كان حضور المرأة في مسرحيات شكسبير قويا و بليغا، متراوحا بين الحقيقة و الخيال، البراءة و اللؤم. و قد بقيت نصوص شكسبير المتجاوزة للقارات و الثقافات تحمل هذا التناقض و الصراع معها حتى مع إعادة صياغتها و تعدد أوجه اقتباسها.
حيث حمل اليوم الخامس من "أيام قرطاج المسرحية" في دورته السادسة عشر رؤية معاصرة لمسرحية "ريتشارد الثالث"، التي عرضت في قاعة المونديال بتونس العاصمة و التي تناولت المشاغل السياسية و الاجتماعية التونسية بسيناريو واقعي و رمزية شديدة على مستوى الاخراج.
تتحدث المسرحية عن عائلة مكونة من أم عجوز لابنتين و أربعة أبناء، أكبرهم جسّد عميقا شخصية "ريتشارد الثالث" في تكامل العنف التراجيدي والبناء الفكري والسيكولوجي المرضي لهذا الأخير.  تعيش هذه العائلة في الظلمة بعد أن منعهم الأخ الأكبر من النزول إلى الأسفل(كهف تحت المنزل) لإصلاح عطب بالأسلاك الملفوفة للعداد وهددهم بالاحتراق اذا ما تجرأ أحدهم على ذلك.
و بين تمرد الأخوة وخشية بعضهم طرحت المسرحية العديد من القضايا و الأسئلة كالحرية و البطش و الخوف و الشجاعة و التضحية وحاكت كثيرا الأوضاع السياسية التي مرت بها البلاد التونسية قبل الثورة، خاصة و أن التهديد بالاحتراق ما أن يحاول أحدهم إنارة الضوء و الحديث عن الأسلاك العارية التي تسمح باختراق الكهرباء والتشابك فيها بينها، كان استعارة لإحكام قبضة النظام السابق على الحريات .
أما "أمّي فاطمة" (ربّة العائلة) فقد حملت في طيات مشاهدها أبعادا رمزية اخرى أتاحت للمشاهد قراءة المسرحية على عدة درجات و البحث في أكثر من زاوية. وإن بدت نساء  شكسبير منفصلة محددة  لكل النزاعات البشرية تقريبا: الملكة و الفارسة و القاتلة و الخبيثة و البريئة، فإن شخصية "الأم فاطمة" لوحدها حملت  كل هذه التناقضات.
فهي إن أردنا، تشير إلى الأم الحنون، الشديدة العاطفة، التي ضحت بشبابها في سبيل تربية أبنائها كما عبّرت في أحد المشاهد، الأم الفخورة بهم، الهستيرية في خوفها عليهم حد التدخل في تفاصيل حياتهم الزوجية.
و لكن هذه المرأة الفخورة، المشبعة بالكبرياء تخفي ألم هجر زوجها و قسوة أبنائها عند الكبر, تنهار في مشهد فقدان ابنها خالد و تهرول في أرجاء المسرح باحثة. يصعد هذا الألم أيضا في كل مرة توبخهم فيها و تتمنى موتهم جميعا.
 في هذا الاقتباس أشارت "أمي فاطمة" إلى انقسامات المرء حول ذاته واعتماره الأقنعة والوجوه المتباينة طوال حياته، فهي الحاضنة لأبنائها، المجمعة لشتاتهم، المديرة لتناقضاتهم ولكنها أيضا المفرقة بينهم عبر تحكمها وتسلطها وتدخلها في كل شؤونهم وتفضيل أكبرهم.
رمزت "أمي فاطمة" في مسرحية "ريتشارد الثالث" إلى الوطن بكل ما يحمله من القسوة ودفء الانتماء، الوطن الذي يجني على أبنائه فيهجرونه ثم يعودون إليه طالبين القرب والاستئناس، الوطن الذي قد يدمره ابناؤه بالصراعات والاقتتال وانفراد أحدهم بالحكم.
و قد لعبت فاطمة الفالحي هذا الدور بسخاء، موحية، من خلال استخدامها لحركات جسدها خاصة بانفعالات لا مرئية مما يمنح تأويلا فكريا ابداعيا يرتبط عميقا بلامبالاتها و سخريتها السوداء من كل شيء، فتحركت بين أرجاء الخشبة بمهارة عالية وسط مساحات فضائية مظلمة و مريعة، صاحبتها مقاطع موسيقية توحي بالخوف والاضطراب. كما أن الممثلة نقلت بعمق، عبر العزلة والتهميش الذي تعيشه من أبنائها، صورة الوطن المحكوم باليأس كمرض حتى الموت.
 فاطمة الفالحي, الممثلة المسرحية الشديدة الانتقائية لأدوارها, لا تطيل الحديث عن الشخصيات التي تختارها  بل تحبذ أن تعبر الشخصية عن نفسها فوق الركح، وقد كانت "أمي فاطمة" ثمرة صراعها الطويل بين الشخص والشخصية .. بين الركح والكواليس كما عبرت لوكالة أخبار المرأة.
قدمت مسرحية "ريتشارد الثالث" رؤية إخراجية معاصرة لأعمال شكسبير التي بقيت خارج كل الأمكنة و الأزمنة، وخلق السيناريو من شخصيات المسرحية وعبر علاقاتها  صورا رمزية للوطن والسلطة والحرية.