أترشّف في الليل فنجاني فارغا... لا أدري إن كان الليل يهزمني أم فراغ الفنجان...
قال:
"املئي فنجانك حُبّاً"
قالت:
"ملأته، لكن الجبال أفرغته إلاّ من رائحة الغربة"
سقط سؤال عنه بفراغ الفنجان، فتقلّب الجواب على جنبه، مسدِلا ستارة النعاس على الفراغ، ولم ينمِ الفراغ بل فتح المنافذ للهواء محاولا تجفيف ما تبقّى من البُن في الفنجان.
"أتريدين أن تقطفي ليَ الليل؟"
"بل يقطفني الهواء العبثيّ مِنْك في غربة صوتي..."
"أتريدين أن تكتبي رسالة لقمر السماء العاشقة؟"
"بلى.. ولكني نثرت حروفي بين السّطور فانسكبت عليها قهوتي الفارغة..."
"غنّي للحبيب إذن فهو سيّد المكان غريبا عنه، واستعيدي شوق أمسية كفنّا فيها الرحيل ودفنّا شهر الدموع تحت أنفاس الشبق. تدفّقي كأغنية تستميل العندليب ليسرقها، واعبري معي نحو الطريق. هات اليد اليسرى، أحبّ أن تحترفي معي لغة القلب من مكانه..."
قالت...
"ابنُ الفيروز أنت... ابن الحجر المصقول بدماء الأجداد.. ابن بحر مات حُزنا على أهله.. ابن النمر المسلوب ضلعا من بلاده.. أفلا تكذِبُ على الطرقات لتهزِمها؟"
قال...
"غطّي القلب بي، وافتحي للخيال أبواب حقيقة، ستريْن غُربتنا سرابا. ستريْننا نحمل في المعطف روحا واحدة."
مدّت الكفّ إلى درب الهوى... فارتداها بين كفّيْه كنرجسة زكيّة، وسقاها عطره والأرض تحتهما تُخفي ظلّيهما فوق تلال السكينة.
"أعطِ للدرب اسما كي أناديه ليطوي نفسه"
"سمِّه صوت الصدى... سوف يسمع روحك المِدرار حبّا، ويقيم الحدّ على صهيل النهر والبحر والهضبة الزرقاء... سوف يطوي وجهه أميال شوق في ثوانٍ... وإذا تأخّر عن بعض ثوانٍ أخريات، عدّدي الشوق معي، وانتظري يدي التي أحملها إليك... أَلَمسْتِها؟"
قالت...
"بل تحسّست الهواء سريعا، فإذا الكفّ تُغازل رعشتي.. تلتقط أصابعي وتخطف منها قُبلة غارقة في الوَلَه.. سأغرق بهذا الليل في ريش الوسادة لأنام مع الحلم المسكّن للحنين..."
قال...
"نامي ولا تتعثّري إلاّ بوجهي في الحلم، تُصبحين على ابتسامة شمس حلولي عندك..."
قالت وقد لملمت العينين تحت جفونها...
"تُصبح على حبّ"