أخيراً اقر في مجلس النواب اللبناني مشروع قانون بهدف حماية المرأة وسائر أفراد الأسرة من العنف. فهذا المشروع ولو أنه يحتاج إلى تحسين، وخصوصاً إلى أن يتحول إلى قانون ساري المفعول هو خطوة صغيرة جداً إلى الأمام لحقوق المرأة في لبنان. إن حقوقها في جميع الطوائف تعكس تأخر لبنان الذي يدعي الحداثة على صعيد انفتاح المجتمع على الغرب لأنها مغلوبة على أمرها في جميع قطاعات الحقوق المدنية وذلك في الوراثة والطلاق والزواج وغيرها من الحقوق. أما الفضيحة الأكبر فهي أن والدة لبنانية لا يحق لها أن تعطي ولدها أو ابنتها الجنسية اللبنانية. فقيل إن هذا بسبب تفادي تجنيس الفلسطينيين في لبنان. ولكن الكثيرين حصلوا على جنسيات لبنانية منذ سنوات بفضل الفساد ودفعهم مبالغ طائلة مكنت البعض من الحصول على الجنسية. وقد يفاجأ المرء عندما يرى مثلاً أحفاد الوزير اللبناني الراحل هنري إده الذي كان وزيراً للتربية وللأشغال في حكومات مختلفة لا يتمكنون من الحصول على الجنسية اللبنانية، لأن والدتيهما ديلفين وسيلين زوجتان لشابين فرنسيين. إن من أغرب الأمور أنهم يحملون جوازات فرنسية وأهلهم يعيشون في لبنان وليس بإمكانهم الحصول على جواز لبناني لأسباب سياسية، فهذه الحجة غير المقنعة ينبغي على الأقل أن تكون موضوع درس لكل حالة على انفراد. ولا شك في أن جان لوي هنري اده حاول مثل الكثيرين في لبنان الحصول على الجنسية اللبنانية التي تحق لهم بحق دم الأم وأصلها، ولكن الملفت أن جميع المحاولات فشلت. فكثيراً ما تتحول مساعي الحصول على جنسية في لبنان إلى تجارة لسوء الحظ. فمن أراد صرف المبالغ لشراء الجنسية حتى ولو لم تكن من حقه مثل أحفاد هنري اده وغيرهم استطاع أن يشتريها.
إن عدم درس الحالات التي ينبغي أن تعطى على أساسها الجنسية اللبنانية فضيحة في بلد يحتاج إلى خيرة أبنائه، ففي أوروبا والولايات المتحدة هناك تسابق لتجنيس الذين ينجحون ويتفوقون في حياتهم المهنية من الأجانب من دون تردد في إعطائهم الجنسية علماً أن الأوضاع الاقتصادية لبلدان الغرب تصعب الحصول على الإقامة والجنسية، ولكن الدولة تنظر في الحالات المختلفة وترى متى يكون لصالحها أن تعطي جنسية البلد لمن يستحقها. ولكن لبنان لا يعترف لأولاد المرأة بجنسية والدتهم، لأن حقوقها دون حقوق زوجها، ولأن تغيير الحال لن يحدث حالياً إلا عبر تجارة وفساد، فالمطلوب من بعض المسؤولين، وخصوصاً من يمون على النظر في هذه القضية، في طليعتهم الرئيس اللبناني ميشال سليمان الذي أظهر مدى تعلقه بالوطن وقيمه، أن يعوض عما جرى من تجاوزات لهذه القضية، وأن ينظر في حق الأمهات اللبنانيات أن يعطين الجنسية لأولادهن. أما بالنسبة للأولاد والطلاق، فكم رأينا مثلاً والدات تحرمن من أولادهن في حالات طلاق عديدة ينفصل الزوج عن الزوجة ويأخذ الأولاد ولا يسمح لهم بزيارة والدتهم. الأمثلة كثيرة في لبنان عن مثل هذه الحالة، وفي جميع الطوائف بلا استثناء.
إن أوضاع المرأة الشخصية ينبغي أن تصحح في لبنان، وهي ضرورة ملحة لتقدم المجتمع، فالمجتمع الراقي هو الذي ينظر في وضع قوانين حديثة تعكس تطوره. ولا يجوز أن تبقى القوانين والعرف في بلد مثل لبنان بنهج التخلف الذي ساد المجتمعات القديمة التي لم تعد تتماشى وتطور العالم اليوم. فعلى المجتمع المدني اللبناني بمساعدة الإعلام، أن يدفع إلى هذه الإصلاحات الأساسية التي ينبغي أن تكون في مقدمة اهتمام السياسيين بدل أن يتنازعوا ويتبادلوا الشتائم .
الحياة