يطالعنا في الجذر الثلاثي ( ز ل ل ) : الزَّلـــة : الخطيئة ، والذنب ، قال :
 هلا على غيري جعلت  الزلــه = فسوف أعلو بالحسام القله
 والزلة : السقطة في مقال ، ونحوه ، وقد زلَّ ، زَلَّـــةً . والزلة : اسم لما تحمل من مائدة صديقك أو قريبك ، لغة عراقية ، كما قاله الليث ، قال : وإنما اشـتُـقَّ ذلك من الصنيع إلى الناس ، أو هي لغة عامية ، تكلمّ بها العوام من العراقيين . ( و ) الزِّلـَّة ، بالكسر : الحجارة ، أو ملسها ، عن الفراء ، والجمع  الزلل . ( و ) الزُّلـة ، بالضم : ضيق النفس . ويقال : في ميزانه  زّلّـل ، محركة ، أي نقصان ، وهذه تُروى عن اللحياني ،، فالزلل إذن إشارة الى الخطأ ، ووجه هذا التعبير آتٍ من الحجارة الملس التي تزل عنها الاجسام . والماء كذلك ينزلق عنها  بسهولة ، والزلل في اللسان انحراف عن الصحة ، وهو عيب ونقص في صاحبه مثل النقص والخلل في الميزان المعيب .
وهذا  يضعنا في دائرة استعمال جديد للـ( ز ل ل ) وهو الماء الزُّلال ، كـ(ـغُراب) ، و(زّليل) كـ(أمير) ، و(زلول) كـ(صبور) ، و(زلازل) كـ(علابط) : سريع النزول والمرور في الحلق ، وقيل : ماء زُلال : بارد ، وقيل : ماء ( زلال ،  وزلازل) عذب صاف خالص سهل سلس ، { يزل في الحلق } زلولا . والأزل : السريع ، عن ابن الأعرابي ، وأنشد : "أزل إن قيد وإن قام نصب " .
والأزل من الرجال من لا يستمسك إزاره ، ( يتهدل ويحتاج لربط وعناية دائمة) وأيضا :  تُطلق على الخفيف الوركين ، كما رُوِيَ عن أبي عمر و ، وهي  زلاء ، لا عجيزة لها ، رسحاء ، بيّنة  الزلل ، قال الراجـز :
 ليست بكرواء ولكن خدلم === ولا  بِـزَلّاء لكن ستهم
ولا بكحلاء ولكن زرقم ...........
الكرواء : دقيقة الساقين والساعدين ، نحيفة . والخدلم الضخمة المتينة وهي صفـــة جمالية مرغوبة عند العربي البدوي الأصيل ، والستهم : ذات العجيـزة الممتلئة ، والزرقم : شديد الزرقة ، للمذكر والمؤنث، والجمع  زراقم . وجاء في التهذيب (في الرباعي) عن  الأَصمعي : ومما زادوا فيه الميم زُرْقُمٌ للرجل الأَزرق ، وقال : إذا اشتدت زُرْقَة عين المرأَة قيل إنها لزَرْقاءُ زُرْقُمٌ وقال بعض العرب : زرقاء زُرْقُم بيديها تَرْقم تحت القُمْقُم  ، والميم زائدة .
والماء الزلال عند العرب له تشبيهات وكنايات ، وللماء عموماً شـأن عظيم لديهم ، ولذلك تجدهم يُسمّون به أولادهم وبناتهم كثيرا ( مطر – غيث – سحاب – بلال –مزن .....) ، وجاء في لامية أبي طالب عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف النبي الكريم :
وأبيضُ يُستسقـى الغمـــــام بوجهه * ثمــــــــــالِ اليتامى عصــــمةٍ للأرامل
فطلب الماء ( الاستسقاء)حاجة العربي المُلِحَّـة دائما ، ويعبر كثير من الناس عن الماء الصافي بأنه زلال مثل " عين الديك " اذ يُضرب بها المثل في الصفاء ، ومن تشبيهاتهم التي تضارع عين الديك " ماء المفاصل " وهو قمة الصفاء لدى العرب قديما ، وهذا كثير يقول في الخـمـرة التي كانت تُصنع في حوران(شمال الاردن وجنوب سورية اليوم):
وما قرقف من أذرعات كأنها = = = إذا نزلت من زَلِّـها ماء مفصل
و"أذرعات " قاعدة لواء حوران التي تسمى اليوم " درعا" خطأً ، وهي مهد الثــورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي ، ومهد الثورة المعاصرة والقائمة اليوم ضد نظام الحكم الطائفي الشمولي المترهل الباطني .
ويطالعنا شـاعر آخـر، يُدعى بأبي الهندي، بتمثيل جديـد ومبتكـر للزلال ، غير ماء المفاصل ، هو " لُـعـاب الجندب " ، والشعر في الخمرة أيضا :
صفراء من حَـلَـبِ الكروم كأنها = = = ماءُ المفاصـل أو لُعـابُ الجندبِ
والمفاصل هو جمع المفصل والمفصل ما كان بين الجبلين وماؤه أصفى ماء وأرقه ، والجندب هو ذكرُ الجراد أو حشرة تشبه الجراد ، لعابها صافٍ رقراق .
وقال أبو ذؤيب :
( يُشاب بماءٍ مثلِ ماء المفاصل ... )
وزعم بعض الرواة أن ماء المفاصل ماء اللحم الطري واحتج بقول كثير الآنف فى الخمر
( وما قرقف من أذرعات كأنها ... إذا نزلت من دنها ماء مفصل )
ويجوز أن يكون شبه الخمر بما تقدم ذكره من ماء المفاصل في رقته وصفائه لا بماء اللحم في حمرته ، والقرقف ( زنة جعفر ) والقرقوف ( زنة عصفور) هي الخمر التي يرعد عنها صاحبها وكانت " أذرعات" مشهورة بتحضير هذا النوع المرغوب من الخمرة سابقا ، وأذرعات كانت من أشهر أسواق العرب ( ينظر القاموس المحيط للفيروزابادي ،وكتاب اسواق العرب تأليف سعيد الأفغاني) ، ومن تشبيهات العرب أيضا للماء الصافي الزلال :
ماء الغادية ، وأعذب من ماء البارق ، والغادية: هي السحابة التى تغدو ، والبارق السحاب الذى يكون فيه البرق .. ويقول الأخطل في الباب نفسه :
إذا ما نديمى علّنـي ثم علّـني .=.=. ثلاث زجاجات لهن هديــــــر
عقارا كعين الديك صرفا كأنها .=.=. لعاب جراد في الفلاة يطيـــر
وعلى ذكر " عين الديك" يقال أن سبب تسمية الشاعر عبد السلام بن رغبان بـ(ديك الجن)   أنه كان له عينان زرقاوان صافيتان صفاء عين الديك ،، وقيل بل سُمّي بذلك لأجل قصيدة حاور بها ديكا قدَّمهُ له "عمير بن جعفر" على مائدته فقال :
 دعانا أبو عمرٍو عُمير بن جعفرٍ =على لحم ديكٍ دعوةً بعد مـــوعــــدِ
 فقـدّم ديكاً عُـدَّ دهـراً ذِمِـلِّقـــــــــاً =ومُؤَنسَ أبيـاتٍ ،مـــؤذنَ مسـجـــــدِ
يحدثنا عن قـوم هـودٍ وصالـــــحٍ =وأغرب ما لاقاهُ عمرو بن مـرثـــــدِ
 وقال: لقد سـبَّحْتُ دهـراً مُهلِّــــلاً =وأسـهرتُ بالتــأذينِ أعينَ هُـجّــــــدِ
 أيُذبــحُ بين المســلمين مـــؤذنٌ = مقيــم علــى ديـن النبي محمّـــــــــدِ
 فقلتُ له : يا ديكُ ، إنك صــادقٌ = وإنـك ، فيمـا قلتَ غيـرُ مـُفنَّـــــــــدِ
والذّمِلِّـق من الرجول الشبق شديد الفحولــة .
(1)أبو الهندي :  غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي الرياحي اليربوعي ،
شاعر مطبوع مغمور ، أدرك الدولتين الأموية والعباسية، وكان جزل الشعر سهل الألفاظ، لطيف المعاني ..
إقامته في سجستان، خراسان، كان يتهم بفساد الدين، واستفرغ شعره في وصف الخمر، وهو أول من تفنن في وضعها من شعراء الإسلام . قيل : كان مع بعض أصحابه، فنهض ليلاً ليقضي حاجة، فسقط من السطح، فلما أصبحوا وجدوه متدلياً من السطح وقد ، مات ،أخمل ذكره ابتعاده عن بلاد العرب، له ديوان جمعه عبد الله الجبوري في 180 بيتاً من الشعر في كتاب (ديوان أبي الهندي وأخباره – ط) ...