طفت على السطح مؤخرا وبشكل واضح ظاهرة التشجيع الرياضي للفرق الأوربية وخاصة فرق الدوري الاسباني، وبدأت هذه الظاهرة تستحوذ اهتمام الكثير من المشجعين، من خلال المقاهي والمطاعم والأماكن العامة الأخرى، وامتد التشجيع الرياضي والمتابعة الحثيثة إلى البيوت، حيث السيدات لم يتركن لقاءا لإحدى الفرق الاسبانية وإلا شاهدنه باهتمام وتشجيع،
لا انه وعقب نهاية كل مباراة كثيرا ما يتم رصد بعض من حوادث بينهم المشجعين، فشجار و مناكفات وإحراق علم لفريق منافس، لكن الأغرب في هذه الظاهرة هي التعصب الشديد وبشكل مريب يكاد أن يربك بعض المعادلات الاجتماعية وبإمكانه إحداث تغيير في سلوك الأفراد ربما باتجاه سلبي أكثر منه ايجابي.
بعيدا عن شقاء العمل
الإعلاميان حكمت يوسف ومحمد المدهون كلاهما يشجعان وبتعصب شديد فريق برشلونه الاسباني، متابعان جيدان للكرة الأوربية لكنهما غير متابعين للرياضة الفلسطينية، ويتفق الاثنان على أنه لم تحدث أي مخاصمة بينهما وبين أصدقائهما الذين يشجعون فريق ريال مدريد، وانه كثيراً ما كانت تحدث بعض الحساسيّات بينهما وبين الأصدقاء، التي سرعان ما تنتهي بانتهاء المباراة،
فالإعلامي حكمت يوسف رأى انه من خلال تشجيعه لكرة القدم الاسبانية بالتحديد ما هي إلا وسيلة لتخفيف من أعباء العمل الشاق، لافتا إلى انه يتابع الدوري الأوروبي بشكل عام ولا يتابع الرياضة الفلسطينية أو سبق وان تابع أخبار دوري المحترفين الفلسطينيين الذي انتهى بالأمس القريب.
قطيعة مؤقتة
فيما يؤكد الإعلامي محمد المدهون مراسل فضائية الجديد اللبنانية أن ظاهرة التشجيع الرياضي بغزة تصاعدت في العقد الأخير بسبب النقل التلفزيوني العربي للبطولة من قبل "الجزيرة الرياضية"، وتضافر توفُّر النقل التلفزيوني مع عوامل أخرى داخلية ازدادت تدريجياً وكانت كلها تؤدي إلى الاتجاه نحو المتابعة الكروية، من بين هذه العوامل، حالة الفقر والبطالة التي تعاني منها الشريحة الكبرى من الشباب، بالإضافة إلى اليأس الكبير من القضايا السياسية، وخصوصاً خلال فترة الانقسام.
ولفت الإعلامي المدهون إلى أن هناك حالة من القطيعة المؤقتة تحكم علاقته بغير البارشلونيين في يوم المباراة، واليومين قبلها وبعدها.
جاهلات بامتياز
جيهان السرساوي عضو نقابة الموظفين العموميين وواحدة من المشجعات والداعمات للرياضة الفلسطينية كانت قد منعت من قبل عناصر امن الحكومة المقالة قبل شهرين من حضور مباراة لكرة القدم بين فريقي النادي الأهلي بغزة واتحاد الشجاعية ضمن إطار مباريات الدوري العام، بسبب عدم وجود أماكن خاصة للعائلات وإنهم غير قادرين على حمايتها حسب ما أفادت، لكنها من ناحية أخرى اعتبرت أن تشجيع النساء في غزة للأندية الأوربية والاسبانية ما هو إلا نوع  من الواجهة الاجتماعية( البرستيج) وتقليد اعمي لا أكثر كونهن لا يعرفن ولا يتابعن أي شيء عن رياضة فلسطين، واعتبرت هؤلاء النسوة مشجعات الأندية الأوربية أن تشجيعهم فقط من هذا المنطلق نساء جاهلات بامتياز.
هالة القيشاوي منسقة المشاريع في مركز شؤون المرأة بغزة، متابعة للرياضة بشكل كبير، ومشجعة رياضية، رأت أن التشجيع الرياضي في قطاع غزة غير نابع عن ثقافة رياضية بل أحيانا يكون نابع نتيجة وجود وقت فراغ طويل وبسبب البطالة والانقطاع عن العمل، وأوضحت أنها تشجع جميع أنواع الرياضة وتتابع كأس العالم والألعاب الاولمبية وأخبار المنتخب الوطني و الأندية واللاعبين وغير ذلك من المسابقات، من خلال الصفحات الالكترونية ووسائل الإعلام المختلفة .
استطلاع للرأي حول التشجيع
وفي أحدث استطلاع رياضي للرأي العام الفلسطيني أعده الدكتور نبيل كوكالي ونشره المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي، وأجري خلال الفترة (5-1) نيسان، 2011 وشمل عينة عشوائية مكونة من 1005 شخصاً يمثلون نماذج سكانية من الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أعمارهم 18 عاماً فما فوق، جاء فيه أن (51.3%) من الجمهور الفلسطيني يؤيدون فريق ريال مدريد.
وأظهر الاستطلاع أن (35.6%) من الجمهور يؤيدون فريق برشلونة، و(51.3%) يؤيدون فريق ريال مدريد، (12.1%) لا يؤيدون أياً من الفريقين، (1%) أجابوا " لا أعرف ".
ثقافة التدوين والتشجيع الرياضي
وقد ظهرت المدونات وما يسمى بالإعلام البديل في خضم التطور التكنولوجي الذي نعاصره، ليساهم بشكل كبير في ارتفاع نسبة المشجعين المتعصبين للرياضة واجتياحهم لهذه الوسائل الإعلامية كطريقة للتعبير عن تشجيعهم لفريق ما مهما كانت سلبية أو ايجابية،
ويوضح الدكتور ماجد التربان أستاذ الصحافة وتكنولوجيا الاتصال بكلية الإعلام بجامعة الأقصى أن الإعلام البديل إعلام قوي ومؤثر ويستطيع أن يعدل سلوك المشجعين، في حال توفرت المعرفة الكاملة للمدونين، لافتا إلى  التعامل مع المدونات والتدوين يجب أن يتسم بالحيادية في نقل الأحداث ومتابعة القضايا بعيدا عن التقيد بأي التزامات سياسية أو اجتماعية أو حتى دينية ،ودون التأثر بمواقف شخصية وذلك وفق معيار واحد هو نقل الموضوعات التي تهم القراء كافة بحيادية وموضوعية واحترام آراء الآخرين .
التشجيع مصدر رزق
احمد سمير(19) بائع متنقل للإعلام وملابس للأندية الأوربية اتخذ زاوية عند إحدى البنوك في شارع عمر المختار بغزة وزبائنه كالعادة أكثرهم من مشجعي فريقي ريال مدريد وبرشلونة الاسباني،
يقول: أنا أشجع فريق ريال مدريد، لكني غير متعصب ولا يعنيني أن خسر في أي مباراة، كل ما أريده هو أن أبيع كافة البضاعة، وبنهاية اليوم أكون استطعت الحصول على مبلغ مناسب، مشيرا إلى انه يعرف كثيرا عن الأندية الأوربية من خلال تردد الزبائن وحديثهم الذي لا ينقطع، ويشير إلى أن الفتيات يأتين إليه ويبحثن عن إعلام وميداليات فريقهن المفضل،وعند سؤاله عن متابعته للرياضة الفلسطينية أجاب انه يتابع أحيانا بعض المباريات للدوري المحلي بغزة يذهب للملعب برفقة أصدقائه ليتابع أصدقاء آخرين يلعبون في الأندية الغزية.
احباطات ورفض الواقع
الدكتور رمزي جابر أستاذ علم النفس الرياضي بجامعة الأقصى اعتبر أن  ظاهرة هوس التشجيع تعتبر ظاهرة طبيعية في ظل الوضع السياسي التي يعيشه الشعب الفلسطيني من الانقسام الداخلي والكراهية، حيث أصبحت العدوانية من السمات الرئيسية في شخصية الإنسان الفلسطيني وخاصا الشباب منهم.
وأوضح أن ما يصحب هذه الظاهرة من مظاهر كحرق علم الفريق المنافس هي من العوامل التي تؤدي إلى تنفيس للاحتقان،,وانه يعتبر من أشكال التعبير عن عدم الرضا عن الواقع، ومظهرا لرفض الإقصاء الاجتماعي ويتغذى أساسا من اليأس وتنامي ظاهرة البطالة.
وأشار إلى أن أسباب هذا الهوس تكمن في الاحباطات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني و عدم وضوح المستقبل العام والخاص، ومحاولة المشجعين لفت الأنظار وتحقيق واثبات الذات.