من مسلمات الحياة الاجتماعية المعاصرة أنَّ دور المرأة ومشاركتها في العمل العام لا ينفصل عن وضعها في المجتمع بصورة عامة ، ومدى تطوّر البُنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع ، فلا يمكن أن تتطور أدوار المرأة وتصبح شريكاً كاملاً في المجتمع ، إلا إذا سمحت مرحلة تطور البُنى الاجتماعية والسياسية في المجتمع بذلك ، وهذه البُنى تتأثر في تطورها بدرجة وعي المرأة وتفاعلها مع حركة المجتمع.إنَّ دور المرأة في المجالس البلدية يُعدّ عنصراً مهما في عملية التنمية المستدامة ، ولذلك يجب أن توفر للمرأة معطيات أساسية تمكنها من المساهمة الإيجابية في حركة التنمية وتوجيهها ، وهذا مرهون بحسن الإعداد والتأهيل والتدريب ، حيث أنَّ تنمية مشاركة المرأة يُسهم في تطوير قدراتها وإمكاناتها ووجودها الفاعل والمُؤثًّر في مجالات الحياة العامة ، وتدعيم قدرتها الاقتصادية كما يعطي مؤشراً واضحاً على وضع المرأة ومشكلاتها ، ومكانتها وقوتها في المجتمع. والمرأة الأردنية تؤمن أنَّ العمل واجب وطني لخدمة الوطن اضافة إلى كونه عاملا مهما في نضوج شخصية المرأة وتنمية علاقات اجتماعية هامة ومرموقة في المجتمع ، وهذا يستدعي أن تكون المرأة الأردنية قوية بإرادتها ، متحلية بروح الجد وحب العمل والقدرة على مواجهة صعوبات الحياة المعاصرة.
لقد كانت المرأة الأردنية مصدر فخر واعتزاز الجميع وتحظى باهتمام بالغ من قبل جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله وسمو الاميرة بسمة بنت طلال ، إضافة إلى الاهتمام الحكومي الهادف إلى تعزيز حضورها في الميادين كافة والمشاركة الفاعلة في عملية النهوض الحضاري والاقتصادي والعلمي لهذا فإنَّ تجربة مشاركة المرأة الأردنية في المجالس المحلية لاقت صدىً واسعاً في المجتمع المحلي ، وتميزت بعطاءاتها الانسانية بتبني قضايا الطفل وكبار السن والمشاريع الانتاجية الهادفة إلى تحسين المستوى المعيشي للمرأة في مجتمعها المحلي. كما أنَّ مشاركة المرأة بعضوية المجالس البلدية يعزز الثقة بمؤسسات العمل العام وأهدافها العليا ، ويبني جسور ثقافة العمل العام والتعاون والاندماج المجتمعي ، وتعميق قيم العدالة والمساواة والتآخي بين أبناء المجتمع الواحد ، وان هذه المشاركة للمرأة تمثل إعلانا لخروجها من مربع اقتصاد الكفاف المنزلي إلى مربع الإسهام في دورة النمو الاقتصادي. وهذا كله يتطلب إعطاء أولوية واهتماماً أكثر للسياسات العامة في المجالات كافة المتعلقة بالأطفال والعائلات والصحة والتعليم والبيئة والإسكان وكبار السن ، استجابة لاحتياجات المجتمعات المحلية ، وكذلك تحفيز المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار على المستوى المحلي مع التركيز على النساء والشباب. ويعني دخول المرأة إلى هذه المجالس - والتي هي مؤسسات خدمية عامة تهدف إلى توفير الخدمات المجتمعية داخل التجمعات السكانية المختلفة - تفعيل دورها ومشاركتها المؤثرة في صنع واتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون المجتمع. ويُشير الواقع المحلي الأردني إلى ضعف المشاركة النسائية بصورة عامة في المجالس البلدية ، وتواجد المرأة على المستويات القاعدية دون القيادية ، وبالتالي إبتعادها عن مواقع صنع القرار ، كما تأتي هذه المشاركة ممن يملكن الوقت والمال وكذلك من فئات عمرية متأخرة نسبياً بعد سن الأربعين غالباً ، حتى لا يكون هناك أطفال بحاجة إلى الرعاية. وقد أثبتت المرأة الأردنية القدرة على أداء دورها التنموي من خلال قبول المجتمع والمرأة بعضوية المجالس البلدية ، وهذا يتطلب الوقوف على ظروفها ومحددات عملها فهي تشكل ما نسبته %53 من حجم سوق العمل في المجتمع الاردني ، وطموحنا أن نراها عضو مجلس بلدي دون الحاجة إلى المحاصصة او النسبة المخصصة للنساء (الكوتا) ، حيث أن الخلل لا زال موجوداً في بعض مفاصل المجتمع وعدم تفهمهم لدور المرأة كشريك أساسي في عملية تطور المجتمع وسيطرة الثقافة التقليدية لدور المرأة والصورة النمطية للمرأة ، وهذا يشكل عائقاً أمام تقدم المرأة وأخذ دورها في التنمية. والشريعة الإسلامية أنصفت المرأة ، بمساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات ، وأوجبت حضورها ومساهمتها في النهوض بالمجتمع في المجالات الثقافية والسياسية والإجتماعية والاقتصادية ، وهذا ما أكده القرآن الكريم "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنًّي لا أُضًيعُ عَمَلَ عَامًلْ مًنْكُمْ مًنْ ذَكَرْ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مًنْ بَعْضْ". (آل عمران: )195 والسنة النبوية المطهرة (النساء شقائق الرجال). أخرجه أحمد وابن ماجة وأبو داود والترمذي. والدستور الأردني ساوى بين الجنسين وضمن للمرأة حقوقها السياسية حيث لا يميزها عن الرجل المساواة بين الجنسين ، ونصّ في المادة (6 ـ 1) من الدستور "الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين" ، وكفلت الدولة الأردنية حماية حقوق الجنسين وتكافؤ الفرص في العمل بينهما ، وقد حفظ الدستور أيضاً حق المواطنين في تولي المناصب كافة حيث نصت المادة 22( ـ 1) من الدستور أنَّ "لكل أردني الحق في تولي المناصب العامة بالشروط المعنية بالقوانين والانظمة" ، وقد جاء الاعتراف بحق المرأة في المشاركة بالانتخابات البلدية متأخراً حتى عام 1982 ، إلا أنَّ الأردن أدرك مبكراً أهمية تعزيز مشاركة المرأة في اتخاذ القرارات التنموية. ولكن الحقوق الدستورية شيء وترجمتها على أرض الواقع شيء آخر ، فالزعم أن الحق الدستوري ضروري لقدرة المرأة على المشاركة في السياسة ، وعدم وجوده سوف يشكل عقبة أمام مشاركتها ، إلا أنه غير كاف لضمان مشاركة المرأة السياسية لعدة عوامل ومعوقات تحد من طموحات المرأة السياسية ، وهي مزيج من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد جاء قانون البلديات ليعالج آثار الاقصاء والتهميش لدور المرأة وأعطى للمرأة دوراً أكبر من خلال المشاركة في المجالس المحلية ، والتي تكتسب أهمية خاصة باعتبار البلدية أهم المؤسسة الأهلية ، فهي تؤدي دوراً فاعلاً وحيوياً بتلمس احتياجات المجتمع المحلي ومعرفة همومه وتطلعاته ، وانَّ أهمية مشاركة المرأة في المجالس المحلية تزداد كونها تمثل الإطار الأنسب الذي يمكّنها من الاقتراب فعلياً من المجتمع المحلي ، مما يُساعد في تشكيل نسيج مجتمعي يدمج النساء على أساس كفاءتهن وقدراتها ،ولا توجد معيقات تشريعية أمام المرأة تحد من تعزيز دورها في العمل البلدي حيث أن القانون لا يميز بين ذكر وأنثى ، وأنه عزّز المشاركة الشعبية العامة وحقق عدالة تمثيل نسبية من خلال الكوتا النسائية التي تم تخصيصها بنسبة %20 من عدد أعضاء المجالس البلدية ، وقد جاءت هذه الكوتا النسائية ثمرة جهود نسائية كبيرة ، قد أعطت فرصة كبيرة للنساء للانخراط في العملية السياسية والانتخابية من أجل المساهمة في التنمية بكل أبعادها. إنما المعيق الأكبر يعود لمدى الفهم لدى عضو المجلس البلدي للصلاحيات الممنوحة لها بموجب القانون ، فالقانون ذاته لا يسمح باتخاذ أي قرار دون موافقة أعضاء المجلس ذكوراً وإناثاً . وقد نصت المادة (9 ـ ب) قانون البلديات رقم 14 لسنة 2007 "يخصص للمرشحات لعضوية المجلس نسبة لا تقل عن (20%) من عدد أعضاء المجلس لإشغالها من اللواتي حصلن على أعلى الأصوت ، واذا لم يتقدم العدد المطلوب من المرشحات أو لم يتوافر العدد الذي يساوي هذه النسبة من عدد أعضاء المجلس لاشغالها فيتم التعيين بقرار من مجلس الوزراء بناء على تنسيب الوزير في حدود هذه النسبة ، ويطبق هذا النص على أمانة عمان الكبرى فيما يتعلق بالاعضاء المنتخبين". وجاء هذا القانون لايجاد قاعدة متينة للمشاركة الشعبية في الانتخابات البلدية عام م2007 وقد تمكنت خلالها المرأة من الترشح والانتخاب ووصلت نسبة مشاركتها في الانتخاب إلى أكثر من %51 من مجموع المقترعين ، وأسفرت نتائج الانتخابات للمجالس البلدية في عام م2007 عن فوز 238 سيدة كعضوات في المجالس البلدية عن طريق الكوتا ، كما استطاعت سيدة الفوز بمنصب رئيس بلدية بالتنافس. وفيما يتعلق بمشاركة المرأة في انتخابات المجالس المحلية في عام م2003 فقد بلغت نسبة المرشحات للانتخابات البلدية حوالي 2,4% من مجموع المرشحين ، وبلغت نسبة تمثيل المرأة في المجالس البلدية %10 في عام م2003 ، في حين بلغت نسبة المرشحات الفائزات في هذه الانتخابات نسبة تقل عن 1% ، وتم تعويض هذا الفشل الذريع من خلال استخدام اسلوب التعيين في المجالس البلدية ، حيث وصلت نسبة الأعضاء المعينات في المجالس البلدية عام م2003 حوالي 27,2% ، ونجحت أول امرأة كرئيس بلدية في منطقة ريفية عام 1995م. ومن التجربة نلاحظ أنَّ عمل المرأة في المجلس البلدي قد كسر الحاجز فيما بينها وبين البلدية فيما يتعلق بالتواصل والتعامل مع الجهاز الاداري والفني للبلدية بشكل خاص ومع المواطنين بشكل عام ، وأن نجاحها هذا أسهم في نقل احتياجات النساء وهمومهن و طموحاتهن إلى المجلس البلدي باستمرار لتلبية هذه الاحتياجات ، بالرغم مما واجهته من المعيقات الكثيرة والتي حدت من نجاح بعض هؤلاء النسوة من الوصول إلى عضوية المجالس البلدي ، ومن هذه المعيقات النظرة السلبية للمرأة المنبثقة عن الواقع المجتمعي وطبيعة عاداته وتقاليده ، والظروف الاقتصادية التي تواجهها المرأة وافتقارها لدعم المجتمع ، إذ أن المرأة في كثير من الأحيان لا تستطيع تحمل نفقات الحملات الانتخابية إذا ما رغبت الدخول في هذا المجال ، وكذلك نقص الوعي في ظل نظام الصوت الواحد الذي عادة تمنحه المرأة للرجل لأسباب تعود للعادات والتقاليد ، بسبب سيطرة السلطة الأبوية والعائلية ، حيث كان لهذه المعيقات سالفة الذكر تأثير سلبي على مدى نجاح المرأة في وصولها لعضوية المجالس البلدية كشريكة في العمل لخدمة االمواطنيين ، بالإضافة إلى ما تواجهه في عملها كعضو في المجلس البلدي جنباً إلى جنب مع اعضاء المجلس البلدي من تضييق وتمييز واسع النطاق من قبل المحيط الذي تعمل فيه ، وتهميش دورها في هذه المجالس.
هذا كله يستدعي عقد دورات تدريبية للنساء كافة الراغبات بالترشيح لعضوية المجالس البلدية في مختلف المحافظات لتدريبهن على آليات ومفاهيم واستراتيجيات كسب التأييد ، وكيفية بناء القدرات القيادية لدى النساء في العمل البلدي ، وتوفير مدربين ومدربات أكفاء للتدريب على التعاطي مع العملية الانتخابية بوعي وثقة ، وكذلك عقد دورات للفائزات لإكسابهن الخبرات والمعارف والكفايات ذات العلاقة بعملهن في المجالس البلدية وفقاً لاخرالمستجدات المعرفية بهدف رفع مستوى أدائهن وفاعليتهن ، من أجل ضمان وصول سيدات قادرات على إدارة الحكم المحلي بجدارة ، يعرفن أصول الرقابة القانونية والإدارية والمالية ، لتوفير إدارة كفؤة للمشاريع المحلية الأكثر تجاوباً مع ظروف المجتمع المحلي ، وخلق روح تنافس بين الوحدات الإدارية لفريق الإدارة المحلية ، ويكون عرضة للمحاسبة أمام المجتمع المحلي ، وتعريف الفائزات بموضوع الإدارة المحلية ، والتشريعات الناظمة له مثل قانون البلديات والأنظمة والتعليمات التي تخص العمل البلدي وتعريفهن بالمهام الرئيسية لدور النساء وكيفية توسيع المشاركة الشعبية في البلديات وخصوصاً للنساء ، لتمكين المرأة ودعمها وزيادة الفعالية لتأدية واجباتها في المجالس كطاقة مؤثرة وفاعلة في عجلة التنمية الشاملة والمستدامة ، وتعزيزاً لدورها في الحكم المحلي. وكذلك ضرورة توعية المجتمع بدور المرأة باعتبارها عنصراً أساسياً ، وإقناع المرأة على انتخاب نظيراتها المرأة ومؤازرتها والوقوف بجانبها في العملية الانتخابية لإيصالها للمجالس المحلية كي لا تبقى الديمقراطية مجرد شعارات بالنسبة للمرأة يجني ثمارها الرجل دون المرأة.
إنَّ موقع المرأة الأردنية في الحياة العامة بشكل عام لا يزال هامشياً ومحدوداً ولا يتناسب مع ما وصلت إليه المرأة الأردنية من مستوى علمي وثقافي رفيع ، يؤهلها لتكون شريكاً رئيسياً في عملية الإصلاح والتنمية ، وأنَّ الدفاع عن حقوقها التي أقرتها الشريعة أمر واجب من الناحية الشرعية والدستورية لاستمرار أدائها وإسهامها في مشروع النهضة المستدامة للأردن ، بعيداً عن مصادرة حقها وتهميش دورها والتزاماً بالقيم والأخلاق الإسلامية السامية. إننا مطالبون جميعاً ببذل قصارى جهدنا لتمكين المرأة من المشاركة الفاعلة في مختلف مستويات صنع القرار ، مما يتطلب منا إيجاد قنوات التواصل والتعاون فيما بيننا وبين مؤسسات المجتمع المدني لتعزيز دور المرأة وتكامل أدوارها مع الرجل وتمكينها من أداء دورها في الحياة العامة للمجتمع الأردني ، ولا يتحقق ذلك إلا إذا حصلت فيها النساء على حقوق وفرص متساوية ، جنباً إلى جنب مع أخيها الرجل من أجل تطوير المجتمع وتعميق مفاهيم الانتماء فيه ، وأن الجميع في الانتخابات البلدية القادمة سيخضعون لامتحان فإما أن تقنع المرأة المجتمع المحلي بكفاءتها أو أن تفشل في الامتحان.