«أيها المسلمون، يا أهل الغيرة والأنفة، إن تعليم بناتكم الحساب والجغرافيا لمصيبة عظمى وخطر عظيم على مجتمعنا، وهو مصدر انحطاط الأمة وسقوطها في الهاوية. إن هذا التعليم سبب لتمرد المرأة وخروجها عن تعاليم دينها، وسفورها وتبرجها، وبتعليم المرأة حصل التبرج ومزقت الحجاب وكشفت الفخذ والساق والرأس والصدر فصرفت لها الأنظار، فثارت الشهوة، فضعفت الرجولة وماتت الغيرة والحمية. وإني أنصح كل مسلم ألا يدخل ابنته أو أخته في هذه المدارس التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وعلى الدعاة المرشدين والمصلحين أن يسارعوا إلى القيام بواجبهم نحو هذه الأخطار التي يسعى بها أعداء الإسلام إلى المسلمين».
هذا ما ورد للشيخ عبدالله بن حميد - رحمه الله - في كتاب الدرر السنية، الذي كان رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء وعضو هيئة كبار العلماء آنذاك.
قد يبدو هذا الحديث اليوم ضرباً من الجنون، لكنه وقتها كان ضرباً من الحمية والذود عن الإسلام والحرص على الأخلاق الحميدة، ومن يعارضه فإنه متآمر ضد الدين وضد الوطن. هذا الكلام لم يعد أحد يعتقد فيه اليوم أو يصدقه بعد 50 عاماً من تعليم النساء، لكنني أورده كي أقول لكم إن ما قيل في تعليم البنات أبشع مما قيل في قيادة المرأة سيارتها، فلم يُقل حتى اليوم إنها ستمزق الحجاب وستكشف عن الفخذ والساق، بل إنه منذ الإعلان عن حملة «26 أكتوبر» لقيادة المرأة سيارتها، بل وقبلها بكثير، بدأت التصريحات الإيجابية تملأ الفضاء الاجتماعي، وبخاصة تلك التي تظهر مع المسؤولين الكبار في الأحاديث والمقابلات الأجنبية، فأول سؤال يطرح على مسؤول في الخارج هو: «لماذا لا تقود المرأة السيارة بنفسها في بلادكم»؟ وزير العدل أجاب: «إن قيادة المرأة السيارة في السعودية شأن اجتماعي». ثم ظهر مدير المرور يقول إنه لا يوجد في نظام المرور ما يمنع من أن تقود المرأة سيارتها، ثم خرج رئيس الهيئات للأمر بالمعروف يقول إن ليس من اختصاص الهيئة إيقاف المرأة التي تقود السيارة، وخرج علماء شريعة وقضاة يقولون إنه لا يوجد نص شرعي يمنع المرأة من قيادة السيارة.
هيأت كل هذه التصريحات لتوقعات بأن الوقت مؤاتٍ ومناسب، وأن المجتمع شاع فيه القبول بهذه المبادرة، فخرجت نساء وقدن سياراتهن وصورن أنفسهن ووضعن مقاطع الفيديو على «يوتيوب»، فشاهدنا فيها شـــاباً يعلم والدته قيادة السيارة، وأباً يصور ابنــــته وهـــي تقـــود سيارتها، وأخاً مع أخته ونساء منفردات يـــقدن سيـــاراتهن باقتدار. شـــاركت النخب الإعلامية في دعم هذا الحق عبر الصحف وبرامج التلفزيون المستقلة، وبدا أن الأمور تسير لمصلحة النساء في هذا اليوم المرتقب، لكن كالعادة لا بد أن يختــرق هذه القضية التيار المتشدد ويحولها إلى قضية سياسية ويستغـــلها لجمع النقاط، ويتهم الحكومة بالتـــراخي أمــام حركات تغريب المجتمع، ويؤلب الرأي العام ضد موقف الحكومة المتساهل، ويتهم النساء المشاركات في الحملة بالتخوين وإثارة الفتنة والعصيان.
فخرج المحتسبون كي ينذروا ولاة الأمر بأن تراخيها وبال وشؤم ونذير، لم يُستقبل المحتسبون، لكن في اليوم التالي لإطلاق تصريحاتهم خرج المتحدث باسم وزارة الداخلية وقبل الحملة بيوم يهدد وينذر النساء بالردع الحازم والتوقيف، ويعلن عن أن النظام يمنع النساء من قيادة السيارة لأنها مساس بالسلم الاجتماعي، وهاجمت خطب الجمعة في معظم المساجد حملة «٢٦ أكتوبر» لقيادة المرأة السيارة، وهكذا في يوم واحد تحول ما وصف بأنه شأن اجتماعي إلى مساس بالسلم الاجتماعي، وانقلب الأمر لنقيضه.
تخيلوا لو أن الدولة اتخذت الموقف ذاته من تعليم الفتيات قبل 50 عاماً، فجاملت الأصوات الممسوسة بالرعب من كل حركة إصلاح اجتماعي، ووقفت ضد التعليم مع تيار المتشددين الرافضين لتعليم الفتيات والذي كان يقوده وقتها رأس الهرم الشرعي، ماذا يمكن أن تكون حالنا اليوم؟
المواقف تتكرر لكننا نتراجع بدلاً من أن نتقدم، وزيادة عليها نرجع في كلامنا بسرعة.