وجدت «سواقة» الحريم - وهي هكذا تسمى في اللسان الشعبي - طريقها بنفسها. فقد قررت النساء ألا ينتظرن أحداً يحسم أمرهن، فأخذن بأيديهن لا بيد أحد آخر. فبعد محاولتين تاريخيتين، قررت نساء «حملة 26 أكتوبر» أن يهبطن إلى الشارع ويذهبن لإنجاز مهماتهن بأنفسهن، ثم يصورن أنفسهن بكاميرا فيديو الهاتف الذكي، ووضع التسجيل خلال دقيقة على قناة «يوتيوب».
خرجت معالجة نفسية إلى عيادتها وساقت بنفسها سيارتها وسجلت كلمتها «سأقود سيارتي بنفسي». وخرجت سيدة وأحضرت أحفادها من المدرسة، وقالت: زوج ابنتي موظف وليس لدينا هذه الأيام سائق. ثم خرجت سيدة ثالثة التزمت الصمت، فلم ندرِ من هي ولِمَ خرجت، لكنها سارت في شارع عام تقود باحتراف وتتصرف بذكاء. المفاجأة هذه المرة أن رجال المرور لم يعترضوا طريقها! ثم سمعنا عن سيدات أخريات تم توقيفهن لسؤالهن عن امتلاكهن رخصة قيادة - بحسب النظام - ثم أُخلي سبيلهن، مع التصريح للصحف بأن نظام المرور لا يمنع النساء من قيادة السيارة، لكن تلزمهن رخصة قيادة، طبعاً هذا لغز آخر على النساء حله، «فأين يمكن أن يحصلن على رخص من دون مدرسة تعليم قيادة تمنح رخصتها»؟
الواضح وضوح الشمس أن الحكومة قررت أخيراً أن تكون مهنية، بل أن تتقبل الأمر وأن تكون صادقة مع نفسها، حين قال مسؤولوها إن سواقة الحريم قرار اجتماعي، فسجلت الحكومة بهذا موقفاً متقدماً وحيوياً، بل حضارياً، هل هذا غريب؟
سيبدو موقف حكومتنا فعلاً غريباً مقارنة بموقف مجلس الشورى الموقر، الذي قرر رئيسه أثناء انعقاد جلسته قبل أيام أن يتهم ثلاثة من أعضاء الشورى، بأنهن يضيعن الوقت، حين تقدمن للمجلس بمذكرة تحمل مسوغات شرعية وقانونية واجتماعية تدعو إلى إقرار سواقة الحريم، وقال إن نظام النقل الذي يناقشه المجلس في جلسته الحالية ليس له علاقة بسواقة الحريم.
رئيس الشورى معه حق، لأن لغز «سواقة الحريم» ليس له علاقة بالنقل، بل بوكالة ناسا للفضاء ومقرها كوكب زحل، وعلى المعترضات مراجعة مقر القيادة هناك، لكن اعتراضي هنا هو على جملة «إضاعة الوقت»، فأنا أوافق على أن سواقة الحريم في المجلس إضاعة للوقت، لكن هل كانت الساعة عطلانة عند مجلس الشورى، عندما تكرم بوقته لمناقشة قضايا تافهة وبعيدة عن المجال الحيوي لحقوق المواطنين، ومراقبة مصادر عيشهم وأداء مسؤوليهم؟ فلم أسمع بأن رئيس مجلس الشورى حرص على الوقت حين طالب أحد أعضائه بمنع الطائرات الأجنبية التي تمر بالمجال الجوي وهي في السماء أن تتوقف عن تقديم الكحول لركابها حال دخولها المجال الجوي، ولا حين ناقش شجرة الأراك وضرورة حمايتها وتخفيف الطلب التجاري عليها. ولهذا، أقترح على كل امرأة تشارك في حملة «سواقة الحريم» أن تحمل معها شجرة أراك، فقد يضطر المجلس إلى التدخل لحماية شجرة الأراك من النساء بتركهن وشأنهن. أثبتت الحكومة هذه المرة بتركها النساء وشأنهن أنها تقدمت على مجلس الشورى الذي لا يحب أن يضيع وقته مع النساء.
هاردلك يا مجلس.
«لا تنسون تطفون الأنوار» بعد الجلسة، من أجل الحفاظ على الكهرباء.