تشكو لي إحدى الصديقات من معاناتها من عدد من زميلاتها في العمل، وأنهن لسن في جو عمل، حيث ينتهي الوقت وهن في سوالف وأحاديث مكررة تتناول فلانة وعلانة، وتتبع أخبار الأخريات، وخلال جلسات القيل والقال، يحدث افتراء وبهتان وكذب في حق نساء غائبات، وتقول إن هذه الحالة تتطور حتى تصل لتمس كل واحدة من بين هذه المجموعة نفسها عند غيابها أو عدم الجلوس معهن، وهذه الصديقة تنهي معاناتها بكلمة لامست نفسي وعقلي وتوقفت أمامها ملياً وهي عندما قالت: «الله يعين شو نقول هذا مجتمع الحريم، دايماً مالهم كلام إلا في فلانة وعلانة» ..
أما لماذا توقفت عند هذه الكلمة ولم أتوقف عند فداحة الموضوع نفسه، فالسبب أن النميمة ونقل الأخبار والكذب والافتراء، ممارسات عرفت منذ وجد الإنسان على هذه الأرض، ولا سبيل لتغييرها إلا بالتوعية والتثقيف وغرس القيم النبيلة، وبرغم هذا ستظل وتستمر، وتوقفت أمام كلماتها التي بينت خلالها أن هذا هو حال الحريم في كل مجلس، لأنها عممت أولاً، ولأنها أخرجت الرجل عن فعل هذه الممارسة غير الأخلاقية، ومع الأسف يتساوى الرجل أو قد تكون مجالس كثير من الرجال أشد فتكاً وقسوة في تتبع الأخبار والنميمة والبهتان والغيبة من مجالس النساء، بل إن مجالس البعض من الرجال قد تكون أعم في غيبتها وأشمل من المرأة التي دوماً تدور في فلك محدد من النقد والحديث حول همومها اليومية المنزلية أما الرجل فالمساحة أمامه واسعة فهو لا يوفر موضوعاً إلا تحدث فيه.
إن تلك المسلمات بأن النساء لا وظيفة لهن سوى الكلام في فلانة وعلانة، اتضح أنها تهمة يشارك الرجل فيها وبفعالية، وغير حقيقي أن المرأة هي وحدها الضعيفة أخلاقياً وأدبياً عندما تمارس هذا الفعل، بل كثير من المجتمعات الذكورية لا حديث لهم إلا في الناس بكل التفاصيل الخصوصية، فلهذه الصديقة ولكل من يتهم المجتمعات النسائية أنها مجتمعات لا وظيفة لها إلا الحديث في الناس وشؤونهم والتدخل في خصوصياتهم، أقول لنحاول أن نركز دوماً على المشكلة من جذورها لإيجاد حل حقيقي لها، هذه الظاهرة إذا صح تسميتها بظاهرة لا علاج لها سوى بالمواجهة مع ضعاف النفوس، وكشفهم وكشف عيبهم الأخلاقي، ولنتذكر أنه كلما صعدت قيم وآداب الحوار وحقوق الآخرين وعظمنا عدم التدخل في شؤون أصدقائنا وزملائنا كلما نجحنا في العلاج وتمكنا من الحد من أضرار هذه العادة السيئة بحق.