ح) أصلٌ يدلُّ على سَلاسةٍ وسُهولة . يقال سَـمَـح له بالشيء . قلنا : أي تجاوزه جوداً وتفضّلاً .
ورجلٌ سَمْحٌ، أي جواد، وقومٌ سُمَحاء ومَسامِيح
ويقال سَمَّح في سيره، إذا أسرع . قال: ومن الباب : المُسامَحة في الطِّعان والضَّرب، إذا كان على مُساهَلة ، ويقال رُمْحٌ مسَمَّحٌ : قد ثُقِّفَ حتَّى لانَ .
وفي لهجة الإماراتيين الدارجة تطالعنا كلمة مهذبة وجميلة جدا (السموحــة يا .......)
يلتمسون العفو والمسامحة من الطرف الآخر ، وقد لا يكونون أساؤوا إليه، يقولونها أدباً ، وزيادةَ تهذيبٍ وكـمالَ إنسانية وحسنَ تعاملٍ .
وتقول العرب : رجل سَمِيحٌ ومِسْمَح ومِسْماحٌ: سَمْح؛ ورجال مَسامِيحُ ، ونســــــــــاء مَسامِيحُ (كذلك) ؛ قال جرير:
 غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ سَماحةً،*** وكَفى قُريشَ المُعضِلاتِ، وَسادَها
 وقال آخر:
 في فِتْيَةٍ بُسُطِ الأَكُفِّ مَسامِحٍ، ***عندَ الفِضالِ نَدِيمُهم لم يَدْثُرِ
وفي الحديث : يقول الله عز وجل: "أَسْمِحُوا لعبدي كإِسماحه إِلى عبادي"؛ الإِسماح: لغة في السَّماحِ ؛ يقال: سَمَحَ وأَسْمَحَ إِذا جاد وأَعطى عن كَرَمٍ وسَخاءٍ ؛ وقيل : إِنّمـــــا يقال في السَّخاء سَمَح ، وأَما أَسْمَح فإِنما يقال في المتابعة والانقياد ؛ ويقال: أَسْمَحَتْ نَفْسُه إِذا انقادت ، والصحيح الأَول ؛ وسَمَح لي فلان أَي أَعطاني ؛ وسَمَــح لي بذلك يَسْمَحُ سَماحة
وأَسْمَح وسامَحَ: وافَقَني على المطلوب ؛ أَنشد ثعلب :
 لو كنتَ تُعْطِي حين تُسْأَلُ، سامَحَتْ لك النَّفسُ، واحْلَولاكَ كلُّ خَليلِ
 والمُسامَحة: المُساهَلة.وتَسامحوا: تَساهَلوا
وفي الحديث المشهور: السَّماحُ رَباحٌ أَي المُساهلة في الأَشياء تُرْبِحُ صاحبَهـــــا .
وبعد : فلعلَّ هذا ما أرادته القيادة الرشيدة في دولتنا العتيدة من اطلاق عام التسامح بعد عام زايد الخير رحمه الله، ونحن نأمل من الجميع الالتزام بالتسامح وقيم العـفـو والأخلاق الاسلامية لمنفعة الأمة والله الموفق وهو الهادي الى سواء السبيل .