ذات يوم..... ذهبت جدتي إلى السوق

الإثنين, 10 أغسطس, 2015, 09:08 | وكالة أخبار المرأة

الكاتبة الصحفية:عواطف بن مجحوب فضة - تونس - خاص بـ "وكالة أخبار المرأة"

حدثني أبي قال : كانت جدتي في زمان ما  اذا قصدت السوق و سمع بها فلان أو لمحها فلان  من رجال المنطقة إلا و تهاطلت عليها الهدايا من كل حدب و صوب فمن العيب على رجل أن يرى امرأة يعرفها زوجة فلان أو ابنة فلان  أن لا يشتري لها شيئا من السوق و لو تطلب منه الأمر أن لا يقتني حاجته"
ما أجملها صورة التي اجتمعت فيها القيم الراقية الأصيلة  فالكرم و الشهامة من شيمنا و التقدير و الاحترام و التبجيل للمرأة من أخلاق ديننا....فاليوم لا نكاد نسلم من الألسنة البذيئة و الدنيئة و الحركات الصبيانية من بعض الرجال و هذا ما جعلني انتبه لشيء ربما هو من الأسباب الأساسية للمعاكسة التي تتعرض لها المرأة في الشارع.
 فسئلت أبي قائلة: هل كانت جدتك تتغطى بلحاف 'السفساري'؟
رد أبي مبتسما كعادته : كنا نعيش بالريف و كانت النساء ترتدي 'الملية' وهي لباس تقليدي تونسي كان لباسا فضفاضا  يضرب طوله نصف الجهة السفلى من الساق و كن يضعن على رؤوسهن 'التقريطة التونسية'  و كانت ظفائرهن تخرج من تحتها و تتدلى على أكتافهن ."
بدى أبي معجبا و فخورا جدا بلباس جدته  و كأنه إزاء لوحة فنية مرسومة بريشة فنان مغترب يتوق شوقا إلى تراب الوطن.
كان الاستعمار متغلغلا في جسد المجتمع و يملئه بآفات الفقر و عاهات الجهل و التهميش, فالرجل  لا يسمح للمرأة بالخروج وحدها بينما يحتفي بها في السوق ويحمل لها كل التقدير و الاحترام  و يأتي لها بالهدايا تعبيرا عن تبجيله لها , و النساء كن لا يخرجن للعمل إلا في الحقول مع أزواجهن  بينما كان يعول عليهن كثيرا في العديد من المهام الصعبة لمقاومة الاستعمار فكن يزودن الفلاقة في الجبال بالطعام و يتكبدن المخاطر لإعانة الرجل, صور متناقضة جدا فالرجل  نظرا لفكره السلطوي الذكوري يرى نفسه  الأقوى و المرأة كائن ضعيف و واجب عليه حمايتها ولكنه يعول عليها في مهمات خطيرة  هذا من جهة و من ناحية أخرى يمنعها من الخروج خوفا من أن تراها الأعين الخبيثة فتنهك من شرفه و لكنه يهرول إليها بالهدايا عندما يلمحها في السوق !!!! 
 هذه الصور تعكس تناقضا جليا في سلوكيات المجتمع فالأب هو السلطة  التشريعية و التنفيذية في الأسرة وهذه السلطة التي يحاربها بعض أنصار حقوق المرأة  لأنها تغلغل في المجتمع فكرا سلطويا ذكوريا بامتياز لكن إذا ما تمحصنا جيدا نراها  تحمل في طياتها معاني و قيم راقية جدا يمكن أن تكون بوعي أو عن غير وعي  و هنا يكمن الخلل المجتمعي وهو ما يسميه علماء الاجتماع اليوم 'سكيزوفرينيا المجتمع' و يعني الانفصام في الشخصية  , فالرجل  كبُر و ترعرع على أمثلة شعبية تكرس تبعية المرأة له (' الرجل رجل و المرأة مرأة' ) و (' لا ينحي شاشية على ولية' )بمعنى الله لا يحرم امرأة من زوج او رجل يحميها  و هذا موجود منذ نشأة الإنسانية من الجاهلية إلى الآن حتى في البلدان المتقدمة نجد تاريخها حافل بالمظالم تجاه المرأة و هذا بحد ذاته موضوع آخر معقد و لكن على الأقل في تونس قبل الاستعمار كانت للمرأة  حظوة و مكانة و قيمة إن بدت  صغيرة  فهي تتماشى و محدودية الثقافة و المعرفة لأفراد المجتمع في ذلك الحين لكنها تحرم جدا اذا ما عرفنا ان  الغرب في زمن ما كانوا يبحثون هل المرأة كائن أم روح شيطانية  و توصلوا إلى أنها شيطان !!!   نعم المرأة أهينت في الغرب كثيرا و انتقصت من قيمتها و جردت من إنسانيتها المشروعة .
الوعي و العقلية هما المحرك الأساسي للفكر و التفكر, فالمرأة كانت في تبعية دائمة للرجل رغم ما يكنه لها من احترام  و كان عليها ان تتطالب بحقها في التعلم و العمل و ان كان غير متوفر للجميع في ذلك الزمان نظرا للبيئة الاستعمارية التي تعيشها تونس لكن كرامتها كانت محفوظة لنعترف فعلا بهذا .
منذ الاستقلال و صدور مجلة الأحوال الشخصية تحررت المرأة أكثر فأصبحت تدرس و تعمل جنبا الى جنب مع الرجل و أصبح المجتمع يتعود على صورة المرأة الجديدة و كان الآباء في أغلبهم يشجعون بناتهم على التعلم لم تكن هناك عقد و كان الاحترام سيد الموقف حتى عند ظهور موضة 'الميني جيب 'في السبعينات لم تفقد المرأة مكانتها بمجرد الحكم عليها ظاهريا و سطحيا كانت تحترم حريتها الشخصية في لباسها.
ولكن دوام الحال من المحال فجأة تهب عاصفة رملية هوجاء تذهب بالساكن و المتحرك غل ذكوري ساخن جدا تجاه المرأة و نظرات متوحشة و أفواه ساخطة , كثرت الجمعيات النسائية التي تطالب بحقوق أخرى  للمرأة و قوانين تسن لفائدتها و اعلام يسوق من أجل المرأة : للمرأة الحق في الطلاق الحق في الانتخاب الحق في النفقة الحق في الملكية الحق في الإرث الحق في الأجر الحق في المساواة التامة مع الرجل...
طلبات بدت جريئة هزت كيان الرجل فكنا نسمع دوما 'النساء لم يتركن شيئا للرجال' و أفكار صادمة لمجتمع ذكوري بامتياز ربما كان يمنح للمرأة, حسب اعتقاده, أغلب هذه الحقوق بإرادته أو بغلبة نازع باطني فطري يجعله يقوم دوما بدور المسؤول عن حماية المرأة و انها دائما في حاجة اليه لتحقيق أمنها فالقوانين بالنسبة اليه لا مبرر لها مما يفسرعدم نجاعتها على أرض الواقع و يعكس حالات العنف المتزايد التي تتعرض لها المرأة وهذا الخطر بعينه.   
من يتحمل مسؤولية تردي العلاقة و تأزها بين الرجل و المرأة اليوم ؟ هل المرأة أذنبت حين طالبت بالمزيد من الحقوق و بجملة من القوانين تحمي بها حقوقها؟ هل حصل نوع من الاستفزاز لكيان الرجل باعتباره دوما يجد نفسه محل اتهام ؟ هل فتحت المرأة باب العنف لنفسها
تقول سيمون دي بفوار من ''هم الرجال حتى أطلب المساواة معهم''  فهل كان على النساء ان ينظرن من هذه الزاوية لتقليص البغض الجنسي بين الجنسين؟ .