فى الجزء الثانى نستكمل هموم المرأة المصرية وحصار المجتمع وتوصيات بالحل.
وفى السبعينيات تمت صفقة سياسية هائلة بين الرئيس السادات والإخوان المسلمين. دخل الإخوان المسلمون الحياة السياسية المصرية من بوابة تلك الصفقة، وكانت النساء المصريات شكلا وموضوعا ورقتهم السياسية الوحيدة للتميز السياسى. كان تنظيم الإخوان المسلمين، ولا يزال تنظيما مفلسا. تنظيما لا يحمل للمجتمع المصرى أى أفق سياسى واعد أو جديد فى الاقتصاد، أو فى التحالفات الدولية، أو فى البناء السياسى، أو الاقتصادى للدولة، تنظيما لا يحمل إلا شعارات مبهمة وهتافات مجردة لا يصاحبها برنامج سياسى حقيقى. الشىء الوحيد الذى ميز حركة الإخوان المسلمين بحق هو رجعيتهم وعدائهم لتقدم المرأة، ولربما بدا هذا واحدا فى ظل تبوئهم سدة الحكم. ففى ظل حكمهم توقفت سياسات تنظيم الأسرة، بل تمت الإطاحة بمؤسسات تنظيم الأسرة.
يواجه المجتمع المصرى ثلاث مشاكل هائلة نتيجة عجزه عن التعامل بشجاعة وبجدية فكرية مع قضايا الحرية الإنجابية وقضايا تنظيم الأسرة. المشكلة الأولى هى مشكلة أطفال الشوارع، والثانية هى مشكلة ارتفاع معدل وفيات الأمهات المرتبط بالحمل والولادة، والثالثة هى الانفجار السكانى، وقد يكون من الملائم أن يرصد المرء أن التقديرات المتحفظة لعدد أطفال الشوارع تتجاوز نصف المليون، مما يمثل ظاهرة اجتماعية فى غاية الخطورة لن تستطيع مواجهتها النوايا الحسنة للجمعيات الأهلية، التى تسعى لرعاية هؤلاء الأطفال، فنشاط تلك الجمعيات سيظل مسكنا لا أكثر. المتتبع لأخبار العالم يعرف أن مصر ليست وحدها فى مواجهة تلك المشكلة. البرازيل مثلا ذات الديانة الكاثوليكية عجزت قانونا ودستورا عن أن تتعامل بجدية مع قضايا الحريات الإنجابية، ولهذا واجهت البرازيل مشكلة جد هائلة فى أطفال الشوارع وأعدادهم الضخمة. واكب تعقد الظاهرة وأبعادها الاجتماعية ظهور جماعات مسلحة آمنت بأن التخلص من مشكلة أطفال الشوارع يتأتى بقتلهم بشكل منظم. ذلك التطور اللا إنسانى هو نتاج عجز سياسى وتشريعى لم يمكن النساء من التعامل مع قضاياهن الإنجابية.
والمشكلة الثانية هى وفيات الأمهات الحوامل يكفى أن يشير المرء إلى أن معدل وفيات الأمهات فى مصر يقارب الـ١٠٠ امرأة كل مائة ألف مقارنة بـ٦ كل مائة ألف فى بريطانيا. معدل وفيات الأمهات أثناء الولادة وتوافر مفاهيم الولادة الآمنة هو جزء من مفهوم كبير، وهو مفهوم الحرية الإنجابية، فالمرأة لن تكون إنسانا حرا إذا كانت ممارسة لوظائفها الطبيعية فى منح الحياة محاطة بالصدف وتصاريف القدر دون تواجد علمى وتشريعى يحميها، ويحمى طفلها وأسرتها.والمشكلة الثالثة الكبرى التى تواجه المجتمع المصرى هى مشكلة الانفجار السكانى. الانفجار السكانى خطر لا ريب فيه، ولقد واجه ويواجه شعوب العالم النامى من الهند للصين لحوض وادى النيل. المشكلة التى تواجه مصر فى ذلك هى ارتياب القوى السياسية والنخبة فى أن هناك مشكله، بل يتصور البعض أن الحديث عنها هو تنصل من واجبات التنمية متبنيا فى ذلك موقفا سلفيا متطابقا مع الإخوان المسلمين. إن الانفجار السكانى المصرى ليس ظاهرة فريدة، بل يمتد حولنا من السعودية لليبيا لإثيوبيا، ومما لا شك فيه أن البلاد التى كانت تتقبل هجرة المصريين سوف تتوقف عن ذلك لتغير طبيعتها السكانية ذاتها.
إن كاتب هذه السطور يرى أنه من الضرورى أن يحتوى الدستور المصرى القادم على نص أو كلمة واحدة تؤكد مفهوم الحرية الإنجابية، وهو مفهوم يؤكد أن من حق المرأة والرجل والأزواج أن يقرروا لأنفسهم حجم أسرتهم، وعدد أطفالها، والقدرة على تنظيم الأسرة، وتقدير التفاوت الزمنى الملائم بين المواليد، وكذا منع الحمل بأشكاله المختلفة للمرأة وللرجل. لقد صار توافر الخدمات الطبية فى مناخ حر وقانونى متجاوزا للإمكانيات المادية أحد مقاييس الحضارة فى عصرنا الحديث. هذا المفهوم صار حقا إنسانيا يمتد ويضيف لحقوق المرأة، وكذا الرجل، ويتداخل مع مواثيق وأنشطة الأمم المتحدة. إن مصر العظمى الرائدة فى الشرق والعالم، التى زينت معابدها صور نساء مصر القديمة تستحق أن تمنح بناتها ونسائها الحق فى أن يمارسن وظائفهن الطبيعية المقدسة فى أمان وحرية وبمعرفة عصرية ودون خوف.