مقدمة :ـ
" الحركة النسوية " في العالم العربي، بوصفها حركات اجتماعية تهدف إلى تغيير وضع المرأة وتحسين مكانتها في المجتمع، وتسعى هذه الحركات بالاتكاء على ما تيسر لها من مراجع ودراسات ووثائق ان تقارن ما بين           " الحركات النسوية " في العالم العربي في مستوى أولا وما بينها، وبين مثيلاتها في العوالم الأخرى في مستوى ثان، وكلما بدا ذلك ضروريا".
فالموضوع إذن يندرج في رؤية " خصوصية " ألحركات  "  النسوية العربية " بما هي نتاج اجتماعي وثقافي عربي، لكنها خصوصية لا تتناقض مع العالمية التي تتوحد في ظلها مشكلات النساء في العالم بصرف النظر عن سلم الاولويات، او المسارات المتقدمة منها أو المتأخرة .
وقد يكون من المفيد الإشارة هنا إلى ان وجود مشكلات متماثلة للنساء على مستوى العالم لا يلغي الافتراض بوجود تجارب مختلفة لهن، حتى وإن كانت هذه التجارب مبنية أساسا" على   القهر الذي يتعرضن له بسب النوع ( ألجندر ) أي لا لسبب آخر سوى كونهن نساء  .
ننطلق من هذه المقدمة من موقف نظري يتعامل مع عناصر ومكونات ومهام ووظائف الحركات كما يعرفها الباحثون والمشتغلون بالفكر الاجتماعي والسياسي، كمحكات لتقييم الحركات النسوية في العالم العربي بوصفها حركات اجتماعية هدفها تغيير وضع المرأة وتعديل مكانتها في المجتمعات العربية .
وإذا كانت العناصر التي تتشكل منها الحركات الاجتماعية متعددة ومتنوعة بتنوع أهدافها وغاياتها، فإن الممارسة االنظرية لهذه الحركات بوصفها حركات اجتماعية لا تتغير كثيرا" بين حركة عمالية أو حركة نسائية أو حركة شبابية، وهنا تؤكد الحرية وتؤكد المساواة وحقوق الانسان .
والحركات الاجتماعية بالرغم من الكثير من مظاهر التنوع والتغيير الذي تمثله هذه الحركات إلا انها " تشترك معا" في طريقة تحريك الفرد من خلال الحس الأخلاقي …" ،  وهي تشترك كذلك في االسعي لتحقيق االعدالة والسلطة الاجتماعية عبر التحرك الاجتماعي … ".
ويفصل المعجم االنقدي للعلوم الاجتماعية تاريخ أنبناء الحركات الاجتماعية حيث يرى " انها لا بد ان تمر بمرحلة أولى هي مرحلة التعبئة او التجميع… " على ان التجميع وحده لا يكفي فلا بد للأفراد أو الجماعات التي تتشكل منها هذه الحركة ان يتحرروا من القيود  " التقليدية " وان يطوروا قدرات تنظيمية يستطيعون بفضلها تحديد أغراض مشتركة ووضع الموارد المطلوبة للوصول الى هذه الاغراض واذا كان  ينوجد في حركة اجتماعية، فالذات بالنسبة لتوران " لا توجد إلا كحركة اجتماعية . وقد يتصل بالجماعات التي " تتجمع " في حركة اجتماعية تحدد أهدافها بدقة وتربط بين الوسائل والغايات".
أما مرحلة بناء القدرات التنظيمية، فهي المؤشر على وجود الحركة وقدرتها على الاستمرار والوصول إلى تحقيق أهدافها وغاياتها .
فلا بد من التمييز هنا بين المبادرات المتفرقة غير المنسقة لمجموعة من الأفراد أو الجماعات المتحورة حول موضوعات محددة، وتتمثل بتعبيرات مختلفة ومؤقتة لا تلبث ان تتوقف، وبين الحركة الاجتماعية المنظمة التي تحدد أهدافها بدقة فتحولها إلى استراتيجيا تربط مباشرة بين الوسائل والغايات.
ويتفق معظم الباحثون الاجتماعييون على ان مفهوم الحركة الاجتماعية هو مفهوم غامض، وغموضه يتيح استخدامه في مواضيع مختلفة، تبدأ بمجموعات الضغط وتنتهي في الحركات الدينية أو العقائدية، ونحن وأن أنصفنا ألاسلام، ألا أن حكم ألعقائد والمجتمع تسود جورا أحيانا،
كما ان الحركات الاجتماعية تظهر وتنمو وتتطور في الفترات التي تعاني فيها المجتمعات أزمات محددة، وتساهم هذه الحركات عادة في تعديل هذه المجتمعات أو تغيرها.
وحبذا لو أنا أدخلنا بعض الدقة على هذا الوصف، ليمكننا القول ان الحركات الاجتماعية " أما ان تهدف إلى تغيير القواعد وأما ان تهدف إلى تغيير القيم " وقد تكون الحركات الاجتماعية وبتحديد أولى الفاعلين الاجتماعيين يتمايزون بالنسبة للقواعد التي يساهمون في تغييرها أو القيم التي يحملونها، لكنهم مع ذلك يشكلون وحدة متناسقة تجمعها الرؤية المتجهة نحو تحقيق غايات استراتيجية صريحة وواضحة.
* ألنسوية وألنسائية في المجتمع العربي ....
 مفهوم ومفاهيم
أمكانية تطبيق وكيفية ......!
يستدعي الكلام على " الحركات النسوية " في المجتمعات العربية تدقيقات مفهومية متعددة ، فالنسوية تعرف هي " ألاعتقاد بأن ألمرأة  لا تعامل على قدم المساواة، لا لأي سبب سوى كونها امرأة في المجتمع الذي ينظم شؤونه ويحدد أولوياته حسب رؤية الرجل واهتماماته .
وتعرف الحركات النسائية " بأنها " مجموعة من الحركات الصغرى التي نبعث من سلسلة من ردود الفعل التلقائية المنظمة وغير المنظمة من جانب الآلاف من النساء…."
وهناك التمييز بين الحركات النسوية والحركات النسائية كترجمة، حيث ان نسائي أو نسائية " هي كل بنية كانت تركيبتها من النساء "، أما النسوية فهي التي تهدف إلى تعزيز وضع النساء "  .
نتمنى ألا يكون هذا رأي منفرد ـ رأينا ـ على أن هذا التمييز يستجيب على نحو معقول للتعريفات أستنادا إلى قراءة موضوعية فيما يسمى
 " عمل الهيئات الأهلية ـ المجتمع ىالمدني "
  – النسائية التركيب- حيث يتبين ان العمل الاجتماعي والإنساني من جهة، والعمل النسوي من جهة أخرى يدفع للتساؤل حول حقيقة وجود حركة نسائية ، نسوية.
على ان هذا التمييز لن يلغي الأهمية الكبرى لتلك المبادرات التي قامت بها نساء عربيات شاركن بالفعل، وربما بشكل تلقائي وغير منظم في ذلك " الكفاح الذي لا يلين في سبيل تحقيق المساواة "  والذي حدد إلى جانب غيره من الحركات معالم القرن العشرين.
 أن أنخراط  ألنساء ألعربيات في " حركات نسائية " يؤكد على أن جذور          " الحركة النسوية " العربية تجد مكانها الأولي في بدايات النهوض العربي في القرن التاسع عشر .
وليس من ألصعب  تلمس الآثار العميقة للتغيرات ألاقتصادية ألاجتماعية وألثقافية ألتي بدأت ترسم معالمها في ألمجتمع . تلك التغيرات التي فجرت الأسئلة النهوضية حول التقدم والتخلف، وكان السؤال عن وضع المرأة ودورها في التقدم أو التخلف أحد الأسئلة الهامة التي ترددت في كتابات النهوضين الأوائل
ولهذه الأسباب وغيرها  صيغت الخطابات العربية الأساسية حول المرأة " .
على ان قراءة الوثائق  والدراسات التي تحدثت عن الحركات النسائية، لم تقدم تبريرا" كافيا" لهذه التسمية، فالكلام عن الحركة النسائية يتسم بالتعتيم ؛ فهو مرة يتحدث عن نساء بكرن في إعلان موقفهن من قضايا المرأة، ومرة أخرى يتحدث عن جمعيات خيرية او تطوعية أسستها نساء، ومرات أخر يتحدث عن الاتحادات النسائية باعتبارها الشكل الارقى لما يسمى الحركات النسائية .
وقد يكون من المفيد هنا المقارنة مع التراث العالمي الذي ينقلنا مباشرة إلى موجات النسوية التي ابتدأت بواكيرها مع عصر التنوير كما تقول سارة غامبل ،  وإرجاع الموجة النسوية الثانية إلى صعود العمل الطلابي والسياسي في شتى أنحاء أوروبا وأميركا في الستينات من القرن العشرين، وإذا كان الجدل لم يحسم حول ما إذا كان من باب الدقة إطلاق وصف النسوي أصلا" على الجهود التي بذلتها المرأة في القرن التاسع عشر، إلا إننا نستطيع القول ان العناصر الأساسية والمهام والوظائف التي أنيطت بالحركات النسائية في مطالع القرن العشرين  تكسب لفظة النسوية شرعية اكبر، كما يتيح لنا التمييز بين نسائية ونسوية في إشارة إلى الانتظام في سلسلة متدرجة من الرؤية والخطاب ، حتى بلورة استراتيجيات تتضمن غايات وأهداف ووسائل كافية لتحقيقها.
فهل ينطبق هذا القول على " الحركة النسوية العربية " وكيف تتجلى النسوية في مجتمعاتنا العربية ؟ وكيف تتجلى " النسوية العربية " إن وجدت في الرؤية والخطاب في سياق تطورها التاريخي
ألتاريخ لاينكر ألجذور .... حيث يتحدث عن " ألنسوية ألعربية " 
والتاريخ بالنسبة لموضوعة المرأة العربية ليس بعيدا" جدا" فقد كان على المجتمعات العربية ان تتلقى الصدمة الأولى لتستفيق  من سبات، وتعي تدريجيا" ان الفروقات الكمية والكيفية بينها وبين المجتمعات الأخرى الزاحفة نحوها قد أصبحت كبيرة وعميقة، وهي تطال جميع مستويات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية .
ولا بد من حملة، وحملة أتصالات تحمل أفكار ورؤى جديدة و تقدم ووسائل وطرق في الإدارة والسياسة المدنية، مرجعيتها النظرية هي المنظومة الفكرية يتبناها المفكرون النهضويين وإن بدرجات مختلفة.
أن تؤسس دولة تستطيع ان تكون مستقلة تشرع في تحديث واجتهاد واهتمام بجوانب احياة والمعيشة، بالزراعة والإدارة والتعليم والصناعة، والعمل على إيجاد قوانين واجراءات لازمة لتحديث هذه القطاعات.
 ولعل المعلم الأبرز لهذه " الحداثة " لم يكن في بناء  مؤسسات ألدولة وألاهتمام بمواردها فحسب، بل في ألتزامن ألذي يظهر في ألاهتمام بمؤسسات التعليم، وبالبعثات  ألعلمية ألتي تتنوع مقاصدها وغاياتها، وتعلم ألفنون العلمية وألعملية،
ولعل ليس في نقل تجارب أوروبية حسب، بل في الحماس في اصلاح ألتقاليد ألتي تؤثر على ألمرأة، وبين ألإصلاح ألاقتصادي والتقني من اجل تحديث ألأمة .
أن أيلاء ألاهمية تكمن في قدرة عن فتح كوة في ألعوازل و الجداران السميكة التي يحيط بالمرأة ودورها في المجتمع، وأثرها ألكبير فيه، وأن يعلن عن أسهامات ألمرأة ألمهمة في تقدم حضارات ألمجتمعات ألحديثة وما يوصي بالتعليم العام للمرأة   .
وفكرة الإصلاح تترعرع وتكبر في جميع أنحاء ألحواضر ألعربية التي تتعرض بشكل أو بآخر لرياح ألتغيير؛ وليست غريبة عن مجرى ألاصلاح هذا غير ما يرى من تشابه الاطروحات فيما يخص السياسة المدنية، وتفاعلات ألمجتمع ألمدني، وألاحوال ألشخصية وألشؤون ألاجتماعية، واعلاء شأن القوانين وحث ألمجتمع وألدولة على تعميم التعليم للبنات والبنين.
والجدير بالذكر أن ألعلاقة بين ألإصلاح ومسألة ألتعليم هنا تتعدى فكره أنتشار ألمدارس، فهي  تشير ألى الارتباط ألشرطي بينهما في إشارة إلى تعميم ألتعليم وجعله أساسا" لفكرة ألتقدم.
وقد لا يشتبه بأن فكرة تعليم ألبنات أكتسبت شرعيتها من ألحاجة إلى تحسين شروط ألتقدم، فلن تستطيع أية أمة في معركتها من أجل ألتقدم إعداد رجال متعلمين دون تعليم الأمهات ألمسؤولات عن رعاية هؤلاء ألرجال في سنوات عمرهم الأولى. وأن ألربط ألبسيط بين فكرة ألتقدم وتعليم البنات اللبنة الأولى التي ستلتقتطها الحركات ألنسائية ألعربية مع أختلاف ألفروق ألفردية مع ألتتابع ألزمني للقرون .
لقد كان على ألمرأة ألعربية ان تنتظر طويلا" ليصبح تعليم ألمرأة ركنا" أساسيا" في ألخطاب النهضوي، وأن بدأ هذا ألخطاب خجولا" لكنه سينتهي  وينتهى واضحا" لا ليس أذ أعتبر أن جوهر ألإصلاح في ألمجتمعات ألعربية   هو تحسين " مركز المرأة " في تمكينها وتكوين شخصيتها وتحقيق ذاتها، وهذا ألمركز لا يتحسن ألا بالتربية؛ على أن ألتعليم وألتربية يجب أن يتوفرا على غاية أخرى ، وهي أعداد ألمرأة لكسب ألرزق  .
عليه نجد تجلي أعمال كوكية ممكن يعمل هنا وهناك وكيفما وحسبما ومن مقاربات مختلفة، أن ألاجماع هو قضية تعلم وتعليم ألنساء وألدعوة لها وحيث تتلقى هي ( ألمرأة ) هذه ألدعوة، بل لم تتأخر عنها حيث هي قضية جوهرية ومطلبا وقوة وكسب يحسن من وضع ألمرأة حيث أن ألجهل مشكلة وصورة سيئة .
كما أن أمرا أخر وموضوعا أساسيا من موضوعات ألاصلاح  مرتبط بالتعليم هو ألحديث عن ألحجاب وأطلاق ألحريات وتشجيع ألنساء على فنون ألادارة وتعلمها وألتعرف على ألمجتمع وألتعارف وحتى رفع سن ألزواج ثم لتأتي من بعد ومعها أعطاء ألمرأة حرية حق ألتصويت وألانتخاب وألمشاركة في ألنشاط ألسياسي لتتجلى ألتعبيرات عن ألمطالب وأين ومتى وزمكان هو موقعها رؤية لقضايا ألمرأة وبناء حركات نسائية .
ألحركة ألنسائية قضية رؤى وصياغة لمرحلة تأسيس
أن ألتطورات المختلفة وما يحصل في بلدان محيطة بالعالم العربي، وجبت لزاما تطور نوعي ورؤية في قضايا المرأة، ورؤى جديدة للمرأة ودورها في المجتمع، ما شكل أنطلاقا لتصورات وأطر، وعمل تزامن حركات بما تحمل من مضامين، مثيل دعوة لتقدمية تربط بين الاستقلال السياسي والتحرر الاجتماعي، وكل ذاك تغيير أجتماعي، وعمليات أصلاح وروابط وعلاقات تظهرها ألازمات ومراحل الانتقال والتحول .
أن تشريع وتحديث، مع أهتمام، وأجتهاد، من دولة تؤسس على تنمية ألموارد، والتعليم والادارة، مع أيجاد وتنظيم وتبويب قوانين وأجراءات ألتحديث، والعمل عليها،لعلها تكون حدث بارز " للحداثة " .
 فقطاعات مؤسسات الدولة تحديثها ببناءها، وألاهتمام بالتعليم تزامن لآي نهوض، دون ومع نقل تجارب الاخرين، مهما تنوعت مقاصدها وغاياتها، وتنوعت فنون الحياة، مختلف مجالات الحياة، العلمية والعملية، فالاصلاح وأن مع تقاليد، كل له أثر على ألمراة ...،
 وبين ألمرأة وألاصلاح تحديث للامة .
أن قضايا المرأة في العالم العربي، أفكار ورؤى جديدة للمرأة والمجتمع بما تتضمنه، على السواء شكلت تحولا" نوعيا" في النظرة  إلى المرأة ودورها في المجتمع . وإذا كان لزاما" عليه ان يربط بين  هذا التطور النوعي والتطورات ألمختلفة، ومنها ما حصل في بلدان مجاورة محيطة بالعالم العربي، شكلت  الانطلاق الأساسي لكل التصورات و الرؤى التي شكلت الإطار النظري لقضايا المرأة في العالم العربي، رغم أن هذه الحركات قد تأخرت بالظهور حتى عشرينات القرن العشرين وتزامنها مع فترة المد الكفاحي التي شهدت بدايات وتطور حركات التحرر العربي وما حملته من مضامين تقدمية ربطت بين التحرر السياسي والتحرر الاجتماعي. فقضية الاستقلال السياسي كانت تسير جنبا" إلى جنب مع قضايا التغيير الاجتماعي، مستفيدة من الارث النهضوي للقرن لتاسع عشر والذي ربط بين عمليات التقدم بالمعنى الشامل وعمليات الإصلاح الاجتماعي والعلاقات، حيث أن الحركات الاجتماعية تظهر دائما" في زمن الأزمات ومراحل الانتقال .

كيفية تطبيق ما يقرأ على الحركات النسوية في المجتمعات العربية؟!
يتبادر سؤال عن النساء وحركاتهن وكل نشاط يسعين لتحقيقه وتنفيذه، وأن كان يؤخذ الموضوع على محمل ما في بلدان العالم، فعلى أي محمل يؤخذ في المجتمعات العربية، ليصاغ سؤال عما أن أستطاعت الحركات النسائية أن تكون حركات أجتماعية؟ أي هل أستطاعت أن تتكون رؤيا واضحة تترجمها الى خطاب متسق وأستيراتيجية نظرية وعملية قابلة للتحقيق ؟
ويمكن من سياق ألسؤال ومعناه أن نحدد مجالين مجال " الرؤية " ومجال " الخطاب " ،  ومن ثم لياتي من بعدها تشعبات .
ففي مجال الرؤية :
لم يكن بمقدور الحركات النسائية في مطالع القرن الماضي ان تتجاوز رؤية حول موضوعة المرأة احتياجات المرأة العربية في الحرية والتقدم والمدنية، كالربط  بين حرية المرأة والحريات الأخرى، فعندما تكون المرأة حرة يكون المواطن حرا"، والتقدم شرطه العلم والعمل، أما المدنية فشرطها احترام الحقوق الشخصية وصيانتها؛ وهكذا قد ترسم أفق الرؤية للمرأة العربية، فحقوق المرأة تمر بأربعة أدوار:
*حالة الطبيعة عندما كانت المرأة حرة، وعهد تشكيل العائلة حين وقعت في الاستبداد الحقيقي، وعهد نشوء المدنية حين اعترف لها الرجل بشيء من الحق، غير ان استبداده منعها من ممارسته، وأخيرا" عهد المدنية الحقيقية التي تبلغ فيه المرأة حقوقها الكاملة وتتمتع بمركز الرجل 36 ، ويرى ان البلدان العربية لا تزال في الطور الثالث، وهو ان الرجل لا بد ان يعترف بحقوق المرأة وان يتخلى عن استبداده من اجل تسهيل ممارستها لحقوقها.
وقد لا يبالغ بالقول ان ما تداولته الحركة النسائية العربية طوال قرن مضى لم يخرج عن الموضوعات الثلاث التي اعتبرت أساسا" موضوعيا" لتغيير مركز المرأة في المجتمع، هذه الموضوعات هي التعليم والعمل، وما يشرطهما حكما" أي رفع الحجاب والخروج من الخدر.
ويمكن في تقص جزئي لبعض وثائق الاتحادات النسائية العربية التي تأسست في مطالع العشرينات، بألامكان ان يرى بوضوح قصور الرؤية عن تجاوز اطروحات عن المرأة .
فمن الاتحادات النسائية ما احتوى رؤيته لقضية المرأة والقضايا الأخرى، ويمكن ربط الرؤية والقضية بمجال سياسي يرتبط بالقضية الوطنية، ومجال يتعلق بقضايا الدستور وتعديلاته المرتقبة، وآخر عن القضايا الاجتماعية بوجه عام .
كما يمكن أن يكون المجال النسوي المطالب بحقوق المرأة، مثل المساواة في التعليم, وزيادة عدد المدارس ، وإصلاح قوانين الأسرة وإشراك النساء في حق الانتخاب . ولا بأس أن يكون " العمل في سبيل رقي المرأة وممارسة حقوقها وواجباتها " هدفا" أساسيا" من أهدافه، وألا يفصل كثيرا" في معنى رقي المرأة، كأن يطالب " بالسعي لإيصالها إلى المواطنية الكاملة .
ثمة نقطة جديرة بالملاحظة هنا، وهي ان خطاب المرأة لم يعد مقتصرا" عليها فقط، كما كان في البدايات بل تداخل هذا الخطاب مع هموم الأوطان السياسية التي كانت تحتل أولويات الحياة العامة في فترة وأخرى . وهكذا وعليه يمكن أن يتجاوز الموقف الوطني والمحلي، باتجاه مواقف أخرى نتيجة ظروف محيطة بالتحولات .
أما عن ألخطاب :
إذا كانت الرؤية قد حددتها الصياغات المتقدمة حول موضوعة المرأة، فإن التغيرات المتسارعة في المنطقة العربية ودخولها منطق الحروب والمقاومة قد أدت إلى إعادة ترتيب للأولويات فيما يخص السياسة والاجتماع. وقد عكس ذلك نفسه في الخطاب الذي تبنته الحركات النسائية وفي ترتيب اواليات هذا الخطاب ومفرادته. ويمكن من ذلك أن تحمل أفكار ومنها أفكار قومية تحمل معها مناهج للتغيير الاجتماعي والسياسي قائمة على نظرية كليانية للتحليل الاجتماعي، ومرتكزة على " حداثة " تكتسب شرعيتها من" التقدم " الذي تتبناه وتروج نهضة له.
 فالحرية والتعليم والمدنية هي حقوق وواجبات، والأسس التي تقوم عليها فكرة الأوطان،  بدءا" من مرحلة وحتى مرحلة بناء السلطات الوطنية.
وقد يؤدى ذلك إلى الدمج القسري بين الهوية الوطنية والدولة الوطنية وأستخدام خطاب قضية تحرير النساء كجزء لا يتجزأ من مشروع يتم التعبير عنه بلغة الإصلاح الأخلاقي. و ان أي نشاط مكثف للنساء ( المهنيات منهن، محاميات وأستاذات جامعيات وصحفيات ومدرسات) ومنظماتهن النسائية يجيز للاقناع بإدماج مطالب النساء وبرامج عمل النساء ونساء الطبقة الوسطى ضمن برنامج أجتماعي تقدمي" بما يعنيه ذلك من مساواة في حقوق التعليم والعمل والحقوق السياسية.
لقد اصبح تحرير النساء " معادلا" للحداثة " في الحركات الوطنية التي سعت إصلاحاتها إلى ان تتحول المرأة إلى أداة " للتقدم الاجتماعي " وقد تلقت الحركات النسائية هذه " الإصلاحات  باعتبارها مؤشرا" على حصولها على جميع مطالبها التي كانت مقصرة آنذاك عما منحتها إياه الدول الوطنية.
ومن يطالع الدساتير والمواثيق للدول العربية يرى ان جوهر مطالب المرأة التي وردت في مواثيق الاتحادات النسائية العربية أي الحق في التعليم والعمل قد تم تبنيها بالكامل، وقد اعتبرت الحركات النسائية هذه الإجراءات ضمن المكاسب التي تسعى المرأة إلى تحقيقها. ورأت ان تكريسها بالدساتير هو دليل آخر على نجاح المرأة في الحصول عليها.
وهناك نقطة تمثلت في عدم ألتفات الحركات النسائية ولا المفكرون الاجتماعيون في فترة  • إلى الكيفيات التي تربط تلك الحقوق بتطور الأشكال الجديدة للانضباط والضبط الاجتماعي، فقد يتم التحايل على منح النساء المساواة القانونية بواسطة قوانين الأسرة التي تميز الرجال على النساء في مسائل الزواج والطلاق وحضانة الأطفال وحقوق النفقة والميراث، ما لا يسمح لنساء ألاعتراض النساء على ذلك، كما ان البحث الاجتماعي قصر عن رؤية المشكلات المتعلقة " بالحرم " الذي الفته الدساتير على المرأة والمتعلق بقوانين الأحوال الشخصية .  ويستطيع القارئ في تاريخ الحركات النسائية العربية ان يلاحظ هذا " الرضى" الذي مارسته الحركات النسائية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي بالنسبة للإصلاحات  التي قدمتها الدول الوطنية، او بالنسبة لما تضمنته الايديولوجيات " التحريرية " أي الايديولوجيات القومية والماركسية من أفكار ومواقف عن المرأة وحولها ولها .
وبالرغم من ان هذه الإصلاحات وهذه الأفكار قد تكون في مجملها في صالح نساء الطبقة الوسطى، هذه الطبقة التي انتقلت إليها الزعامة السياسية والاجتماعية. إلا ان غياب الوعي بقضية النوع الاجتماعي / الجندر لم يعط الأشكال الجديدة للضبط الاجتماعي المفروض من خلال نظام تعليم الدولة وتوجيه الإعلام الأهمية التي تستحق، حيث تساوى في الخطاب الوطني المبثوث بواسطة الأجهزة الايديولوجية للنظام مفهوم " الوطن " بعلاقات النوع والنسب ولون البشرة، أي تلك العناصر التي لا تخضع للاختيار.
 ويمكن الاشارة إلى ان ربط النساء بالمجال الخاص يؤكد على تداخل مفهوم الوطن والمجتمع بالأم المضحية والزوجة المخلصة "  ولا يخفي ما لهذا التداخل من أثر على الفصل ما بين الأدوار التي تكرسها الثقافة التقليدية. وربما كان خير مثال على ذلك هو الاحتفاء الذي قوبل به إعلان الجامعة العربية يوم 21 آذار يوم للآم بينما تأخر الاعتراف بيوم المرأة العالمي حتى تسعينات القرن الماضي وأن زعم ان الاجتهاد توقف في زمن في جميع ما له علاقة بالمجتمع واصبح الخطاب السياسي / الايديولوجي للدولة هو نفسه الخطاب الاجتماعي الذي تبنته الحركات السياسية والاجتماعية المنتمية للدولة أو المهادنة لها/ ومنها الحركات النسائية.
 ولم تكن الاتحادات العربية ، للقطاعات الاجتماعية، كالاتحاد النسائي العربي، او اتحاد العمال العرب… إلا مناسبة لممارسة النفوذ السياسي للدول العربية القوية – مصر- العراق- سوريا …) دون الالتفات إلى المطالب الأساسية للقطاعات المختلفة والتي تشكل جوهر فكرة التغيير. لقد مارست الدول الوطنية وكذلك الأحزاب السياسية دمجا" قسريا" للمطالب الاجتماعية المختلفة، بالأهداف السياسية التي سعت  إليها الدول الاستقلالية،  حتى تصبح المطالبات الخاصة  "مرفوضة "  كبداية تحت عنوان التنمية الشاملة " المستقلة " الأداة الوحيدة لتغيير المجتمع، " وممنوعة " فيما بعد بحجة عدم زعزعة الاستقرار وعدم التعرض " للوحدة الوطنية والوحدة ألاجتماعية أو المجتمعية "
وعلى ذاك يلاحظ التغيير الجوهري الذي طرأ على الرؤية النظرية التي تصاغ فيما يخص المرأة، وهذا التغيير يتزامن مع التعديلات التي تطرأ على الأفكار الليبرالية لعصر التنوير العربي في النصف الأول من القرن العشرين .
 ومع سيادة التحليل الاقتصادي التوتالتياري للمجتمع الذي يعتبر ان تجزئة المشكلات ما هي إلا بعثرة للجهد وخسرانا" له، قد يجرى إدماج كلي للقضايا الخصوصية كقضايا النساء  وقضايا الحريات الفردية والعامة في التحليلات الكليانية التي تغلب أدماج السياسي على ما عداه.
فالدولة الوطنية تأخذ على عاتقها تطبيق بعض الإصلاحات الخاصة بالنساء مثل التوسع في إنشاء مدارس للفتيات وتشجيع النساء على الالتحاق بالتعليم العالي وتوظيف النساء في الجهاز الإداري للدولة .صحيح ان الحركات النسائية ظلت ترفع دعواها الدائمة من اجل تحسين أوضاع النساء ، لكن هذه الدعاوى لم تتجاوز سقف الخطاب السياسي، وظلت ممهورة بالمحافظة التي طبعت الفكر السائد في المجتمع ، مجتمعنا العربي.
وقد يستوجب انتظار سنوات حتى تستعد قضية المرأة وجودها المستقل، بالتزامن مع التحولات النوعية التي تهز المنظومات الفكرية والسياسية وتترتب تحولات هامة في مناهج الفكر وأدواته، وأن كان نصيب المرأة من هذا التحول كبيرا" كما يزعم، فكيف يمكن أن يتجلى هذا التحول في قضية المرأة ومسار الحركة النسائية ؟
 كيف تجلى في الرؤية ؟
كيف تجلى في الخطاب ؟
 
التمكين   Empowermentكلمة مستوردة من الاسبانية مدرسة جديدة بالتفكير، وقد تم تبني هذه الكلمة  في مكسيكو من قبل ممولي مشاريع النساء لتأكيد قدرة النساءعلى انجاز اعمالهن  وهو كمفهوم معرفي تقدم ضمن مضمونه المفاهيم الجديدة ( الديمقراطية، حقوق الانسان، حقوق النساء) التي حملتها رياح التغيرات الفكرية في اواخر القرن الماضي.
فالتمكين هو تعبير اصطلاحي يستخدم عموماً لوصف العملية التي بواسطتها يصبح الناس الضعفاء عارفين بوضعهم الخاص، بحيث يتمكنون في تنظيم انفسهم جماعياً لتزداد قدراتهم على الاستفادة من الخدمات العامة او الوصول الى المكاسب والعوامل التي يفرزها النمو الاقتصادي .

المضمون المعرفي: التمكين عملية Process تعني اكتساب القوة من قبل الناس الاقل قدرة وهو يعني " العمل الجماعي في المجموعات المقهورة والمضطهدة لتخطي او مواجهة التغلب على العقبات واوجة التمايز التي تقلل من اوضاعهم او تسلب حقوقهم.
ويعرف تمكين المرأة، بانه تخويل النساء ان تأخذ موقعاً متساوياً مع الرجال يخولها المشاركة في العملية التنموية بغية تحقيق التحكم في عوامل الانتاج على قدم وساق الرجال.
وتعتبر نظرية السلطة في صلب مفهوم التمكين، الذي ما انفك مفهومه وسياقه يمثلان موضوعاً ترتكز عليه معالجات علم الاجتماع المتنوعة فالسيطرة الابوية التي تمتد من الخاص للعام ليست سوى تجليات مختلفة لعلاقات السلطة التي تؤسس تقاسم الادوار في المؤسسات الاجتماعية في الاسرة حتى السلطة السياسية.
وقد ارتبط المفهوم ارتباطاً مباشراً بمفهوم التنمية المستدامة.
فالتنمية لا بد ان تكون من صنع البشر لا من اجلهم فحسب، وهذا ما يحتم مشاركتهم مشاركة تامة في صنع القرارات والسياسات المتعلقة بحياتهم، وفي تنفيذها ضمن حيز الواقع، وحتى يضمن لتلك المشاركة الشجاعة والنجاح ، فلا بد من تعزيز قدرات البشر على مختلف المستويات والمجالات بهدف سيطرة كل فرد من المجتمع على مصيره ، ونستطيع ان نقول ان التمكين يصل بالناس رجالاً ونساء الذين يتحكمون بحياتهم ويضعون جدول اعمالهم الخاص، ويكتسبون المهارة والخبرة، ويحلون مشاكلهم، ويزدادون ثقة بالنفس ويطورون قدراتهم بالاعتماد على الذات. فالتمكين هو سير وتقدم العمل باتجاه الهدف، وهو المردود والنتيجة في آن معاً.
تمكين المرأة:
يرتبط مفهوم التمكين ارتباطاً وثيقاً بمفهوم النوع الاجتماعي، يعتبر هذا الارتباط  نتيجة منطقية للتغيرات التي لحقت بمفهوم التنمية ومضامينه المعرفية في نهاية القرن الماضي، وقد شكلت مقاربة المرأة في التنمية (WID)  Women in Development ، والمرأة والتنمية، Women and Development  (WAD)شكلتا بداية التفكير بالكيفيات التي تتيح ادماج المرأة في  عملية التنمية بوصفها وسيلة لتحقيق هدف النمو الاقتصادي، ومع ان هاتان المقاربتان) WID) او ( WAD) قد حققتا الكثير على صعيد تمكين المرأة من الانخراط الموضوعي في عملية التنمية. الا انهما اهملتا الى حد بعيد التعاطي المناسب مع الحاجة الى احداث تغيرات بنيوية، في بنية العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية بين الرجال والنساء، تلك البنية التي تؤسس لتقاسم الادوار بين الجنسين وتنمية الفجوة على   اساس النوع Gender Gap

هكذا ظهر الى الوجود مفهوم النوع الاجتماعي والتنمية
Gender an Development (Gad)

ويحمل هذا المفهوم في طياته الدعوة الى تعزيز القدرات للمرأة والرجل معاً، واصبح التمكين بهذا المعنى هو العملية التي يتم من خلالها تناول كل البنى التي تديم جميع انواع الحرمان على اساس النوع الاجتماعي .
لقد اصبح هدف تحقيق التوازن على اساس النوع الاجتماعي( Gender) في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية،مبني على النظر الى النساء بوصفهن اطراف ناشطة
( Agents Actives) وليس بوصفهن متلقيات سلبيات.
ان مقاربة " النوع الاجتماعي والتنمية " (Gad ) لعملية التمكين تقوم على ثلاثة مظاهر مترابطة: مظهر القدرة على ( Power To) الذي يمكن النساء من المشاركة بنشاط وتساو في صنع القرارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على كل المستويات.
ومظهر القدرة مع ( Power With) الذي يمكن النساء من تنظيم انفسهن مع غيرهن من النساء اللواتي يشكلن مجموعات اجتماعية متضررة وذلك لتحقيق اهداف ذات فائدة مشتركة لمواجهة تجليات عدم المساواة على اساس النوع الاجتماعي في المجتمع والاقتصاد. ثم اخيراً مظهر القدرة في ( Power Within) الذي يمكن النساء من ان يصبحن اكثر وعياً وثقة بالنفس، وبالتالي اكثر حزماً في الدفاع عن التغير الضروري لاحداث توازن على اساس النوع الاجتماعي في الاسرة وفي المجتمع
ان المقاربة الشاملة لتمكين المرأة تتناول بعدين مترابطين: اولاً السيطرة على الموارد حيث تبدو النساء محرومات مقارنة مع نظرتهن للرجال. وثانياُ ايديولوجيا النوع السائدة التي ترسخ تجليات عدم المساواة على اساس النوع الاجتماعي والدعامة لظواهره الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية.
في واقع الامر لا بد من النظر الى مفهوم تمكين النساء بوصفه مساراً متواصلاً يتحرك انطلاقاً من التدخلات المنظمة والمفكر فيها في آن، لتقوم بوظيفة المحفز على فهم الاهمية الحاسمة التي تتسم بها عملية التمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في عملية التنمية المستدامة.
- تمكين المرأة العربية .
1- المسار: أن مفهوم التمكين هو سيرورة ترفدها مجموعة من التدخلات ، يستطاع ان يقال ان مسار تمكين المرأة العربية لم يكن على المستوى المطلوب. فالدعوة التي اطلقها مفكرو النهضة ومصلحوها الاجتماعيين من اجل المرأة لم تكن تستهدف المرأة في حد ذاتها، بل كانت تتناسق مع الاتجاهات السائدة التي تدعو لاصلاح المجتمع ومن ضمنه اصلاح وضع المرأة باعتبارها ركناً اساسياً في الاسرة.
ومع ذلك فلا بد من الاعتراف ان مساراً آخر لتقوية المرأة وتمكينها بدأ يتشكل مع نهايات القرن التاسع عشر. حيث بعض الخطاب الذي يبدأ خجولاً ينتهي واضحاً ان جوهر الاصلاح في المجتمعات العربية هو تحسين " مركز المرأة " وهذا المركز لا يتحسن الا بالتربية، على ان التعليم والتربية يجب ان يتوفرا على غاية اخرى، وهي " اعداد المرأة لكسب الرزق " .
ويتفق أن ما يتضمن من افكار ورؤى جديدة للمرأة والمجتمع على السواء يشكل بداية التحول النوعي في النظرة الى المرأة ودورها في المجتمع، وقد يجازف في القول ان هذه تشكل الاطار النظري الذي تنطلق منه الحركات النسائية العربية منذ بدايات القرن العشرين ولم تتجاوزه تماماً بعد !
ونستطيع ان نرصد ثلاث محطات في مسار تطور تمكين المرأة العربية ومضامينه، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ الاجتماعي السياسي من جهة وتطور الحركات النسائية في العالم العربي من جهة اخرى.
واذا كان من تحفظ على كلمة "حركات" باعتبارها تنتمي الى فعل منظم وهادف لم تكن ترعاه دائماً الحركات النسائية  الا انها تستخدم الآن للتعبير عن الاشكال التطبيقية التي اتخذها النشاط النضالي من اجل المرأة.
وتكشف الأبحاث القليلة التي أنجزت عن الحركات النسائية في العالم العربي ان هذه الحركات قد تأخرت بالظهور حتى عشرينات القرن العشرين، وذلك بالرغم من تلك الطفرة في تأسيس المجلات، أو تأسيس الجمعيات والتي رافقت الخطاب النهضوي في القرن التاسع عشر. وتتفق ألاراء في هذا الموضوع ان تأسيس الحركات النسائية تزامن فترة المد الكفاحي وحروب وكما في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الاولى.
 كل مرحلة تشهد بدايات وتطور وتطور حركات بما تحمله من مضامين تقدمية تربط بين التحرر السياسي والتحرر الاجتماعي. فقضية الاستقلال السياسي تسير جنبا" إلى جنب مع قضايا التغيير الاجتماعي، مستفيدة من الارث النهضوي الذي يربط بين عمليات التقدم بالمعنى الشامل وعمليات الإصلاح الاجتماعي.
أن وضع مسودة دستور جديد لدولة الوليدة، قد تكون مناقشة حيوية تجري داخل قاعات المؤتمرات وتتناول قضية المرأة، وخاصة منها الانتخاب والترشح . هي الأهم بالنسبة لموضوع المرأة في زمن وأخر .
تشكيل لجان نسائية قد تصبح ذات شأن، مما يعزز الإيمان بتشكيل أتحاد نسائي تؤكد مثل هذه العلاقة الى نشوء حركات نسائية في العالم العربي مع الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة، وقد لا يكون في هذا الموضوع مفاجأة  خاصة ان الحركات الاجتماعية تظهر دائما" في زمن الأزمات ومراحل الانتقال كما يقول ايمانويل فالرشتاين .
لابد من منهج دراسة للمرأة كحركة نسائية في المجتمع العربي، في صياغة قواعد ومناهج دقيقة للكيفيات التي تساعد على  المنهجة والقراءة، وليس ذاك بسهل في ظل الاختلافات الكمية والنوعية في درجات التطور والنمو بين البلدان العربية. ومع ذلك فإن استقرار بعض القواعد من داخل هذه الوقائع المختلفة يساهم في قراءة متأنية للمسارات المتنوعة لهذه الحركات . ولا بد من الإشارة إلى ان الدراسات المقارنة بين تجاربنا المختلفة، وتجارب الشعوب الأخرى مفيدة جدا"، فامريكا اللاتينية والهند، وافريقيا تقدم لنا نماذج أصبحت متقدمة علينا، لقد آن الأوان لأن ينظر الباحثون  والمشتغلون بعلم الاجتماع إلى الحركات النسائية  باعتبارها حركات اجتماعية، لا بد من استباط قواعد لدراستها ، كما ان ما ينتظر الحركات النسائية من عمل هو كثير  جدا" ليس فقط في ميدان تحديد الاتجاهات التي تتوافق مع طموح النساء العربيات في هذا العصر، بل أيضا" في ميدان تحديد المهام والوظائف التي يجب ان نضطلع بها باعتبارها حركة اجتماعية تهدف كما غيرها من الحركات إلى التأثير في المجتمع وصولا" إلى تغييره.
 تقف المرأة على مفترق صعب، حيث يتجلى الارتباك في الخيارات التي لم تحسمها الحركات النسائية بعد، فالعلاقة بين السياسي والاجتماعي تضغط على اتجاهات الرؤية ، والاتجاهات المحافظة تخترق الحركات النسائية وأساليب عملها وأشكال تحركها.
ويتجلى كل ذلك في صياغة المواقف: الموقف من قانون الأحوال الشخصية على سبيل المثال،كما أن اللغة المستخدمة للتعبير عن احتياجات المرأة العملية والاستراتيجية التي تتأرجح بين حداثة فجة تنشؤها ردود أفعال آنية و بين تقليد لا يخدم طموح المرأة وتوقها إلى الحرية والمساواة.
لم تؤدي حالة القبول التي تمارسها المرأة للرؤية الجديدة إلى تغيرات حقيقية في رؤية المرأة لنفسها ومسارها بعد ، فلم تتحول مطالب النساء من الاعتراف بالحق، الحق في التعليم، الحق في العمل، الحق في المشاركة في الشأن العام، إلى الحق بإنشاء الحق أي ان تكون شريكة فعلية في صنع القرارات وتخطيط السياسات. صحيح ان الخطب الرنانة تحمل هذا المطلب " الشراكة "، لكن دون هذا المطلب عقبات كثيرة أهمها في رأينا الاعتراف بالمساواة أمام القوانين كل القوانين بما فيها قوانين الأحوال الشخصية.
لقد افتتح القرن العشرين مرحلة جديدة من التحديات التي تواجه شعوب العالم كله، ولن نستطيع نحن العرب مواجهة التحديات الا بتجديد روادنا الثقافية وتحسين فاعلية حركاتنا الاجتماعية ذاتها وهو ما تحاول الحركة النسائية ان تجيب عليه، فهل تقدر؟.