ملخص: في الجزئين السابقين تناولنا الفجوة في العلاقة مع الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية والبعد عن واقع المجتمع المحلي النسوي وهمومه.
خطاب إعلامي جاف
في مؤتمر حملة اللجنة الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة والذي نظمته الوزارة واللجنة الوطنية عام 2010، كانت كلمة الوزيرة تصفيق متكرر لحديثها السياسي الذي كانت ترتجله، في وقت نفتقد فيه لخطاب سياسي من قبل نساء قياديات. لكن الوزيرة وفي مؤتمر مناهضة العنف لم تتطرق للعنف لا بالأرقام ولا بالحقائق ولم تأت على ذكر أية قصة إنسانية، رغم غنى المؤتمر ببرنامجه المميز. فأين البراعة في تلمس واقع العنف أمام الحضور؟
إن هذا البحث المضني يأتي بعد تجربتي وأخريات في معترك حقوق المرأة بحملات ورسائل متنوعة، والمشاهدة المباشرة لأسباب فشل "الحركة النسوية" بأقطابها الحكومية والأهلية والاعتبارية في إعلاء مطالبها وتحقيق أي منها على مدى عشرات السنين من العمل.
وبالنظر إلى كلمات وتصريحات الوزارة المتشابهة بل والمتطابقة وغير المتجددة لدرجة بدا أن معظمها صادرة عن مكتبها الاعلامي، نجد أن التركيز هو على أن المرأة هي حارسة الحلم، وأنها شريكة في النضال الوطني إلى جانب الرجل لتحقيق حلم الدولة والاستقلال. فهل يغفل شعبنا نضالات المرأة إلى درجة تكرارها في كل مناسبة فتكون جل حديثنا؟ هو خطاب يشبه خطاب ساستنا الذين يتغنون بنضالات المرأة دون تغيير على أرض الواقع.
تتكرر في خطابات الوزيرة النقاط الرئيسة التالية: أنها تعتز بانجازات الوزارة في اقرار الاستراتيجية عبر القطاعية للنوع الاجتماعي، والموازنة الحساسة للنوع الاجتماعي، واللجنة الوطنية لمناهضة العنف، والاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف، وانشاء وحدات النوع الاجتماعي في الوزارات، وتوقيع الرئيس على اتفاقية سيداو والمرسوم الرئاسي بشأن تعطيل بندين من قانوني العقوبات الساريين في الضفة وغزة حول قتل النساء على خلفية ما يسمى "شرف العائلة".
عبارات عريضة لا يفهمها الجمهور ولا يعرف ما الذي تحقق منها فعلاً. وهو تكرار مؤلم في ظل عدم التوضيح، ومؤلم إذا توضحت الفكرة وعرف الجميع واقع هذه الانجازات؛ فلنبدأ بسيداو؛ الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة.. فتوقيع الرئيس هو مجرد حبر على ورق حين لا تطبق فلسطين ما جاء فيها، بينما الانضمام إليها أشبه بالانضمام للأمم المتحدة.
أما تعطيل الرئيس لمادتين حول جرائم الشرف لاسيما بعد قضية المغدورة آية برادعية، فهو أيضاً حبر على ورق بعكس ما أعلنته الوزيرة من أن المرسوم يعد انصافاً لحقوق النساء بوجه عام وأنه يضع حداً لقتلهن، فالدراسات تشير إلى عدم جدوى المرسوم لعدم وجود سابقة قضائية تستند إلى هذين البندين وأن هناك بنوداً أخرى مطلوب تعديلها. وهنا أوجه اللوم للمؤسسات النسوية التي لم تجرؤ أن توضح ماهية هذا المرسوم واكتفت بالتصفيق ونشر الدراسة على مواقعها الإلكترونية.
أما اللجنة الوطنية لمناهضة العنف والتي تأسست عام 2008 بقرار مجلس الوزراء؛ والإضافة في عهد ذياب هو استراتيجية مناهضة العنف للأعوام 2011-2019. ويعد وجود هذه اللجنة من مختلف المؤسسات جزء من سياسة التكامل والتوحد لتحقيق الهدف.. لكن إعلامياً لا نسمع لها صوتاً يحاكي حجمها في زحمة اللجان التي نبدع فلسطينياً بإطلاقها ونخاف أن نعلن موتها، ونبدو وكأننا ننتشلها في مناسبات سطحية بعيدة عن أهدافها من البئر ثم نصفق ونفرح ونرميها فيه مرة أخرى.
اما الاستراتيجيات الأخرى فيبدو أنها تعكس واقعاً جافاً وسلبياً، وآخر ايجابياً فيما يتعلق بالجهود التي تبذل لتنال المرأة حقوقها، كما وصفته د. مها شبيطة حين أشارت إلى أن الكثير من السياسات المتعلقة بالمرأة يتم إقرارها دون أن تطبق على أرض الواقع. فيما أكدت الكاتبة ريما كتانة نزال توافق النساء في اجتماع مع رئيس الوزراء السابق على مأخذها فيما يخص وزارة المرأة لتغليبها العمل بالبرامج كبديل عن العمل بالسياسات.
لفتني في تصريحات الوزيرة أيضاً خبرين عن التضامن مع نساء مدينة أشرف الإيرانية وتوقيع عريضة احتجاج ضد ما يرتكبه النظام الإيراني من جرائم بحق النساء، في حين وجدت سطراً واحداً يتعلق بقضية مقتل آية برادعية تشكر فيه الوزيرة الشرطة على جهودها في كشف الحقيقة.
لقد خرج عيسى قراقع وزير الأسرى عن جوهر وزارته ومعاناة الأسرى التي لا توصف لاسيما مع اضرابهم عن الطعام، حين هزته حوادث قتل النساء فكتب أروع ما كتب بعنوان "أنا المقتولة أعلاه بتهمة جريمة شرف"، وصرخت حنان عشراوي في إحدى المؤتمرات الصحفية حول جرائم القتل لتكشف تآمر الشرطة والطب الشرعي ضد الضحية، واصطدم الشباب والصبايا في مناقشة جرائم القتل وضرورة تغيير القوانين مع المستشار القانوني للرئيس... فأين كانت الوزارة من كل هذا الحراك؟
وبعد ذلك كله قالت الوزيرة ذياب لشبكة معاً: "أنا راضية كل الرضا بما وصلت إليه المرأة فيما يخص مواقع صنع القرار والوصول إلى التشريعي والحكومة"، واعتبرت أن تولي امرأة لرئاسة بلدية دير بلوط هو "تغير نوعي في الثقافة المجتمعية"!
العلاقة مع المؤسسات النسوية وغير النسوية
تم احصاء 31 خبراً يمثل أنشطة لمؤسسات نسوية حضرتها الوزارة خلال الأربع سنوات الماضية، وكان شكل المشاركة افتتاح و/أو كلمة، بعضها لقاءات بمبادرة الوزارة لبحث التعاون. وطبعا القليل من هذه المؤسسات كرر الدعوة للوزيرة ومنها من لم يكررها.
خلال هذه النشاطات لم تستطع الوزارة أن تتحدث عن تنظيم العمل النسوي الذي يقر الجميع تشتته وأنه لم يرقى ليشكل "حركة نسوية بل إن الفجوة تزداد بين العاملات في هذا القطاع اللواتي تتطور أفكارهن، وبين مجتمعنا الذي يزداد تخلفاً. ويزداد رأس الدولة اصراراً على عدم التغيير أمام المسيرات النسوية التي لا تزيد عن العشرات.
لقد أطلقت المؤسسات النسوية حملات عديدة لمناهضة العنف ولوقف القتل على خلفية الشرف، بشكل أحادي، وكأنها موجات مؤقتة، تأتي وتغيب بلا أي انجاز، سوى انعاش الشركات الدعائية وهي غالباً بدون مشاركة أو حضور الوزارة حتى!
من جهة ثانية فإن مشاركة الوزارة بنشاطات نسوية لمؤسسات غير نسوية كان ضمن 54 خبراً، أي أن تركيز الوزارة هو على النشاطات البعيدة عن الشأن النسوي ومع ذلك لم يتم استغلال هذا المنبر لتوجيه خطاباً نسوياً قوياً. وأخيراً فإن المؤسسات الأهلية والحكومية يجب أن تضع استراتيجية عمل وليس استراتيجية "كلام" للتغيير، تحدد فيها المطالب وتعمل على تحقيقها بشكل ممنهج ومنظم، وهذا يحتاج إلى قاعدة بيانات وبوابة تحتوي على كل المعلومات والدراسات والأرقام التي تتعلق بالمرأة الفلسطينية وحقوقها ومطالبها والتركيز على هدف واحد سنوياً.
في الجزء القادم والأخير نفند مزيداً من مهام وانجازات الوزارة؛ وهم على وهم؟!
**(يستند هذا المقال لتحليل أكثر من مائتي وثلاثين خبراً نشر عن وزارة شؤون المرأة خلال الأربع سنوات الماضية التي تولت فيها الوزيرة ربيحة ذياب رئاسة الوزارة على مدى الحكومات الثالثة عشر والرابعة عشر والخامس عشر وحكومة تسيير الأعمال الحالية أي الفترة الزمنية:"19/5/2009- 1/8/2013"، والاطلاع على قرارات مجلس الوزراء في هذه الفترة ومنشورات الوزارة).