«أينما تجد اسم المرأة ستجد نزاعاً»! لذا، تقول الشاعرة السعودية «ملاك الخالدي»، «يجب أن يؤمن المجتمع بالمرأة كعنصر أساسي تشاركي في المجتمع، ومن ثم يتركون لها الحرية في الاختيار دون أوصياء يقررون عنها وباسمها. يجب أن تتحدث المرأة عن نفسها وباسمها وتقرر، ومن ثم تمارس العمل الثقافي وفق رؤيتها. إن المرأة السعودية يمكن أن تنتصر لنفسها ثقافياً واجتماعياً».
سجلت المرأة السعودية حضوراً ثقافياً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، رغم صراعها المتصل مع القوى المكبلة الثلاث: التفسير المتشدد للدين، والقيم العربية الذكورية البالغة المحافظة، وغياب القوانين العصرية في مجالات مهمة لحماية حقوقها.
الصالونات الثقافية النسائية في مقدمة الجهد النسائي لتوحيد الصف وإثبات الوجود. وكانت مدينة جدة أوَّل مكان في المملكة يشهد قبل نحو ثلاثين عاماً ميلاد أول صالون ثقافي نسائي، لتعم الظاهرة بعد ذلك عدة مدن، حتى لا تعدم هذه الحواضر السعودية حالياً صالوناً أو أكثر، حيث قدر عددها قبل عامين بنحو 16 صالوناً، مع تصدر مكة المكرمة مدن المملكة في عدد الصالونات الثقافية النسائية، تليها جدة ثم المدينة المنورة والرياض والمنطقة الشرقية. ومن أوائل هذه الصالونات صالون الفنانة التشكيلية «صفية بن زقر»، وصالون د. مها فتيحي، وصالون الشاعرة سارة الخثلان في الدمام. وتقول د. فتيحي إن فكرة تأسيس الصالون كانت تراودها منذ الطفولة، ومنذ الشباب، و«صادف أن زارتنا المتخصصة في الدراسات الشرق أوسطية الأميركية د. مريم كوك للالتقاء بمثقفات سعوديات وأديبات، ولم يكن لنا مكان يجمعنا، وعرضت أن يكون منزلي هو الصالون، وتمت دعوة الأديبات والمثقفات، وكن حوالي 50 سعودية ما بين أديبة وكاتبة».
وتحدثت «الشرق الأوسط» في فبراير 2012 عن افتتاح أول صالون نسائي في الأحساء «يناقش أوضاع المرأة وأجواء الربيع العربي». ونقلت عن صاحبة الصالون «دنيا الجبر»، أنها كانت تفكر في الإعداد لهذا الصالون منذ فترة، وأضافت: «لا أرغب في أن أبدأ مباشرة في تناول المواضيع الشائكة، فاهتمامي المبدئي هو بقضايا المرأة والأسرة، لكن السياسة موضوع سيتم طرحه، وبما أن الأديبات المشاركات هن من دول عاشت الثورات مثل سوريا وتونس، فمن المتوقع أن يتم تناول تأثير هذه الثورات على واقع الأدب في تلك الدول».
وتتحدث تقارير ثقافية عن بروز الكاتبات والمساهمات النسوية في صحافة السعودية وطرح بعض القضايا الجريئة غير المسبوقة «التي تتساءل عن وضعية المرأة السعودية وقضاياها وحقوق المواطنة والمساواة، والخروج من ربقة القيود الذكورية التي فرضت عليها في التعليم والتوظيف والمشاركة في الراتب من قبل الأب والأخوة، كما فُرضت عليها في الميراث، وفي الخطبة والزواج والمهور والسفر والترحال، هذا فضلاً عن قيود الملابس وغطاء الوجه والرأس ومنع الاختلاط ومنع ممارسة الرياضة والفن والغناء والموسيقى وقيادة السيارات».
كان القلم النسائي قبل أكثر من عقد رمزياً متردداً، يختبئ خلف الخواطر والوجدانيات. واليوم، يقول مقال عبد الله السمطي في «إيلاف»، صارت المرأة السعودية أكثر جرأة في طرحها، بعد أن تمردت على مقولة «الدرة المصونة والجوهرة المكنونة»، وباتت كلماتها «تضرب في صميم المسألة الاجتماعية والإدارية والثقافية والاقتصادية، وحفزت الغيرة النسوية من شهرة بعض الكاتبات وتداول أسمائهن إعلامياً وثقافياً واجتماعياً وحتى دينياً في المنابر والخطب، الكاتبات الأخريات لقراءة قضايا الشأن العام».
الدكتورة ثريا العريفي تقول إن في الصحافة اليوم انفتاحاً أكبر، «والمجتمع السعودي بات يتقبل لغة الحوار، وفكرة المجتمع الذي يسود فيه الحوار». قضايا الزواج واستغلال المرأة والانحياز في تفسير النصوص الدينية لا تزال بارزة في اهتمامات الكاتبات، «الزواج والطلاق، والسخرية من قرارات فصل الزوجين لعدم تكافؤ النسب، وزواج المسنين من البنات الصغيرات، وآخرها قضية القصيم وزواج سبعيني من طفلة في الثامنة من عمرها، وفتوى بعض الشيوخ بجواز ذلك».
واشتكت الكاتبة السعودية حليمة مظفر في «القبس» الكويتية أن «أكثر مشاكل المجتمع التنموية والتطويرية والاقتصادية يعيقها التقليديون والأصوليون. المشكلة في فهم هذا الدين، ونتيجة لسيطرة العادات والتقاليد المتوارثة من الأعراب في الجاهلية الذكورية التي تتعامل مع المرأة بدونية، وتأثر كثير من الفقهاء العرب بها، استنطقوها في النص الشرعي بما يتفق مع هوى المجتمع الذكوري، وتمت شرعنة مجموعة من العادات والتقاليد باسم الدين، وهذا هو أكثر ما يحاصر المرأة ويضيق عليها، للأسف تم تعريب الدين الإسلامي لا أسلمة العرب».
على صعيد الأندية الثقافية، سجلت المرأة السعودية عام 2011 «أربعة أهداف حاسمة وصادمة ومثيرة، في أول عملية انتخابية لاختيار مجالس إدارات الأندية الأدبية في السعودية في حائل، وتمكنت أربع نساء من دخول أول مجلس إدارة منتخب، وهن الجوهرة سعود الجميل وعائشة صالح الشمري وشيمة محمد الشمري وهند محيمد الفقيه».
غير أن الكثير من المثقفين والعاملين في المجال الثقافي، انتقدوا «عزوف عدد كبير من الأديبات السعوديات والمثقفات عن خوض غمار انتخابات عضوية الأندية الأدبية بالشكل المتوقع الذي كان يفترض أن تكون عليه نخبة المثقفات السعوديات خاصة في المدن الكبرى مثل جدة». وحول عزوف كثير من الأديبات والمثقفات عن المشاركة، كما ورد في التقرير، انتقدت الروائية قماشة العليان ما يجري في الأندية الثقافية من انتخابات وترشيحات قائلة: «هذه الشروط والضوابط تصلح لأي مكان إلا النوادي الأدبية. في الفترة الماضية خضت تجربة الانتخابات، وللأسف لم أر أي تغيير إيجابي، الأمر الذي جعلني أنا وغيري من الأديبات والمثقفات نفقد الأمل في أن يتغير الحال، لذا من الأفضل أن يتفرغ الأديب للأدب ويترك الأمور الإدارية».
وهذا ما تؤكده د. لمياء باعشن: «على الرغم من أنني تقدمت ورشحت نفسي فإنني أرى هذه الخطوة غير مجدية، لأن لدينا لائحة واضحة وأنشطتنا معروفة ومحددة، لذا لا أعتقد أن هذه الانتخابات ستضيف شيئاً. حدودنا كأدباء ومثقفين معروفة منذ بداية الأندية الأدبية والسقف الموجود لا يمكن لأحد أن يتعدّاه».
أما الأميرة عادلة بنت عبد الله بن عبد العزيز، فقالت إن مبادرات المرأة السعودية المثقفة «واضحة وجيدة، ولكنها متواضعة». ودعت الأميرة عادلة في حديثها لصحيفة المرأة السعودية «لتحمل مسؤولية الحراك الفكري في المجتمع والإسهام في التغيير الاجتماعي الإيجابي، وذلك لقيادة المجتمع بفكرها، لا أن تقودها الجموع بعفويتها. ونأمل من وزارة الثقافة والإعلام الاتجاه لدعم التمكين الثقافي للمرأة، من خلال توسيع حضور المرأة في الوزارة، مع أهمية تحديد جائزة للبرامج التي تدعم مكانة المرأة السعودية في المجتمع، وجائزة للمثقفات المساهمات في تنمية المجتمع». وعن صورة المرأة السعودية في وسائل الإعلام وبخاصة التلفزيون قالت إن البرامج «تفتقر إلى معالجة الواقع الحقيقي للمرأة في المجتمع». وقالت إن معظم هذه الصور «تقدم المرأة دون طموح أو وجهة نظر في القضايا العامة، إما تقليدية في المنزل وإما امرأة عاملة ضيعت الأسرة». ومن أهم ما أشارت إليه الأميرة عادلة، «دراسة صادرة عن الأمم المتحدة في 2010، أظهرت أن عدم توازن الفرص بين الجنسين في السعودية، أنتج ما نسبته 76 في المئة من الخسائر في التنمية البشرية، وأعلى نسبة في العالم العربي في اليمن».