" الموقف " عنوان إذلال ومهانة لنساء مغربيات باحثات عن عمل يومي

تحقيق: منال البشيري - الرباط " وكالة أخبار المرأة " الأربعاء, 10 سبتمبر, 2014, 18:38 | وكالة أخبار المرأة

تلجأ نساء المغرب المعوزات من أرامل ومطلقات وأمهات معوزات إلى "الموقف" طلبا للقمة عيش حلال، و"الموقف" هو مكان يوجد في كل مدينة مغربية في أحياء معروفة، تقف فيه عاملات البيوت طيلة النهار في انتظار زبائن يرغبون بمساعدة في الخدمات المنزلية، من قبيل التنظيف والطبخ وترتيب البيت، مقابل أجر زهيد.
"سيدي، لالة خاصكم شي خدامة أنا رهن الإشارة" هكذا يتهافتن نساء "الموقف" على كل من اقترب إلى مكان تجمعهن، يعرضن خدماتهن من قبيل "الأعمال المنزلية " على الزبائن، نساء يتجمعن بالقرب من أحد الحدائق بالرباط يقتعدن رصيف الشارع، يستظللن بالأشجار أملاً وانتظارًا في الزبون المجهول، الزبون المنتظَر الذي يقف عليهن بسيارته الفاخرة سواء أكان امرأة أم رجلا لأخذهن بغرض القيام بالأعمال المنزلية، ومنهم من جاء لأخذهن لأغراض أخرى مستغلين البؤس والفقر الذين تعاني منه النساء المسكينات اللائي لا حول ولا قوة لهن، واللائي لا يأملن سوى في كسب لقمة عيش حلال.
نساء يتجرعن مرارة الدهر القاسي أخذن "الموقف" كمأوى آمنا لهن لعرض خدماتهن الشريفة لكسب لقمة العيش بالحلال وإعالة أسرهن، نساء يتربصن "بالموقف" كل يوم ليتعايشن مع ظروف الحياة القاسية التي جعلت منهن أجساداً صماء تنتظرمن ينقذها من قسوة الانتظار، مع ما تعانيه من شتى أنواع الذل والاحتقار والتحرش الجنسي، لتكون من بين النسوة اللائي اختِرن للعمل، هي إذن وضعية تعيشها نسوة "الموقف" كل يوم على اختلاف أعمارهن، فقد تجد ذات الأربعة عشر ربيعا، و قد تجد ذات الستين سنة، دون الأخذ بعين الاعتبار لا لمدونة الشغل و لا لاتفاقية حقوق الإنسان، واقع مرير تتغاضى عنه أعين الجهات المسؤولة، وفي غياب الجهات التي تقدم الدعم أو تعترف بهذه الفئة المقهورة في المجتمع والتي لا تحظى بالحقوق اللازمة.
معاناة في انتظار الزبون المجهول:
نساء بأجساد نهشتها قساوة الزمان، معالم البؤس والمعاناة البادية على وجوههن التي اسودت مع مرارة الزمان والتجاعيد المرسومة على وجوههن وهن جالسات يتربصن بالمارة، وينتظرن الزبون المجهول الذي يأخذهن للعمل ليضمن بعض النقود التي قد تلبي حاجيات المنزل، فالنساء اللائي يقصدن "الموقف" هن من مختلف الأعمار، هناك من هن متقدمات في السن و أخريات صغيرات، و منهن أميات جاهلات يبحثن عن قوت يومهن، و منهن تلميذات و طالبات دفعتهم الظروف للاتجاه إلى هذا النوع من العمل لمساعدة أسرهم التي تعاني الحاجة، ومنهن أمهات عازبات اخترن العمل الشريف لكسب ما تجود به أيدي الزبون، رغم المخاطر التي يتعرضن لها إلا أنهن استطعن إعالة أسرهن رغم قساوة الحياة إذ اخترن الطريق المشحون بالعراقيل والخوض فيه رغم صعوبته، ولتقريب الصورة رغم عتمتها اغتنمت "العلم" الفرصة للتحدث مع إحداهن من اللواتي ظننن أننا زبائن وبدئن بالتهافت للظفر بنا كزبائن لا يجب تضييعهم.
خدوج امرأة في الأربعينات نحيفة الجسد المخبأ بجلباب، أفقدته الشمس لونه من كثرة الانتظار "بالموقف" لم ترفض الحديث مع "العلم" بنبرة الصوت المكلومة، تروي خدوج "توفي زوجي وأنا مازلت في عمر الزهور، ترك لي ثلاثة أطفال صغار فوجدت نفسي أنا المعيلة الوحيدة لأسرتي الصغيرة بعد أن تنكر لي الكل، إذ أن إخوة زوجي رفضوا منح أطفالي حقهم في إرث والدهم، ومنذ اللحظة التي توفي فيها زوجي لم أجد من يعيلنا، لذا و مع هذه الظروف أُجبِرت على الخروج للعمل ولم أجد غير "الموقف" الذي رأيت فيه المنقذ من قساوة الدهر، فما كان علي إلا الاتجاه كل يوم صوب "الموقف" لانتظار مجيء أحد ما ليقودني للعمل في بيته رغم أنهم "كيحرتو عليا نهار كامل وفي الأخير يمدونني ب30أو 50 درهم".
كثيرات هن النسوة اللائي تعاني الحرمان وقساوة الدهرالذي تمكر لهن، أجساد نحيلة وجوه شاحبة ملابس بالية، عليها أثرالرصيف من كثرة الجلوس في انتظار الزبون المجهول هي صفات نسوة، لم يردن شيئا من هذه الحياة سوى عيشا هنيئا و لقمة خبز تسد جوعهن.
عرق جبينهن مقابل دريهمات:
"دريهمات" قليلة مقابل عرق جبينهن المكلوم من قهر الزمان، ذلك الجبين الذي يهان كل يوم أمام أصحاب القلوب القاسية، والفاقدة للحس الإنساني، واقع مرير وثورة بدون حدود تلك التي يعيشها نساء "الموقف"، كل صبيحة قدومهن لهذا المكان أملا منهن في إيجاد زبون يطول انتظاره، بانتظار الفرج من الخلق سبحانه، فكل من تنتظر في الموقف تقاسم نفس المعاناة (معاناة الانتظار)، إلا أن كل واحدة يختلف عملها عن الأخرى، فمنهن من تذهب للعمل في البيوت "غسيل الأواني،غسيل الملابس و الزرابي الثقيلة..." ومنهن من تذهب للعمل في الحقول مقابل "50 أو 100 درهم لليوم".
سعاد امرأة في العقد الثالث من عمرها تروي "للعلم"، " أعمل بالموقف لإعالة ابنتي الصغيرة المعاقة، التي تخلى عنها والدها بعد أن طلقني مباشرة بعد الولادة، حينما علم أنني أنجبت طفلتي معاقة، هذا ما دفعني للجوء إلى "الموقف" لإعالتها وإعالة أمي التي بلغت من السن عتيا، وأصبحت طريحة الفراش بعد أن كانت تعمل بالموقف منذ أن توفي أبي، والآن أصبح مصيري مثل مصيرها. إذ أنني أذهب كل صباح إلى "الموقف" لكسب المال (المرير) لكن ليس كل مرة يكلل العمل بالنجاح، فمنهم من "يحرث عليا من الصباح حتى لعشية وفي الآخر يرمي لي 30 درهم، ومنهم من يتهمني بالسرقة بعد نهاية العمل ويهددني بالشرطة إن لم أرحل ".
استغلال وتحرش
تبقى معانات نساء "الموقف" اللواتي يقبعن معظمهن تحت وطأة الفقر والجهل، لا تنحصر في الانتظار الطويل كيفما كانت أحوال الطقس ولا تنحصر في ظروف العمل الصعبة، ولا في الثمن الهزيل مقابل تعبهن بل يظلن بعملهن هذا معرضات لشتى أنواع الظلم والتعسف  وتحرش أمام النظرة الدونية للزبائن واعتبارهن بمثابة بائعات الهوى.
"موقف" يصبحن فيه النساء كرؤوس الغنم، الحظ الأوفر للتي تتمتع بمواصفات خاصة وضرورية، عند الزبون الذي يبحث على صغيرة السن، تتمتع بصحة جيدة لتحمل الأعباء وذات أخلاق حسنة، فاللائي يتمتعن بهذه المواصفات هن اللائي يفزن بحصة الأسد، من كل يوم فيما يتجرعن ضعيفات البنية، وكبيرات السن مرارة ترهلهن من قساوة الدهر، الذي أصبح سببا في منع لقمة عيشهن، أمام رفض تشغيلهن لفقدانهن لمواصفات الخادمة الجيدة.
تروي ربيعة امرأة خمسينية "الموقف مورد رزقي الذي أعيل منه أسرتي، المكونة من ابنتين يتابعن دراستهن بالسلك الثانوي، وزوجي المصاب بشلل نصفي، أعتبر أنا المعيل الأول والأخير لأسرتي، رغم المساعدات الصغيرة التي أتلقاها من طرف بعض المحسنين، وعائلتي لكنني أفضل العمل بعرق جبيني، لتوفير مستلزمات بناتي لدراستهن، فبالرغم من كبر سني وقلة فرص عملي لكني أجاهد من أجل بناتي وزوجي المريض، الذي يحتاج لمصاريف العلاج " بنبرة صوت مكلومة تتخللها دمعة متسللة تتنهد ربيعة مضيفة "الله يدير لينا تويل ديال الخير".
ليست ربيعة هي الوحيدة التي تعاني من مرارة الدهر، لكنها هي واحدة من مجموع النساء المكلومات، منهن فاطمة الزهراء شابة في مقتبل العمر تروي ل"العلم" "تعرضت للتحرش الجنسي والاستغلال، مرات عديدة طمعا في لصغر سني بعدما أجبرت على الخروج للعمل، لاعالة نفسي وشراء مستلزمات دراستي لأنني أنتمي الى عائلة فقيرة، دفعتني للعمل منذ صغري حالي حال أخواتي اللائي يكبرنني".
هكذا تحكي معظمهن قساوة الدهر المرير، ليبقى بذلك "الموقف" الفضاء الذي تكثر فيه المنافسة، أمام فرص عمل قليلة، حيث تكون الأجرة الزهيدة التي يحصلن عليها هي مصدر عيشهن، مادمن عماد أسرهن و المعيل الوحيد لهم ، فهناك من تتكفل برعاية والديها وهناك من تتكفل بأبنائها بعد موت زوجها، و اللائحة طويلة ممن تعاني مرارة العيش، إلا أن بعد يوم من الانتظار يبقى الحظ الأوفر لصغيرات السن، لقدرتهن على تحمل الأعباء المنزلية التي لا تستطيع كبيرة السن فعلها.
وضعية غير ملائمة وسوق الشغل الغير منظم
أوضح علي الشعباني  انه بالنسبة لهذا الفئة الظروف الاجتماعية هي التي تدفع بهم لامتهان تلك المهن الهامشية والتي لا تلقى تسيير اتنظيم في سوق الشغل، فالظروف الاجتماعية تعتبر هي العامل الاول لخروج النسوة للعمل ب"الموقف" الا ان بعض النساء ينتهزن الفرصة لعرض خدماتهن "الجنسية" وممراسة امور غير أخلاقية مما يعرض نساء الموقف الائي جئن بهدف العمل الشريف قد يعرضهن الى الكثير من المخاطر.
وضعية صعبة تتعايش معها نسوة الموقف كل يوم في ظل غياب قوانين منظمة للشغل بهذا "الموقف"، بالاظافة الى تهاون الجهات المسؤولة للحد من هذه الظاهرة وتنظيمها، حيث أنه لا يوجد اي قانون منظم لهذا العمل.
ونددت فوزية عسولي، رئيسة الفدرالية الديمقراطية لحقوق المرأة، في تصريح لمصادر صحفية "نددت" بوضعية نساء الموقف في مختلف مناطق المغرب، لكونهن عاملات يشتغلن في مهن وحرف مؤقتة كثيرة دون حماية ولا ضمان صحي ولا اجتماعي، مشيرة إلى أن عاملة الموقف قد تشتغل خادمة في البيت في الصباح، لتنتقل إلى بيع الثياب البالية أو بعض الحلويات خلال فترة المساء، لتكمل مهامها الشاقة في منزلها لخدمة زوجها وأبنائها بالليل.
وطالبت المتحدثة المسؤولين عن قطاع المرأة والأسرة بالبلاد بالاهتمام بأحوال نساء الموقف وتنظيم عملهن غير المهيكل بتخصيص قانون شغل يحميهن من كل شطط أو حيف، وبالعمل وفق عقدة شغل تحدد لهن حقوقهن وواجباتهن في العمل.