علي نسق الشعار القديم 'يا عمال العالم اتحدوا'.. يأتيني ذاك العنوان
عن الفساد في مصر..   كضرورة قصوي، وحتمية تفرضها أوضاع التردي التي تمر بها المرأة في مصر الآن.. فماذا ننظر بعد أن خرجت علينا دراسة إحصائية من إحدي المؤسسات الغربية 'توسون رويترز' تأخذ بالتحليل والرصد والتقييم أوضاع المرأة في جميع البلدان العربية في فترة ما بعد الثورات وما سمي بالربيع العربي فإذا بالمرأة العربية تعيش خريفًا مدمرًا!!
إذ بالمرأة في مصر تحظي بأسوأ الأوضاع قاطبة، فتقع في المرتبة الـ'22' يسبقها في ذلك جميع البلاد العربية، حتي السعودية تسبقها فقد حصلت المرأة فيها علي المرتبة الـ'20'! في حين جاءت العراق في المرتبة الـ'21' والصومال جاءت في مرتبة متقدمة عن البلدان الثلاثة واحتلت المرتبة الـ'14'!! أما المدهش في تلك الدراسة أن يأتي وضع المرأة في 'جرز القمر' في قمة القائمة لتحتل المكانة الأولي!! لا لشيء إلا لأن القائمين علي هذه الدراسة رأوا أن المرأة في تلك البقعة الجغرافية تتمتع بحماية قانونية تكاد أن تكون نادرة في البلاد العربية مجتمعة، والسؤال لك عزيزي القارئ، هل تعرف أين تقع هذه الجزر؟! وكم عدد سكانها؟! وكم عدد نسائها.. واللائي لا يمكن أن يتعرضن للاضطهاد بأي حال من الأحوال.
ولهذا ففي تقدير الكثيرين من الباحثين أن هذه الدراسة لا تتمتع بالشمولية والدقة العلمية الكافية.. لكنها علي جانب آخر نأخذها في الاعتبار كدراسة كاشفة لتردي أوضاع المرأة العربية بعامة والمصرية بخاصة المسكوت عليها في الماضي والحاضر معًا. لكأنها ناقوس خطر نعلقه في رقاب الجميع بخاصة من يحاولون وهم في الحكم، إعطاء ظهرهم لوضع المرأة المصرية وخصوصيتها وعذاباتها بين الأمس البعيد واليوم القريب، من التيارات السياسية المتباينة والمتصارعة، وعلي رأسهم بالطبع اليمين الديني بأطيافه.. رغم أن المرأة احتلت الصفوف الأمامية في ثورة يناير وأعقبتها في ثورة يونية.. وفضحت من طالبوها 'بكشوف العذرية' ومن عراها أثناء المظاهرات وأثناء إدارة المجلس العسكري! ثم من حاول التحرش بها لمنعها من النزول إلي ميدان التحرير.. نعم لم تخف، ولم تنكسر ولم تتراجع ولعلكم تذكرون المسيرة الضخمة 'حرائر مصر' التي انطلقت من ميدان السيدة زينب أثناء حكم المعزول 'محمد مرسي' وهي رافضة لظاهرة التحرش الممنهجة التي اعتمدها نظام مرسي والتحالف الذي كان بين الإخوان والسلفيين، الذي لخصوه في عبارة خشبية خشنة.. رددوها جميعًا 'الستات دول.. عايزين حد يقلعهم هدومهم'!!
ولعلي أتحفظ بشدة علي وصف هذا التقرير أو الدراسة.. بأن وضع المرأة المصرية هو الأسوأ في العالم العربي.. لأن هذا فيه افتئات علي حقائق التاريخ والجغرافيا.. فقد قرأنا ماذا فعل 'إخوان السودان' بامرأة صحفية في السودان تجرأت وارتدت 'البنطلون'.. فحاولوا جلدها.. لكنها لاذت بالفرار للخارج! وفي السعودية كيف أن التفسير الوهابي للدين هو المتحكم، وهو يرفض سواقة المرأة للسيارة في المدينة، بينما يمنحها لراعية الغنم في البادية، لأن المدينة فيها الغواية!! إن وضع المرأة في مصر بكل المعايير أفضل نسبيًا من أوضاعها العربية.. لا أقول صحي، أو مأمول، وإنما يقتضي نضالات طويلة لكن يكفي أن أقول إن أصحاب الدعوة بالتمدين وبمدنية الدولة والتحضر قد انتصروا بوجه عام أمام من يتمسكون بالتصحر والجهل والتخلف والركون إلي السلف والجمود.
ثم لا يمكن أن نغفل أو ننسي العمق التاريخي للمرأة المصرية فقد بلغت مكانة رفيعة.. ربة الحكمة، ورمز للوفاء والاخلاص، وقد تلخص في وجه 'إيزيس' في العصر الفرعوني.. أما في عصر المسيحية فقد رحبت مصر بمجيء 'مريم العذرا' وهروبها من عسف الرومان.. وصارت مصر لها الحضن الدافئ، والحامي لها ولابنها السيد المسيح من غدر الرومان وتربصه لهما.
أما في الإسلام فقد رحبت بأهل بيت الرسول، وأقامت لهم المقامات والجوامع الشوامخ.. يشهد علي ذلك السيدة 'زينب'، والسيدة 'نفيسة'، والسيدة 'سكينة' والسيدة 'فاطمة' وغيرهن.
وإذا ما انتقلنا من تقديس المكانة، وعلو شأنها عبر الحضارات الثلاث الكبري التي تشكل الهوية المصرية والعراقة والثراء والتنوع.. وإذا ما انتقلنا إلي العصر الحديث، عصر الثورات الوطنية في القرن الماضي، وبخاصة ثورة '19' التي تجلي فيها دور المرأة. فتقدمت 'هدي شعراوي' ورفيقتها لتشكل صعودًا مبهرًا لدور المرأة المصرية الوطني.. وهي تشكل جدارية كبري منذ 'إيزيس' الأم حتي 'هدي' وتابعت المسيرة بثبات المرأة وما لعبته في ثورة 23 يوليو.. وتعيين أول وزيرة للشئون الاجتماعية 'د.حكمت أبوزيد' ونهوض المرأة بشكل عام في عصر 'ناصر' وفترة الستينيات التي شهدت تحررًا وسطوعًا وتفوقًا تشهد به جميع الفنون.. ولك أن ترصده عزيزي القارئ في حفلات 'أم كلثوم' وفي أزياء السينما الأبيض والأسود وفي المسرح والفن التشكيلي، الذي رفعوا فيه دعم مائة زهرة تتفتح وكان في المقدمة أوضاع المرأة والمكانة والحرية.
لكن للأسف الشديد.. حدثت الانتكاسة لهذه المكانة في عصر 'السادات' الذي رفع شعار ترييف المجتمع' علي حد تعبير د.جابر عصفور وهو مشتق من مقولة السادات 'أخلاق القرية' التي ظل يرددها! ثم سياسة الانفتاح 'السداح مداح' وفتح أبواب البلاد علي مصاريعها لكي تهاجر العقول والسواعد معًا.. العقول إلي أوربا في معظمها أما السواعد وبخاصة 'الفلاح' فقد هاجروا للخليج.. وفي العودة جلبوا معهم أفكار الصحراء وقيم التصحر رغم السلع الاستهلاكية التي بهرت من في عيونهم رمد!! ثم زاد الطين بلة في السبعينيات ما لخصه الخبير الأمني 'فؤاد علام' عندما لخص ما قام به السادات عندما أخرج الإخوان من السجون.. 'أخرج العفريت من القمم'.. لكي يقضي علي اليسار والقوميين أو بالأحري علي التنويريين!! فدخلت المرأة 'الخيمة'.. وربما لم تخرج منها إلي الآن إلا بقدر ضئيل أو يسير !!
أما في عصر المخلوع فقد ضرب الفساد البر والبحر والجو.. فصار قانونًا وهو الذي يتصدر المشهد الاجتماعي العام.. أما رجال الأعمال فهم أصحب الحظوة واليد الطولي، ومع زواج السلطة برأس المال تحول المجتمع إلي سوق كبير والمرأة سلعة وتحول التيار الديني المنتشر في ثناياه إلي فزاعة للغرب وقت اللزوم.. لكنه علي جانب يكتسب مساحات في أرض الواقع وبخاصة في أوضاع المرأة الفقيرة.. وهي الغالبية بين المصريات ـ فصارت مطية.. حد أن المرأة المصرية صارت هي التي تقوم بالتعدي علي قرينتها بتكفيرها و إهانتها وتمزيق حريتها!! وقد لخص لي هذا الوضع المزري والمأزوم آنذاك الرائد الكبير توفيق الحكيم.. فقد شبه العصر.. عصر الأقدام لا الأقلام، وأن الأم العجوز صارت أكثر تحررًا واستنارة من ابنتها الشابة المتعصبة والتي تحبك الخناق علي رأسها بينما الأم تؤكد أنها لم تعرف كلمة سافرة!!
إن أمة بهذا العمق التاريخي الضارب في أعماق الزمن، لا يمكن أن يختزل أو يختصر وضع المرأة فيه، في مزنقات ضيقة، محدودة العدد خانقة أو جاهلة ومتخلفة من فعل اليمين الديني المتطرف وفي المقدمة منه 'الإخوان' الذي صدمنا في بعض فتاواهم الضالة التي تقول بأن نزول المرأة البحر 'زنا' ولمس الموز 'حرام'!! وهكذا كان يريد الأهل والعشيرة والمعزول مرسي أن يحكمونا!!
ولا يمكن أن نطلق القول علي عواهنه بأن المرأة المصرية تعاني أوضاعًا دونية! لأن لدينا شامخات، وعقولاً، ولدينا إمكانيات فارقة لمجموعات من النساء.. ينقصها ترتيب الصفوف، وتحديد الأولويات، والإرادة السياسية التي تدفع بالنهوض بالمرأة كمقدمة حقيقية للنهوض بالأمة بأسرها لأن وراء كل امرأة حرة، رجلًا حرًا يدفعها إلي الامام هكذا قالت زعيمة المرأة 'هدي شعراوي'.
وربما ضارة نافعة.. وعود علي بدء.. فربما ذاك التقرير.. آفاق المجتمع علي قرع الأبواب بجسارة، من قبل فريق منتقاة من شابات مصر.. ذهبن إلي لجنة الخمسين في اعداد الدستور الجديد.. وقد أصررن علي مقابلة رئيسها 'عمرو موسي' وعلي تقديم طلباتهن كي يتضمنها دستور مصر الجديدة حق المواطنة صراحة وفي المقدمة الترشح والانتخابات.. وأن يتضمن بند الحقوق.. أن توضع المرأة مع الرجل علي قدم المساواة وإن كانت 'الكوتة' السياسية يختلف عليها البعض.. فلا أقل من أن يكون هناك بدائل للتمييز الايجابي وتخصيص مقاعد في مجلس الأمة القادم للمرأة، كي تخرج المرأة من الجب السحيق الذي يرغمه اليمين الدين والإخوان علي العيش فيه بعيدًا عن شمس المجتمع التي تحتاجها بشدة بعد أن بلغت نصف المجتمع. فما أحوجنا إلي ثورة في الأفكار والتشريعات، ومن ثم الإجراءات.. حتي تسترد المرأة المصرية ملامح 'إيزيس' الأم.. في الحكمة والعطاء والحب والوفاء والنهوض بمصر.. كل مصر.