كنت أقف في الشرفة أتطلع الي الأنوار المتحركة في السماء‏,‏ تقول جدتي‏:‏ كشافات جيش الملك تبحث عن طائرات الانجليز لتضربها‏,‏ كان الملك يملك البلد والجيش والجنة والنار‏.‏
تكتب الصحف: العبودية والولاء والحب والطاعة منقوشة علي شغاف قلوب المصريين لصاحب الجلالة المعظم, ويقول أبي: صاحب الجلالة يملك الصحف أيضا وأقلام الأدباء الكبار وكل ما يخرج من العقول وما يدخل البطون؟ وأسمع هديرا تقول جدتي: صوت مدافع الملك المضادة للطائرات, أحملق في السماء لأري طائرة تسقط دون جدوي, وتقول أمي: المدافع تطرد طائرات العدو من سماء الوطن لتعود الي سماء العدو, تصورت أن سماء مصر ليست سماء الانجليز التي يسكنها اله انجليزي بشرته حمراء يرتدي قبعة وليس طربوشا, وقال أبي: المدافع فاسدة مثل الملك لا تطلق إلا فقاعات هواء, رغم ذلك حذرني أبي من الوقوف في الشرفة تفاديا للموت.
كان للموت صورة ساحرة في خيالي, يشجعنا علي الموت الأدباء الحائزون علي جوائز الدولة تحمل اسم الملك ومن بعده اسم الرئيس, يتحصن الأدباء الكبار في قصورهم المنيعة يحرضون الشعب علي الموت من أجل الله والملك والوطن, كنا نؤمن بالثلاثة معا دون فاصل وسوف نذهب الي الجنة بعد موتنا حتما. أما الكفر بالملك فهو كفر ثلاثي بالله والوطن والملك وسوف يذهب الكفار الي النار ومعهم الأطفال الذين لا يطيعون آباءهم. وما إن يختفي أبي خارج البيت حتي أعصي أوامره وأجري الي الشرفة أبحث عن الموت الساحر في جنة الأفق المظلم. هناك شيء يجذبنا الي الموت, مثل مياه النهر تجري نحو المصب, أو صفوف الجنود يسيرون الي الموت, ويمكن تغيير مجري النهر فلا تضيع المياه في البحر, كما قال أبي, ويمكن أن يسقط الملك عن العرش كما قالت أمي, وتراودني الذكري كلما سعيت بقدمي الي الفناء فداء الوطن, وأولي الخطوات في الطفولة, إن كان لنا طفولة, نحن شعوب لا تعرف الطفولة, خاصة الجنس المؤنث المصاب بلعنة الآلهة الذكور منذ رع وآمون.
أشرفت علي الموت ونجوت بالصدفة, ألم يأت الكون بالصدفة؟ كاد رأسي يطير بقذيفة إسرائيلية بمدينة الإسماعيلية, حين تطوعت بمستشفي الطوارئ بعد هزيمة7691, وانقلبت بي السيارة في الأغوار بالأردن حين سافرت لعلاج الفدائيين بمنظمة التحرير عام8691 وتوالت الأحداث الخطرة طوال العمر, نحن شعوب لا تعرف الأمان رغم تضخم أجهزة الأمن, واليوم أول سبتمبر3102, واقفة في الشرفة أطل علي القاهرة مدينتي, كم ثورة مضت منذ ماتت جدتي وأمي وأبي؟ كم ثورة أجهضت منذ أنجبت بناتي وأبنائي؟
هذه الثورات لا نعرفها إلا بعد زوالها واختفاء الشعب في البيوت, وظهور الوجوه القديمة وان تجددت, والدستور الجديد وإن تخلف نصف قرن. لا ثورة دون اسقاط القديم ووضع دستور يبني مؤسسات جديدة تبدأ من مؤسسة الأسرة الي مؤسسة الرئاسة مرورا بالتعليم والسياسة والاقتصاد والقانون والاجتماع والثقافة والإعلام والتاريخ والفنون والابداع. والثورات في التاريخ الطبقي الأبوي لا تحقق أهدافها إلا بقوة الشعب, وقوة الشعب لا تكون إلا في الشارع, لكن الناس تعيش معزولة داخل الجدران الأربعة, هل كان اختراع العائلة أحد مضادات الثورات؟ وأيام الحرب تنطلق صفارة الانذار بصوتها الساحر لينطلق الناس خارج بيوتهم أجمل اللحظات وأنا ألعب مع أطفال الجيران في المساحة حيث تتلاشي الفواصل بين العائلات, وسرعان ما تنطلق صفارة الأمان ونعود الي السجن الانفرادي داخل بيوتنا الكئيبة وعائلاتنا الكريمة.
أحداث الثورات الأخيرة(1102 الي3102) تبدو ثورة واحدة ممدودة من الولادة حتي الموت, أحاول تذكر طفولتي وما قاله أبي وأمي وجدتي, والمشكلة ليست في تذكر الثورة بل في الوعي بها, يتأخر العقل البشري دائما عن الحدث ولا يدركه إلا بعد وقوعه.
وتفلت منا الأحداث الجارية, حتي تتوقف وتثبت, وتحدث الثورة لتغيير الثابت, مثل الفن والابداع والخيال والحرب والحب, كلها مفردات لشيء واحد لا يقبل المساومات أو التنازلات أو الخيانات والكذب تحت اسم الواقعية أو الديمقراطية أو الشرعية أو السوق الحرة وأرباح الرأسمالية.