في مهرجان سوق عكاظ في مدينة الطائف، وهو فعالية وطنية ثقافية رسمية تقام في الفضاء المكشوف وترعاه مؤسسات الدولة، ويرتاده جمهور غفير من الناس وينقل حياً على الهواء، وتتابعه كل وسائل الإعلام ويخضع لمراقبة وحدات الأمن والضبط، بمن فيهم رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... اعتبر أحد المرتادين - الذي يبدو أنه جاء قصداً - أن هذا ليس كافياً لحفظ المجتمع وضبطه، وأن المجتمع لا يزال بحاجة إلى صيحة احتساب يقوم بها هو كي يعلم الناس كيف يكون الضبط والسلوك القويم، فنهض أثناء قراءة الشاعرة التونسية جميلة الماجري إحدى ضيفات المهرجان، وصاح بها: «هذا غير مقبول هذا غير مقبول».
أُخرج المحتسب من المكان، لكن رأيه سينتشر عند الرأي العام. فهذا الرأي وإن أحبط مادياً فإنه سيعيش ثقافياً طالما منابعه حية ورطبة. فالمحتسب عند بعضنا هو رجل تقي يريد الخير لمجتمعه، وحين يقف في مثل هذه الفعاليات يزمجر فهو يفعل ذلك لوجه الله تعالى، وقد يظن بعضنا بأنه محق وأن ما يحاربه كان شراً. ليس هذا أخطر ما في الأمر، بل حين تعرف بأن هذا المحتسب هو مدرس في مدارسنا وفي التربية والتعليم، وهذا يعني أن ما تجرأ عليه وقاله في محفل ثقافي لا بد وأنه درس يومي يزرع في أذهان الأطفال الذين يدرسهم. على من خاف هذا المدرس؟ على الشاعرة الناضجة الكبيرة التي قد تفوقه ثقافة ووعياً، والتي قالت للإعلام رداً على فعله: «إن الخنساء وقفت أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسمعته شعراً، فما نهاها»، أم أن هذا المحتسب خاف أن يضل الرجال الذين جاؤوا لمحفل ثقافي مفتوح تحت أعين الناس، فتتغلب عليهم غرائزهم ويتحولون إلى ذئاب بشرية كما يزعم أعداء العيش المشترك في المجتمع؟ ما يدور في عقل هذا المدرس هو رعب قارب أمراضاً نفسية انتشرت بيننا وأعطيت اسماً من قبيل «قيم وتقاليد إسلامية»، أشهرها الرعب من النساء، حتى انقلب مفهوم الحياة المشتركة وضرورة التدرب على قواعد الحياة وسط الناس، كاللياقة واللباقة وغض البصر وحسن الظن، إلى مفهوم «الاختلاط الآثم»، وهو فعل يهلك صاحبه ويجرف المجتمع كله.
أمس في مطار الرياض، دخلت من صالة الضيوف المميزة التي يدفع زوجي عضويتها السنوية كي يتجنب الزحام، فإذا بالموظف يصيح بي أن عليّ الدخول أنا وابنتي إلى صالة النساء وقضاء وقت الانتظار هناك، بينما صالات المطار العادية والدرجة الأولى تجلس العائلات مع بعضها «مشتركة» أو «مختلطة» كما يحبون أن يقولوا فما بال هذه الصالة؟ لها قانون وحدها. هذه الحال لا نعيشها فقط في صالة مطار الخدمة المميزة، بل في صالات انتظار المستشفيات وفي مدن ألعاب الأطفال وفي بعض الأسواق. في هذه الأماكن على العائلة أن تفترق، فيذهب الأب مع الرجال في صالة انتظار الرجال وابنته مع النساء، وإن أخذ زوجان طفلهما وهو محموم ومريض لعيادة طبيب، آملين في صحبة بينهما تجعل الوقت أقصر والخبر السيء أخف، وجب عليهما أن يفترقا في صالتي انتظار. وتزور الابنة المتزوجة أهلها فيتوجب عليها أن تجلس مع زوجات أخيها تستمع لحفلة الحش في إخوتها، ويجلس زوجها مع والدها وإخوانها في مجلس الرجال، لا مكان للعائلة حتى مع العائلة، ثم نقول إننا أكثر مجتمع يحافظ على وحدة العائلة ويجعلها أهم وحدة في المجتمع، بينما نحن أول ما نكسره هو مفهوم العائلة، لهذا فإن الرجل حين يرى سيدة في مقام والدته أو أخته متعلمة أو مثقفة أو حتى بسيطة ونقية فهو لا يرى فيها أخته ولا يرى فيها أمه ولا يرى فيها ابنته، إنما هي أنثى جاءت كي تشعل الحرائق في أجساد الذئاب البشرية، وحين تختبر الأمر مراراً كلما ركبت طائرة على بعد ساعة أو زرت قرية في بلادك لا يزال أهلها يعيشون وفق فطرتهم السليمة، فلا تجد هذا الزعم إلا في وهم مريض.
في بلدة مثل «رماح»، وجدت سيدة ببرقعها تسوق سيارة «بيك آب» كي تحمل والدها إلى المسجد وتنتظره حتى يفرغ من صلاته من دون أن يعترضها أحد.
صرنا نعيش وفق قانون يقول إن كان هناك مريض واحد في مجتمع، فعلينا بدلاً من معالجته أن نضع القوانين وفق حاله المريضة كي نأمن شره، فنصبح مثل من يسجن مجتمعاً كاملاً بسبب وجود عشرة لصوص فيه، وهكذا يصبح اللصوص أحراراً والأبرياء في السجن.