كنّ جالسات تحت الشّرفة.. ينتظرن مرور ثقل النّهار قبل تجهيز المائدة.. سامية العروس المرتقبة كانت في الغرفة حتّى لا تتكشّف و "تلمّ الّسر" كما تحثّها أمّها و خالاتها.. لتبدو أجمل ليلة العرس
تعيد ترتيب جهاز المنزل الجديد و تسجّل ما ينقصها , هكذا تقضي طول يومها.. كم تمنّت لو أحضرت في جهازها غسّالة و طاقم القهوة الّذي لم يغادر بالها منذ ذلك اليوم في المحل , لكن ماهر أخبرها أنّ السعادة في أن تملأ البيت بوجهها السّمح و أنّ ابتسامتها أروع من طاقم كريستال
ماهر لم يستطع إلّا أن يؤجّل الزواج إلى ما بعد رمضان , فالوضعيّة الامنية في البلاد لا تسمح كما أنّ رئيسه في العمل لم يوافق على الاجازة في موعدها ولكنّه وعده بحضور زفافه في موعده المؤّجل
هناك في منطقة الشّعانبي تملأ الألغام المكان , كان ماهر يؤّدّي دوريّته و كان بدوره يفكّر في قسط أجار قاعة الافراح و لكنّه وعد سامية و لن يتوارى عن ليلة تاريخيّة لها أسوة بجارتها سعيدة ..
_" سامية , تعالي معنا ..لماذا تجلسين وحدك ؟"
_" انتظر مكالمة من ماهر يامّا , سألحقكم بعد قليل لنجهّز معا المائدة "
_ " لا يا بنيتي مش مليح الدنيا مغارب وانت وحدك في البيت .. وبنت خالك جاية من تونس تو تقلّك وطّت فيا العين"
_" حسنا أنا قادمة .."
جلسنا و ما إن أطلّت سامية حتّى تعالت الزّغاريد , فكأنّما بها إطلالة أميرة .. سامية مختلفة عن بنات أعمامها , أكثرهم خفّة و أقلّهم عقلا كما تصفها عمّتي و لكنها شديدة الطّيبة , أذكر أنّ كلّ صيفيّة تحمل معها لسامية عاشقا جديدا .. فمرّة نزار من بلجيكا و مرة فهمي ابن روما ثمّ وليد الذّي أوهم كلّ أهل القرية أنّه يعمل في فرنسا و لكنّه كشف في النّهاية و لم يكن  سوى عامل يومي تتلاقفه أزقّة العاصمة ليس له عنوان يبيت فيه.
و ماهر تعرّفت عليه كما تعرّفت على كلّ هؤلاء , في ليلة صيفيّة في المنتزه البلدي .. كان ببدلته العسكريّة تلك على أهبة الاستعداد لبدأ مناوبته إلى أن رأها تمشي متبخترة , ترمقه النّظرة تلو الاخرى فأجّل سفره سويعات ليجمّع ما يتسنّى من ملامحها , ملامح تؤنس وحشة ليله في تلك المنطقة الحدوديّة.
بدت على سامية  ملامح القلق , هاتف ماهر خارج التغطية و لكنّه وعدها ان يتّصل و ماهر لا يخلف وعوده .
لم ترد سامية  من الحياة سوى  هذا الزّواج و بتأجيله  أصبحت متمسّكة به أكثر , لا حديث عن سواه و لا حدث إلّا مؤجّل لما بعده "هل تعرفين ماهي السّعادة يا صبيّة؟ ان أتزوّج و أغادر المنزل "  قبل سنتين  كانت السّعادة فستان تقابل به ماهر!!
هي برغم كلّ ما تقول و ما يبدو عليها لا تحبّه فعلا, سامية تحتاج رجلا يخرجها من براثن أخوتها و بطش أبيها , تريد رجلا يأخذها إلى مكان بعيد عن هذا المنزل الذّي يبدو لها سجنا و هذه القرية الّتي تبدو كمقبرة واسعة لا حياة فيها سوى نميمة متساكنيها و جهلهم , كانت بحاجة لرجل يدفع بقيّة رسوماتها الجامعيّة , أوّل مدّة أقضيها مع سامية كانت حين تلقّى أبي هاتفا خرج على إثره مستعجلا و عاد بسامية .
 قضّينا أفضل اسبوع في حياتها كما تقول . كنت صغيرة و لكنّي أذكر أن أبي كان غاضبا و يصرخ في الهاتف "يذبحها ؟ علاش الدّنيا مسيّبة , معندهاش أهل ولا مّالي , انا خالها  .. نجي نهزّها تو .. طفلة صغيرة , شوفو أندادها كيفاش عايشين.. »
علمت فيما بعد أنّ سامية رقصت في إحدى الأعراس و و علم أحد إخوتها فهدّد بقتلها ضربا لولا اتّصال عمّتي. بقيت في بيتنا أسبوع , كان أكثر من رائع , فسح و مشاوير بحر , لسامية روح خفيفة و طاقة تجعل كلّ المنزل بهجة و سرور , ليلة مغادرتها أبكت الجميع .
و منذ وقتها لم تنقطع اتصالاتنا و أخبارنا و أصبحنا مقرّبتين , كأخت لم تملكها كلّ واحدة منّا أو أكثر .. و زاد القرب بعد وفاة أبي فقد كان أبا لكلينا . قدمت سامية تدرس علوم تكنولوجيا المعلومات في العاصمة , اختصاصا يبدو غريبا لفتاة قرويّة لم تستعمل حاسوبا طيلة حياتها و لكن لم تكن لتختار شيئا آخر , لن يناسب سامية المغامرة إلّا شيء يكسرغموض العاصمة و فضولها لمعرفة و تجربة كلّ شيء . أمّا ماهر فبقي ذلك الجانب القاتم في اختياراتها لسبب لم يقنع سواها , أو لم يقتنع به سواي.
 أذكر أنّها أخبرتني " ماهر سيدفع لي أجار الشقّة و سأغادر المبيت"
_"لا داعي لذلك منزلنا مفتوح لك يا سامية و أمي تحبك"
_" لا انت لن تفهمي , هذا عربون محبّة و دليل ارتباط أبدي"
_" لا أدري يا سامية , سيذكرك مرارا و تكرارا أنه أنفق على تعليمك و أنّك مهما كنت ناجحة فالفضل يعود له و سيتحكّم فيما تبقّى من حياتك .. أهذا ما ترغبين به  ؟"
_لا زلت صغيرة .. ما أدراك انت بهذه الأمور و احزري ماذا سيجلب لي أيضا ؟
_ ذاك القميص الرّمادي ؟
_" يا حسرة" سيجلب لي جوالا محمولا و سيشتري لي حاسوبا أيضا و الخطوبة في هذه الصّيفيّة.
_ و لكن هل فعلا هذا هو الشّخص المناسب لك يا سامية ؟ لم ينهي حتّى المرحلة الابتدائيّة و فارق المعرفة  سيخلق الكثير من المشاكل
_ أنا أحتاج لرجل مثله و "محسوب"  المشاكل حتّى بين أكثر الازواج مستوى تعليميّا
_ "أنت حرّة , المسألة في صالحي أوّلا على الاقلّ سأسترجع حاسوبي" علّقت مازحة و لكن لم يكن بيدي سوى أن أتركها تختار بحرّية , فمعرفتي بسامية تجعلني أجزم أنّ لا أحدا مارس حرّيته بقدرها , بالنّظر لحياتها تعلّمت أنّ الحريّة لا تقاس بكميّة الممكن من حولنا بل بمدى قدرتنا على تحدّي الحواجز و تجربة الممنوع أو ما منع عنها , فماهو متاح هنا مستعصي في تلك القرية.
كانت مرّات عديدة تعود بعد لقائه بكدمات و جروح على جسدها , أسألها فلا تجيب , أعلم أن اخوتها ليسوا السّبب و أنّه ماهر و لكنها لا تعترف , فقط لو اعترفت لأنقذتها منه , للقّنته درسا و أعلمته أنّها ليست لوحدها في مواجهته و أنّه بذلك الخاتم و بما ينقفه عليها لم يشتريها و لن تصبح عبدة له.. اخوتها يرون أن من حق الخطيب على خطيبته الطّاعة , و سامية ترى أنّ للعلم و للأحلام ثمن و أنّ لولا ماهر لكانت كبقيّة بنات القرية في المنزل لا شغل لها سوى خدمة اخوتها و أبيها
و اليوم يا سامية .. ها قد أنهيت تعليمك ,فما الذي يبقيك ؟؟
لديك فرصة عمل لا تعوّض و تركتها لأجل عيون ماهر.. لن يقبل هذه الفرصة ولا أيّة فرصة اخرى و أنت تدركين ذلك جيّدا , فما الّذي يبقيك , أين ذلك التمرّد فيك ؟ هل فعلا السّعادة في طقم قهوة و غسّالة .. حينما كانت السّعادة في ذلك الفستان كانت تحدّيا لمن منعك من الجمال, من تحرير جسدك و الحركة بسلاسة و خفّة .
أمّا اليوم فهل طاقم القهوة و الغسّالة هو هروب من الحلم و أنت التّي مللت غسل ثياب الجميع و تحضير قهوة كلّ واحد بينهم متى أمر؟.
حاولت قدر المستطاع أن أكون سعيدة لسامية و أن أدعمها و أقف جانبها الآن و غدا و أوّل الحاضرين في زفافها و كان لها ذلك.
انتقلنا لتجهيز مائدة الإفطار , على غير العادة ساعدنا أصغر أبناء عمّتي إكراما لي  ,مناصرة حقوق  المرأة على حدّ تعبيره , هذه الحقوق الّذي يرى أنّها نالت منها ما يجعلها تفقد احترام النّاس لها.
رنّ هاتف سامية أخيرا, رمقتها بنظرة ماكرة , فذهبت راكضة إلى الغرفة و أحكمت إغلاق الباب , لم تمض دقيقة حتّى خرجت تلطم و تصيح " ماهر , ماهر لقوه مقتول و مرمي هوّ و العساكر في الجبل .. آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا ربّي"