13 أوت !!! تاريخ تتوقّف عنده عقارب الساعة كلّ عام منذ 1957، مجلّة الأحوال الشخصية !!! قضية تُثار كلّ سنة منذ اكثر من خمسين حولا أو يزيد!!! حتى أصبح الكلام عنها حرفة والخطاب فيها مهنة  والذكر والقول يخضع إلى مقتضيات السياسة ومتطلّباتها، لا فرق في ذلك بين الخطاب السياسي "التقدّمي" أو "الرجعي"، "الرسمي" أو "الجمعيّاتي"، "العلماني" أو "المتديّن"، فهي تجارة باتت تُمَارس كوظيفة مقنّنة وليست مجرّد قناعة عابرة أو هواية موسميّة لبعض النسويين والنسويّات. رسالة توجّه سنويّا إلى أصحاب القرار بالخارج لتطمئنهم فيجدّدوا العقود ويعاودوا الانتداب. "قضيّة المرأة" !!! هل هي مجرّد حرفة يمتهنها السياسيون أم هي قضية حقوق النساء في علاقة ببنية المجتمع ووظيفة مؤسّساته ودورها في تماسك الأفراد وإنتاج القيم والمعايير؟ دور المرأة وموقعها في الحراك السياسي هل هي ورقة للمزايدة والتسويق الحزبي أم هي مساهمة في دعم التنمية البشرية بالتنشئة السليمة وتطوير المنوال المجتمعي الذي ينهض بالأمة ويضمن تقدّمها؟
إنّ ارتفاع الأصوات من هنا وهناك ممجّدة مجلّة الأحوال الشخصية لتتحوّل إلى المجلّة "الأسطورة"، والحديث عن دورها التاريخي في تحرّر المرأة التونسية وحصولها على حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أضفت نوعا من القداسة الواهمة على فصول هذه المجلّة وبنودها وجعلت أي صوت يجاهر بالخروج عن سرب المباركين، مطالبا بإعادة المراجعة او حق تغيير زاوية النظر، يصاب باللّعنة وتتجه نحوه أصابع الاتهام بالتمييز ضدّ النساء وعدم احترام حقوقهن، بل ويصبح مهدّدا بالمثول امام المحاكم الدّولية المختصّة في متابعة تطبيق الاتفاقيات والمعاهدات ذات الصبغة الإلزامية.
 ومع اقتناعنا بأنّ المرأة التونسية، إلى جانب عدد من نساء بلدان العالم العربي (لبنان وسوريا وفلسطين والأردن والمغرب)، قد حقّقت تقدّما مشهودا في نسب التمدرس وارتفاعا ملحوظا في مؤشّرات المشاركة السياسية والاقتصادية، بفضل ارتفاع منسوب الوعي الاجتماعي والسياسي وتراكم التجارب منذ عهد الاستعمار، خاصة مع المجموعات النسائية التي شاركت في حركات التحرّر الوطني كبشيرة بن مراد وراضية الحدّاد. إلاّ أنّ الأصوات المطالبة بالمزيد من الحريات والحقوق مازال يتردّد صداها داخل الجمعيّات والأحزاب ومنظّمات المجتمع المدني. وأصبح الجميع يزهو لمّا يلوّح بورقة "قضية المرأة" خاصة وهو يقدّم مبرّرات اتهام الطرف الموازي بالتراجع على مكتسبات المرأة والانحياز ضدّها وتهديد حقوقها التي اكتسبتها بفضل مجلّة 13 أوت 1957. ومهما كانت طبيعة علاقة هذا الطرف او ذاك بمحتوى المجلّة أو بحيثيّات إصدارها، ومهما كانت نظرة هذا الطرف او ذاك لمسألة حرية المرأة ودورها في صناعة الحياة، فلا أحد يستطيع التغاضي عما أكّده الدين الإسلامي من "وحدة" الخلق والإنتماء و"التكامل" في وظيفة الإعمار  و"المساواة" في التكليف والتكريم. ( يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ اكرمكم عند الله أتقاكم). المقاربة التي أَعتَمِدُها هنا تلتزم بالمقاصد الأساسية للدين الإسلامي بعيدا عن المسارات التي سلكها عموم الفقهاء في احكامهم المتعلّقة بالمرأة وبقضايا الأحوال الشخصية. والهدف ليس استعراض المواقف الفكرية والأحوال الفقهية بل إشارة للرؤية التماسكية التي أقام عليها الإسلام نظامه الاجتماعي معتمدا مقاربة التنشئة الاجتماعية باعتبار أنّ الأسرة هي النواة الأولى والخلية الأساسية في المجتمع، لأهمّية الوظائف التي تقوم بها ودورها كمؤسّسة وسيطة بين الفرد والمجتمع وفضاء لتوارث عناصر الهوية والانتماء الثقافي والديني والاجتماعي. منذ نهاية السبعينات تبعثرت هذه الوظائف في سياقات عولمة القيم والمعايير، والتغييرات التي مسّت المجتمعات العربية عامّة والأسرة بصفة خاصة والتي أحدثت زلزالا في مستوى العلاقات والوظائف والسلطات داخل الأسرة العربية عامة والتونسية خاصة. وتعكس المؤشّرات التي وقع رصدها في العشريتين الأخيرتين تغيرات عميقة في بنية الأسرة ووظائفها خلافا مع ما كان يلاحظ في خمسينات القرن الماضي من تسلّط الأب داخل الأسرة التونسية، وسيادة الزوج، وانعدام الحوار. وفي إطار هذه التحوّلات التي مسّت الأسرة التونسية ومن خلالها بقية مؤسّسات المجتمع، كان لا بدّ من تجديد الأسئلة ورصد المشاكل الحقيقية التي برزت مع هذا الإنتقال أو ما يطلق عليه البعض "التحديث"، إذ لم يعش المجتمع التونسي، على الأرجح، حداثة حقيقية بل "عصرنة قسرية" فرضتها الدولة الوطنية بنسختيها البورقيبية والنوفمبرية. واليوم ونحن نعيش تحت إرهاصات ربيع عربي وحراك سياسي أسقط الكثير من الإدعاءات وأزال القشرة التي كانت تخفي وجها آخر للمجتمع التونسي وللأسرة التونسة، من ارتفاع (جنوني) لنسب الطلاق ، وبروز ظاهرة الأمهات العازبات، والولادات خارج مؤسّسة الأسرة، والعلاقات الحرّة، والزواج العرفي، والعنف الأسري، ومشاكل الأموال بين الأزواج، وغيرها من الظواهر الإجتماعية التي كانت تختفي خلف قداسة "مجلّة الأحوال الشخصية'' و"حرية المرأة" ونبوّة بورقيبة وإنجازات صاحب التغيير... بات اليوم من الضروري طرحها في مختبرات علم اجتماع الأسرة بدون تحيّزات ذكورية، ولا خلفيّات سياسية أو ايديولوجية، بعيدا عن مسلّمات الرؤى والمقاربات السوسيولوجية التقليدية، وباعتماد جهاز مفاهيمي يُضْبَط مَرْجَعيّا ومَعْرفيّا، وإشكالية بحث يفرضها الميدان وتتجاوز مجرّد "المشكلة" التي تتطلّب تفسيرا وحلاّ. ويكون الهدف من البحث في هذه الأسئلة الفهم المعرفي وإعطاء المعنى للتفاعل بين أفراد المجتمع بدون حقائق ما قبلية أو نتائج مسبقة.  
المرأة التونسية في هذه المرحلة التاريخية التي تعيشها تونس، مثلها مثل بقية أفراد المجتمع، مطالبة بأن تتحمّل مسؤوليتها في المشاركة في عملية البناء والتأسيس لتحقيق منوال مجتمعي بمرجعية فكرية تحترم الخصوصية الثقافية للمجتمع . وهذا يتطلّب أوّلا: تجاوز الأسئلة القديمة التي فرضتها مرحلة الخمسينات وعالجتها مجلّة 13 اوت1957، واليوم التمسّك بنفس الأسئلة يكرّس إستبداد النصّ وعلويته على العقل ويعيق عملية الإجتهاد. فما بين 1957 و2013 هناك ستة وخمسون سنة ضوئية وهناك أجيال تخرّجت من الجامعات، وأجيال تزوّجت، وأجيال أصبحت حقوقها مضمونة بحكم العرف والعادة وتحوّل محتوى المجلّة إلى ثقافة ترسّخت داخل أغلب مؤسّسات المجتمع ولا أحد باستثناء السياسيين يهدّد هذه المكاسب أو يناقش إمكانية التراجع عنها. 
ثانيا: المرأة مطالبة بالبحث داخل الحراك الاجتماعي والسياسي عن اسئلة جديدة حقيقيّة وغير واهمة. أسئلة حول دورها في عملية الإنتقال الديمقراطي ومشاركتها في رسم السياسات وصناعة القرار. أسئلة تخرج بها من حالة المفعول به إلى دور الفاعل. كيف يمكن للمرأة من خلال تواجدها في مؤسّسات المجتمع المدني ومؤسّسات الدولة أن تفرض على الفاعلين السياسيين الذين اغلبهم من الذكور مبدأ المساواة في التكليف واعتماد الكفاءة العلمية كمقياس والقدرة على الإدارة والتسيير بدون تمييز ذكوري إيجابي أو سلبي؟  كيف تناضل من أجل أن تحوّل عقلية التعامل من مجرّد اعتبار المرأة رقما أو ورقة للمزايدة او لإرسال بطاقات للطمأنة إلى شريك حقيقي في عملية التغيير؟ كيف تفرض وجودها في مؤسّسات صناعة القرار داخل الأحزاب بدون تحيّزات ذكورية؟
هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها بشكل ملحّ وعاجل فالمرحلة يسير فيها التيّار بقوّة ولا مجال للوقوف خارج التيّار أو الانتظار السلبي من فوق الربوة حتى تمرّ الزوبعة ويهدأ الوضع. لقد أظهر الإسلام السياسي في تونس كما في بلدان الربيع العربي براغماتية سياسية مذهلة، وازدواجية في الخطاب مخيفة، ولعب جميع الورقات ومن بينها ورقة حرية المرأة وحقوق النساء واستعملها كواجهة لبروباغندا إنتخابية، بدون مرجعية فكرية ولا ممارسة سياسية مبدئية. كما راهنت الأحزاب العلمانية، التي تتبنّى المقاربة التحديثية، على تاريخية تبنّيها لقضايا المرأة، وامتلاكها لأحقيّة الدفاع على حقوق النساء بحكم انخراطها في الحراك النسوي العالمي، وعلاقاتها بمنظمات المجتمع الدولي وبعض هيئات الأمم المتحدة المتعلّقة بالأسرة والمرأة والدور المناط بعهدتها لكتابة التقارير ومتابعة تطبيق المعاهدات والاتفاقيات لتجعل من هذه القضية ورقة سياسية للضغط والمقايضة. وبقيت المعالجات تراوح بين السياسي والإيديولوجي، ولم ترتق إلى مستوى الرؤى والمقاربات السوسيولوجية ولم تعتمد الرصيد المعرفي والتراكم المنهجي، إذ هي لم تتجاوز بعض المساهمات الفردية المتفرّقة والمقولات العامة التي يصعب إدراجها ضمن نسق أو مقاربة متماسكة. فإن كان التوجّه الثوري يستلزم إنتاج نماذج ومناويل راديكالية تعتمد مرجعيات فكرية ونظرية، فهذا يتطلّب جهدا مضاعفا وعملا ميدانيا حثيثا من أجل فهم عميق للمجتمع في مجمله (مؤسّسات وظواهر..) بدون تجزئة، والبحث عن مقاربات صلبة تعتمد نماذج نظرية بديلة تقطع مع تعميم مقولات البنيوية البطريقية للأسرة العربية، والتسلّط الأبوي في المجتمعات العربية وقابلية العرب أكثر من غيرهم للشخصية التسلّطية لأنّ الطابع الغالب للتنشئة في المجتمعات العربية، هو الطابع التسلّطي. فإذا كان هذا ينطبق على الأوضاع ما قبل الربيع العربي فهو افتراض لم يعد ممكنا إثباته ميدانيّا، وأصبحت البرهنة عليه غير ممكنة إلاّ بالاعتماد على الإرث الحضاري والسياسي. فهذه المقاربات "البطريقية" أو "التنشيئية" بحاجة إلى مراجعات وإعادة نظر فالنماذج النظرية التي أفرزتها غير مطابقة لواقع المجتمع التونسي ولم تراع التطوّر التاريخي لبنية المجتمع.