تقول أم أمل إن قصتها لم تلقَ اهتماماً ولا تجاوباً إلا بعد أن نشرتها «عكاظ» إحدى الصحف السعودية، وها هي تعود مرة أخرى في برنامج «الثامنة» على «أم بي سي» ثم تنشرها «الحياة»، وهذا دليل على أن الإعلام يدفع بالحق أحياناً أكثر مما تدفع به مؤسسات العدل القضائية أو الأمنية. لا أريد أن أتحمس من جديد لقصة أقف فيها مثلكم متفرجة، لكنني أستطيع بفعل اختباري لمواقف متشابهة في قضايا متشابهة أن أخبركم أن بعض المؤسسات الرسمية تستطيع أن تتجاوز حق امرأة لأنها فقط أنثى، فصباح اليوم كنت أتذكر صديقة تقدم لخطبتها رجل نصاب، وعقد قرانه عليها باسم مزيف وببطاقة مدنية تحمل اسم رجل آخر، وسرق مال أخيها، وحين طلبت المرأة من القاضي أن يطلقها رفض القاضي، فكون الرجل تقدم ببطاقة مزيفة لعقد قرانه على امرأة لا يعني بطلان الزواج لأنها تزوجت الرجل وليس بطاقته، وهذا معناه أن القاضي لا يرى أهمية القيم الأخلاقية والإسلامية في عقد الزواج وأهمها الصدق والنزاهة، وهكذا تصبح الزوجة حقاً للص. اليوم نحن أمام قصة أخرى هي قصة أم أمل، وهي طفلة هربت مع رجل باكستاني إلى باكستان، تقول إنه اغتصبها فلم تجد قلباً حنوناً يرشدها ويحميها مثل قلب الأم، بل زوجة والدها التي شجعتهما على الهروب. بعد ٢١ عاماً أرادت «أم أمل» أن تعود إلى بلادها وأهلها، فهل تتمكن من ذلك؟ سفارة السعودية في باكستان تجد أن الأمر معقد ويصعب حله، فهم يريدون أن يوافق الأهل على عودتها، ويريدون أن يقوموا بعمل ديبلوماسي لكن على طريقة عشائرية قبلية «يا الوجيه الغانمة لزوم نرجع لأبوها ونستسمحه ونحب خشمه عشان يوافق وإلا فالسموحة». السفارة لم تُحِل القضية إلى القضاء مثلاً، ولا لمؤسسات الرعاية الاجتماعية.
سيقول الكثير إن الفتاة كان عمرها 14 سنة حين أخطأت، وإنها لا يمكن أن تفر إلا بموافقتها وعليها أن تدفع الثمن. هل هذا صحيح؟ هل صحيح أن العقل والمنطق والدين يقول بأن تعاقب طفلة غير راشدة على عدم اتخاذها القرار الصحيح أو أنها تتحمل المسؤولية؟ حسناً أنا موافقة مبدئياً، لكن كم عليها أن تدفع الثمن عشر سنوات عشرين؟ ماذا عن ٢١ سنة أليست كافية؟ «أم أمل» تريد العودة فهل يجب أن يوافق أحد على كونها إنسانة ومواطنة، ألا يكفيها ما دفعته وما ستدفعه لاحقاً إن قوطعت ونبذت؟ الذين يتحمسون لرفع أحكام النبذ والعقاب، أريد أن أسألهم هل هذا موقفهم من بعض شبابنا السعودي الذي خرج متسللاً عبر الحدود السعودية حاملاً السلاح ليقوم بعمليات انتحارية فوقع في قبضة أمن الدولة المستهدفة مثلما حدث في العراق وباكستان وسورية؟ ولماذا تحملت السعودية مسؤولية هؤلاء والدفاع عنهم وإعادتهم إلى البلاد ولا تتحمل مسؤولية فتاة فرّت وهي طفلة؟
مصدر مسؤول من السفارة نقلت تصريحه «الحياة» ذكر أن «أم أمل وصلت إلى مقر السفارة في إسلام آباد من دون أن تخبرهم، وكان برفقتها ابنها، عاتبناها على عدم إبلاغنا بزيارتها، حتى نسهل مهمتها في المطار، ونقلها إلى مقر الضيافة»، إلا أن أم أمل قالت: «لو علمت القنصلية السعودية في كراتشي بسفري إلى إسلام آباد ستتم عرقلة ذلك، والتقيت السفير وتسلمت منه 28 ألف روبية باكستانية (1000 ريال سعودي)». وأكد أن السفارة لم تدفع لها قيمة إيجار المنزل، وإنما تكفلت به امرأة سعودية تدعى «أم صالح»، سلمت لأم أمل 4 آلاف دولار أميركي، وزاد: «أبلغنا أم أمل أن مشكلتك ليست مع وزارتي الخارجية أو الداخلية، وإنما مع ذويك، ومتى تسهل أمرك مع أسرتك، نحملك على رؤوسنا إلى المملكة».
منذ متى يا جماعة صارت النساء ملكيات شخصية لأولياء أمورهن، فلا تعالج إلا بإذنهم، ولا تنتهي غربتها إلا بإذنهم، ولا تسافر ولا تسكن ولا يقبل القاضي شكواها ولا تعمل إلا بإذنهم، ولا تتعلم إلا بإذنهم، وإذا رفض ولي الأمر فكل ما يسعكم هو أن تقبلوا «خشمه» حتى يرضى. وما بين إذنه وخشمه ضاعت حقوق النساء!