تروي لينا المهندسة المعمارية اللبنانية، صاحبة الأربعين عاما، وتقول: «التقيت غليوم، وهو فرنسي، عام 1996. كان يؤدي خدمته المدنية ويدرس في لبنان. منذ ذلك الحين لم ننفصل عن بعضنا». بيد أن العلاقة لم تكن سهلة. «كنت مسلمة وهو مسيحي. لم يكن بوسعنا الزواج في لبنان لأنه لا وجود للزواج المدني هنا، فعقدنا قراننا في قبرص عام 2000». من بعدها صرح الزوجان بزواجهما أمام السلطات اللبنانية والفرنسية في بيروت. حصلت لينا على الجنسية الفرنسية في غضون عام لكنهما بقيا في بلاد الأرز. غليوم يحب العيش هناك ولو أن العقبات الإدارية تثقل حياتهما، إذ عليه تجديد إقامته سنويا. يشتكي هذا المستشار العقاري ابن الخامسة والأربعين قائلا: «جميع المعاملات ثقيلة. تصيبني بالمرض».
من أنا؟!
عام 2004، مع ولادة ابنهما الأول، اكتشفت لينا أن ما حدث لهما كان سهلا مقارنة مع ما ينتظرهما «ولد ابني في لبنان من أم لبنانية وهو بحاجة لإذن إقامة كأنه غريب!». فلبنان، كما الكويت وقطر وسوريا وسلطنة عمان والسودان والصومال، لا يمنح الأم حق إعطاء الجنسية إلى أولادها. إلا إذا كانوا مجهولي الأب.
واليوم مع وجود ولدين، يضطر الزوجان لمواجهة أسئلة البكر «من أنا؟ لماذا لا أحمل جواز سفر لبنانيا؟». بنظر لينا «ليس من العدل الإجابة: أنت لبناني لكن ليس بقدر الآخرين». يقول الأب إنه يشعر بـ«الغبن» لأن أبناءه لا يحق لهم دخول المدارس الرسمية ولا الاستفادة من الضمان الصحي ولا امتلاك أو إنشاء شركة وممارسة بعض المهن. وهذا اللاوضع وراثي.زينب لا تملك أوراقا ثبوتية، كما تظهر في فيلم كارول منصور الوثائقي "»كلنا للوطن» العائد لعام 2011. ولدت وترعرعت في لبنان لكن والدها المصري توفي قبل أن يسجلها في مصر. وهي ليست موجودة بالتالي في سجلات الدولة اللبنانية. والأسوأ أن أمها اضطرت لإدخال أولادها إلى ميتم: لا جنسية.. فلا حقوق ولا مدرسة مجانية ولا شيء. في الشريط التسجيلي نفسه، يروي عادل، المحامي المصري المتزوج من لبنانية ولهما ولدان، كيف تم ترحيله من لبنان. يحكي أيضا عن المورد المالي الذي تشكله بطاقات الاقامة للبنان: مجانية لغليوم الفرنسي وليس له. والأهم، يمكن رفض منحه إياها. عندها يكون أمام هؤلاء الأزواج والآباء أيام معدودة لمغادرة لبنان وعائلاتهم.
حقوق مُهدَرة
في دول الجامعة العربية الثلاثة والعشرين، تشمل مسألة الجنسية ومنحها بالأبوة والزواج والتجنيس وقضية الأشخاص الذين يحملون جنسيتين والتخلي عن الجنسية للحصول على غيرها وحق الأرض وحق الدم. وحقوق النساء هي المهدورة في قوانين الجنسية هذه. ومع أن هذه الدول وقعت عام 1981على معاهدة إلغاء جميع اشكال التمييز فان غالبيتها العظمى تحفظت على المادة الثانية المتعلقة بالنساء والمادة التاسعة الخاصة بنقل الجنسية إلى الأولاد. هناك جمعيات تناضل بالتالي من أجل المساواة في الحقوق. فالرجال يمكنهم منح الجنسية لزوجاتهم الأجنبيات وأولادهم أينما أبصروا النور. الأجنبيات اللواتي يتزوجن رجالاً عرباً يتمتعن بحقوق أكثر من المتزوجات من أجانب ويواجهن مصاعب أقل.
هذه حال سوزي خليل التي التقت بعدنان خليل عام 1977 في جامعة تكسون، اريزونا. هي أميركية في الخامسة والعشرين من عمرها، وهو ولد وتربى في جدة. تزوجته بعد 12 عاما. ولد لهما ابن اسمياه آدم فحصل تلقائيا على الجنسية السعودية، بالرغم من أنه ولد في الولايات المتحدة ولم يقم في السعودية. بعد 30 عاما على لقائهما، انتقلا إلى جدة. يحق لسوزي الجنسية لكنها لم تتقدم بطلب. تقول، وهي مدركة لامتيازات وضعها: «تؤمن لي الجنسية فوائد يمكنني الاستغناء عنها. حالي ليس دقيقا كحال السعوديات المتزوجات من أجانب». لكنها تتساءل: «ما مصيري إذا حصل شيء لزوجي؟».
«جنسيتي»
بعد مفاوضات طويلة وحملات توعية تتجاوز حدود الدولة، تطورت بعض التشريعات. فمنذ حملة «جنسيتي»، لم يعد مطلوبا تجديد الإقامة سنويا في لبنان بل كل ثلاثة أعوام، وفي مارس 2012، وضع مجلس الوزراء القضية على جدول أعماله. كما أنه بات ممكنا، منذ عامي 2005 و2006، للأجانب المتزوجين من جزائريات أو عراقيات الحصول هم وأولادهم على الجنسية في الدولتين. والحصول على الجنسية عن طريق الأم بات ممكنا منذ عام 2008 في المغرب ومصر، ومنذ 2010 في تونس وليبيا، مع بعض الشروط أحيانا مثل أن يكون الزوج مسلماً.
تروي السيدة أمينة لطفي، الرئيسة الوطنية لـ«الجمعية الديموقراطية لنساء المغرب» حكاية «مسار طويل بدأ قبل عشرين عاما». يرتبط هذا التحسن باصلاحات واسعة في جميع المجالات (العدل، العمل، الخ) وخصوصا بإعادة النظر في «المدونة» أي قانون الأسرة المغربي. تقول السيدة لطفي «النساء هن من لفت نظر الجمعيات الى هذا العنف المؤسساتي». وقد تم تقديم مذكرة إلى اللجنة التي شكلها الملك لإعادة النظر في المدونة. منذ 2001، جرت مشاورات وتحركات واسعة، وتسر لطفي قائلة «في وجه معارضة الحركات المحافظة، شكلت الجمعيات تحالفا. خلقنا ربيع المساواة عام 2002، كان لنا ربيع قبل الربيع العربي». في 2007، جرى أخيرا من قبل الحكومة تعديل قانون الجنسية العائد إلى عام 1958. دامت الحملة سبع سنوات.
غير هذا الإصلاح حياة أمينة، السيدة المغربية في الواحدة والخمسين والمتزوجة من رجل تونسي منذ عام 2002. منذ ولادتها، تعاني ابنتهما المرض وتخضع بانتظام لعمليات جراحية كبيرة «علينا دفع فاتورة المستشفى لأن ليس لديها سوى الجنسية التونسية». تجهد أمينة في العمل في البيوت لدفع النفقات الطبية. عبء ثقيل يتحمله الزوجان الفقيران والقريبان من الانفصال. الابنة صارت في العاشرة من العمر. نظرت المحكمة في قضيتها ووفرت لها الحل السحري بعد شهرين. تختم أمينة بالقول «ما زلنا فقراء وابنتنا ما زالت مريضة لكنها أصبحت فقيرة مغربية لها حقوق بالتالي».
في غضون ذلك، تشتكي نساء من البطء الإداري في معالجة طلباتهن، ومنهن إلهام س. ربة عائلة مغربية زوجها من مالي.
تليين التشريعات
من جهتها، ليّنت دول مثل السعودية واليمن والأردن واريتريا وموريتانيا والتشاد وجزر القمر تشريعاتها. ومنذ 2011، باتت نساء الإمارات قادرات على منح الجنسية لأولادهن من زواج مختلط: إنها سابقة في دولة خليجية. في سن الثامنة عشرة، يتقدم الأولاد بطلب، كما في السعودية، ولو كان التشريع الإماراتي أكثر ليونة. للأولاد في المبدأ منذ ولادتهم حقوق الإماراتيين نفسها، لكن القانون لم يطبق بعد والأمهات لا يعرفن القانون بالضرورة. لذا فالتحرك مستمر. «انه عام انتخابي وهذه فرصتنا الوحيدة لتعديل القانون»، كما تقول لينا التي لم تعد واثقة تماما، لأنه لا يبدو أن الحملات وضعت حدا لتطبيع بعض الأوضاع واحدا واحدا بهدف انتخابي تحديدا.
توضح كلير بوغران، الباحثة المشاركة في المؤسسة الفرنسية للشرق الأدنى والمحللة حول دول الخليج في «مجموعة الأزمات الدولية»: «أدت الصعوبات في الحصول على الجنسية إلى تكاثر التحركات في الأعوام الأخيرة، لأنها تؤثر في حياة العائلات اليومية، فالقوانين الإدارية تجعل التمييز أكثر بروزا. وتختلف نتائج تعديل التشريعات، فإعادة النظر بقواعد منح الجنسية يفتح الباب أمام تغيير في التركيبة السكانية. في لبنان حيث المسألة حساسة، هناك فوبيا من رؤية الفلسطينيين يندمجون في المجتمع من خلال الزواج. إضافة إلى أن الاحتفاء، خصوصا في الخليج، بالجنسية الحصرية والتجانس الثقافي والعرقي هو أحد أعمدة شرعية السلطة. يترجم ذلك بتشجيع الزواج بين المواطنين حتى بالنسبة للرجال. فالخطر في النهاية ذو طابع سياسي».
دور الدين
بالطبع لا يأتي القرآن الكريم، ولا سائر النصوص الدينية على ذكر مسألة الجنسية، تضيف بوغران، قائلة «من التضليل الاستناد إلى مبادئ دينية، لكن في ذلك عامل خمول قويا. فالمسألة ليست في استنكار الذريعة باعتبارها كاذبة او غير متماسكة بل بإدراك سبب ما تلقاه من صدى». في العالم العربي، تستوحى قوانين الأحوال الشخصية من التعاليم الدينية ومن الصعب إعادة النظر بنظام الهيمنة الأبوية. خصوصا عندما تصوت على القوانين مجالس غالبيتها من الذكور».
الاستعمار وتعديل الحدود في تلك الحقبة، الحروب ومن ثم نهاية الاستعمار والتوازن الهش للمجتمعات بسبب النزاعات الطائفية (لبنان) أو الاتنية (السودان): كلها عناصر اضطراب في تلك المناطق وفي تشريعاتها. تبرر عدة بلدان هذه القيود بالإدعاء أن منح الجنسية للفلسطينيين سيدمر هويتهم ويضر بحق العودة وإقامة دولة. ترفض الحملة اللبنانية تلك الحجة، إذ بحسب الاحصائيات فان نسبة %6 فقط من اللبنانيات المتزوجات من أجانب اخترن أزواجا فلسطينيين.
هل يكون للربيع العربي نتائج على مسألة الجنسية؟ تدافع لينا بالقول: «ضحّى زوجي بحياته في فرنسا من أجلي. أضعف الإيمان منحه الجنسية».
وتروي كيف علمت أن عليها دفع رسم دخول إلى لبنان عن ابني الثاني فيما كانت تتقدم بطلب إقامة مجاني له. توجهت إلى الموظف الإداري بالقول: «ولد ابني هنا والدم اللبناني يسيل في عروقه وخرج من جسدي اللبناني، وهذه أرض لبناني، أليس كذلك؟»، فأجابها: «انه غريب وعليه الدفع». القانون هو القانون.