تزويج الفتاة في سن التاسعة يعتبر تقنينا للاغتصاب في إطار الزواج. هذا القانون يخالف اتفاقيات الأمم المتحدة ويعتبر مهينا للرجال والنساء في العراق على حدّ سواء.
لقد تمادت الحكومة العراقية في انتهاكاتها لحقوق المرأة، ففي الخامس والعشرين من شباط وافق مجلس الوزراء العراقي على قانون أحوال شخصية يدعى "القانون الجعفري"، وتم إرساله للبرلمان للتصويت عليه. فقد قدّم المسودة وزير العدل حسن الشمري عضو حزب الفضيلة من أجل التعامل مع قضايا الزواج والطلاق والميراث والتبني.
القانون المعمول به حاليا المرقم 188 صدر في عام 1959 ويعتبر افضل القوانين لحماية حقوق المرأة في البلدان العربية، حيث ينص على ما يأتي: السن القانونية لزواج الذكر والأنثى هو 18 عاما؛ ويمنع تعدد الزوجات ويقيّد الزواج بامرأة ثانية ؛ ويسمح للرجل المسلم الزواج بامرأة غير مسلمة دون شروط أو قيود؛ ويمكن للمرأة عدم إطاعة زوجها في حالة تصرفه معها باستبداد وإيذائها من خلال فشله في توفير السكن المناسب أو في توفير الرعاية الصحية لها عند مرضها.
وإليك بعض مواد مشروع القانون الجديد؛ تذكر المادة 16 أن السن القانونية لزواج الأنثى هو 9 سنوات والذكر 15 سنة ويمكن ان يكون أقل من ذلك بموافقة الوصي - الأب أو الجد. وتسمح المادة 104 بتعدد الزوجات غير المشروط. وتقول المادة 101 ان للرجل الحق في "التمتع" جنسيا بزوجته في أي وقت يشاء، ولا يمكن للزوجة ترك بيت الزوجية دون إذن من زوجها. المادة 126 تقول غير مطلوب من الرجل دفع النفقة في حالة كون الزوجة قاصرا أو كبيرة في السن ولا تستطيع إرضاء رغبات زوجها الجنسية.
وتمنع المادة 63 الذكور المسلمين من الزواج الدائمي من غير المسلمات، ما يعني ان الذكر الشيعي مسموح له ان يتزوج بغير المسلمات بشكل وقتي في ما يسمى بـ(زواج المتعة) الذي يعني عندما يريد الرجل ممارسة الجنس مع امرأة فإنه يتزوجها بحضور رجل دين يعمل بمثابة وسيط في زواج المتعة، ويحدد الرجل فترة استمرار الزواج التي تمتد من ساعات قليلة إلى عدة سنوات. ثم يدفع مهرا بسيطا للمرأة.
مثل هذا الزواج لا يمنح حماية أو ضماناُ للمرأة و/ أو لذريتها في العراق، وأن الرجل هو الوحيد الذي يحق له تجديد هذا الزواج عند انتهاء فترته المحددة – بموجب مهر جديد - أو إنهائه بوقت مبكر. وقبل عام 2003 كان الزواج المؤقت وغير المسجّل في المحاكم المدنية ممنوعا، لكن منذ ذلك التاريخ وهذا النوع من الزواج يتزايد بين الأرامل والفقيرات.
وتعتبر المواد التي ذكرناها، ناهيك عن غيرها، خرقا للقوانين العراقية والاتفاقات الدولية واتفاقيات الأمم المتحدة التي صادق عليها العراق في ما يتعلق بحقوق الإنسان، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة والطفل.
وتتجاهل مسودة القانون الجديد المادة 2 من إعلان الأمم المتحدة الخاص بالقضاء على العنف ضد المرأة، من خلال إضفاء الشرعية على الاغتصاب الزوجي. كما حثت لجنة سيداو – هيئة الخبراء الدوليين التي تراجع امتثال البلدان للاتفاقية – في مراجعتها بتاريخ 27 شباط، الحكومة العراقية على "السحب الفوري لمسودة القانون".
ما المبرر في كتابة مسودة هذا القانون؟
لقد استنكر ممثل الأمم المتحدة في العراق نيكولاي ملادينوف مشروع القانون، ونشر تغريدةً على تويتر يقول فيها إن المشروع "يخاطر بحقوق المرأة التي يحميها الدستور والالتزام الدولي".
وقالت النائبة سوزان السعد من الفضيلة، على قناة الحرة، مبررةً حماسها للتصديق على المشروع "إنها الشريعة الإلهية، وأمر لابد منه". هل هو حقا كذلك؟ لم توافق رابطة علماء المسلمين في العراق على ذلك، وللتعبير عن استيائها من هذا القانون فقد أصدرت الرابطة تصريحا قالت فيه :إن قانون الأسرة المعمول به حاليا "جاء نتيجة مشاورات مع متخصصين في الشريعة والقانون المدني الذين يمثلون كافة أطياف الشعب العراقي ... وإذا دعت الحاجة إلى التغيير أو التعديل، فان ذلك يتم تنفيذه كما في السابق".
وخرجت مجموعات نسائية وناشطات إلى الشوارع يطالبن بسحب مسودة القانون، وتأجج غضب شعبي من نفاق الأحزاب السياسية الطائفية التي تستخدم الإسلام للتغطية على فسادها و انتهاكاتها المتواصلة لحقوق المرأة .
ويستقتل الائتلاف الحاكم من أجل تمرير هذا القانون في الأسابيع القليلة القادمة لتعزيز فرصه في الانتخابات العامة التي ستجري الشهر المقبل، إلا أن استنكار مشروع القانون كان على نطاق واسع في داخل وخارج العراق، فضلا عن استنكاره دوليا، بالإضافة إلى الاعتقاد الشعبي العام بأن المشروع لا يتجاوز كونه حيلة انتخابية اكثر مما هو إصلاح ديني، مما يقلل احتمال تمريره في الوقت الحاضر على الأقل.
على أية حال، فمن الواضح جدا ان هذا القانون ، في حالة تشريعه وبغض النظر عن طريقة تسويقه، سوف يدمر بلا شك ما ناضلت المرأة العراقية من أجل التخلص منه على مدى أكثر من قرن من الزمن. إنه خطوة مهينة للرجال والنساء على حد سواء.
من جانبها ذكرت صحيفة (ديلي تلغراف)، أن مشروع القانون سيجبر المرأة على الرضوخ للجنس حسب أهواء زوجها. وسيزيد هذا القانون، الذي يهدف إلى وضع قوانين مختلفة لسكان العراق من الشيعة، الانقسامات في البلاد وسط أسوأ موجة لسفك الدم منذ الاقتتال الطائفي الذي مزّق البلد بعد الاجتياح الأميركي.
وتقول الناشطة في حقوق الإنسان هناء أدور إن "القانون يمثّل جريمة ضد الإنسانية والطفولة؛ حيث ستخضع الفتيات القاصرات المتزوجات إلى معاناة جسدية ونفسية". ولم يحدد مشروع القانون سن الحد الأدنى للزواج، وإنما ذكر السن في قسم الطلاق واضعا قواعد لطلاق الفتيات اللواتي يبلغن التاسعة من العمر حسب التقويم الإسلامي قائلا :إن هذا هو سن البلوغ للفتيات، وبما ان التقويم الإسلامي أقصر بعشرة أو أحد عشر يوما من التقويم الميلادي، فإن سن الزواج حسب القانون الجديد سيكون 8 سنوات و8 أشهر ، كما جعل القانون الأب هو الوحيد الذي له الحق في قبول أو رفض الزواج.
ويعتقد منتقدو المشروع أن مشرّعيه ذكروا السن في قسم الطلاق كوسيلة للسماح بزواج الفتيات في هذه السن. وتشير الإحصاءات الحكومية إلى ان قرابة 25% من الزواج في العراق يشمل فتيات دون سن الثامنة عشرة عام 2011 و21% في 2001 و15% في 1997.
ويقول المتحدث باسم وزارة التخطيط عبدالزهرة الهنداوي إن ممارسة زواج القاصرات شائعة في المناطق الريفية وبعض المحافظات حيث ترتفع نسبة الأمية. كما يقيّد القانون حق المرأة في قضايا حضانة الأطفال بعد الطلاق، و يسهّل تعدد الزوجات للرجل.
وعلى البرلمان المصادقة على مشروع القانون قبل ان يتحول إلى قانون نافد، ومن غير المحتمل حصول ذلك قبل الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في الثلاثين من نيسان القادم، رغم ان مجلس الوزراء يحاول إعطاءه الأولوية حيث يسعى المالكي إلى ولاية ثالثة كرئيس للوزراء.
ويقول المحلل هادي جلو ان الحملة الانتخابية قد تكون وراء هذا القانون "بعض السياسيين المتنفذين من الشيعة لديهم انطباع بأن عليهم بذل الجهود لتحقيق أي إنجاز يرفع الظلم الذي عاناه الشيعة في الماضي".
ويصر وزير العدل حسن الشمري على ان المشروع قد تم تصميمه لإنهاء الظلم الذي واجهته المرأة العراقية في العقود الماضية، وعلى انه يمكن ان يساعد في منع الزواج المحرم للأطفال خارج المؤسسات القانونية" من خلال مسودة القانون هذه، نريد تقليص أو منع مثل هذه الممارسات".
إلا أن النائبة لقاء وردي تعتقد ان المشروع ينتهك حقوق المرأة والطفل و يخلق انقسامات داخل المجتمع "القانون الجعفري سيمهد الطريق لتأسيس محاكم خاصة بالشيعة فقط، وهذا سيضطر الطوائف الأخرى إلى تأسيس محاكمها الخاصة، مما سيوسّع الصدع بين أفراد الشعب العراقي".
من جانبها انتقدت منظمة حقوق الإنسان في نيويورك هذا القانون بقوة. إذ يقول جو ستورك نائب مدير الشرق الأوسط في المنظمة "ان تمرير القانون الجعفري سيكون خطوة كارثية وعنصرية متخلفة بالنسبة لنساء وفتيات العراق، كما انه سيرسخ الانقسامات في العراق في الوقت الذي تزعم فيه الحكومة بانه جاء لدعم الحقوق المتساوية للجميع".
ولم يعرف لحد الآن مدى الدعم الشيعي العراقي لهذا المشروع، إلا ان المحلل جلو يعتقد بانه سيواجه معارضة من العلمانيين من أبناء الطائفة الشيعية. ويقول قيس رحيم، من الطائفة الشيعية، بأن مسودة القانون تتناقض مع مبادئ المجتمع العصري "إن مسؤولي الحكومة قد بذلوا جهودا للتوصل إلى هذا القانون الرجعي بدلا من محاربة الفساد و الإرهاب. هذا القانون يشرعن الاغتصاب وعلينا جميعا رفضه".

 عن صحيفتي غارديان ، وديلي تلغراف