"أثناء انهاء الجزء الأخير من هذه الدراسة اندلعت حرب جديدة على قطاع غزة، ووقف العالم من جديد يشاهد قتل النساء والأطفال، وتدمير البيوت والمؤسسات، بحقد أعمى لا يحترم أدنى حدود الانسانية، اللافت في هذه الحرب كان الحرب التكنولوجية، أو ما أسمته وسائل الاعلام حرب التويتر، حيث تجند الملايين من أنحاء العالم لدعم أحد الطرفين، مع تزايد الدعم للفلسطينيين، والفهم الأوسع لقضاياهم، وامتلأت صفحات الفيسبوك والمدونات بالأخبار العاجلة وصور الضحايا والدمار، والمئات من القصص الانسانية التي تعكس الخبر الحقيقي من واقع عيش التجربة. في مقدمة هؤلاء كانت المدونات الفلسطينيات تكتبن، وترصدن الحدث، وتنقله للعالم، في الواقع ساهمت المدونات مع آخرين في كسر جدار العزلة وتغيير النظرة السائدة عن النساء الغزيات من ضحايا الحرب والعنف، إلى فاعلات وناشطات في مقدمة الصفوف."
بهذه الكلمات افتتحت الباحثة د.هديل قزاز دراسة حديثة لمركز شؤون المرأة موضحة مدى أهمية وقدرة المدونات الفلسطينيات في دعم قضيتهن الفلسطينية وعكس المعاناة اليومية بفعل الحصار الإسرائيلي أو العدوان الإسرائيلي الأخير لقطاع غزة، وجاءت الدراسة بعنوان: " كسر جدار العزلة: المدونات الغزيات في مواجهة الحصار"
علاقات النوع الاجتماعي
حيث ركزت الدراسة بشكل خاص على علاقات النوع الاجتماعي على الصعيد الشخصي من حيث ثقة المدونات بأنفسهن وتقييمهن الشخصي لمدى تأثير التدوين على تعريفهن لذاتهن، وعلى الصعيد الأسري والعائلي من حيث تقبل أفراد الأسرة لدور المدونات ورصد أي تغيير في مكانة المدونات الأسرية وتقدير المحيطين لدورهن، وعلى الصعيد المجتمعي من حيث مدى تأثير التدوين على مكانة المدونات المجتمعية، وتقييم المدونات لقدرتهن على عكس تجارب وقضايا مجتمعاتهن وتحديدا قضايا النساء في قطاع غزة.
 كما رصدت الدراسة التحديات التي يواجهها المدونون والمدونات، سواء كانت قيودا اجتماعية، ثقافية، دينية، تقنية مثل(قطع الكهرباء ومراقبة الانترنت وشطب المساهمات والهكرز وغيرها) أو محاذير سياسية بما في ذلك الملاحقة من جهات مختلفة.
هذا وانقسمت الدراسة إلى أربعة فصول حملت العناوين التالية:
- واقع التدوين في قطاع غزة.
- المدونات الغزيات بين الخاص والعام.
- انجازات التدوين في مجال تغيير الأدوار النمطية وأدوار النوع الاجتماعي.
- إشكاليات التدوين والتحديات التي تواجه المدونات.
أهم النتائج والاستخلاصات:
ألقت الدراسة الضوء على المدونات الغزيات ففي غياب أشكال واسعة من المشاركة السياسية والاجتماعية/ وجدت المدونات الغزيات فرصة في فضاء الانترنت الواسع، لكسر جدار الحصار والعزلة، والتعبير عن أنفسهن وقضاياهن، ولايجاد نوع جديد وفعال من المشاركة السياسية والمجتمعية، وعلى الرغم من أن الانترنت بشكل عام يستخدم في غزة لكسر العزلة والتواصل مع العائلات داخل وخارج قطاع غزة، وايجاد أنواع مختلفة من العلاقات الاجتماعية بما في ذلك علاقات الارتباط بالجنس الآخر، تعتبر تجربة المدونات جديدة، وجريئة، ومختلفة وفق المعايير السائدة في قطاع غزة، والفهم التقليدي السائد لأدوار النساء والرجال، ولدرجة مرتفعة من تقييد الحريات، والرقابة على النشاط السياسي والمجتمعي المعارض. وعلى الرغم من أن عدد المدونات مازال محدودا، إلا أنه يمثل نسبيا درجة أعلى من المشاركة في الحياة العامة والمشاركة السياسية، وتحديدا في ظل غياب الثقة بالأحزاب السياسية التقليدية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الرسمية بشكل عام.
وعلى الرغم من الأثر الايجابي للتدوين إلا أن الاستنتاج الأساسي للدراسة أن هذه المحاولات مازالت جنينية وفي بداياتها، فالمدونات لم يستطعن التجاوب مع أسلوب غير تقليدي في هذا البحث أو البوح عن آرائهن ضمن مجموعة من الزميلات، وغالبية المدونات (مع استثناء لعدد قليل هن أصلا ناشطات مجتمعيات) تميل إلى الذاتية، وتشكل المدونات مساحة للتعبير الفردي أكثر من التغيير المجتمعي.
ومن أهم ما رصدته الدراسة كتغيير في أدوار النوع الاجتماعي ما يلي:
على الصعيد الشخصي:
- اكتسبت المدونات ثقة عالية بالنفس، وشهرة، وعلاقات اجتماعية واسعة داخل وخارج قطاع غزة، كما أصبحن يشعرن بالمسؤلية تجاه قضايا مجتمعهن، ومسؤلية في الدفاع عن قضايا المرأة وقضايا الوطن. كما طورت المدونات الغزيات أساليب جديدة للتعبير عن آرائهن، واستخدمن تقنيات جديدة كلما كان هذا ممكنا، مثل الانتقال من المنتديات، للتدوين، للفيسبوك.
- تغيرت نظرة المدونات للعلاقات مع الجنس الآخر، وامكانية عقد صداقات مهنية، وثقة في عقد صداقات خارج قطاع غزة.
- في نفس الوقت تمارس أغلب المدونات رقابة ذاتية، بحيث لا يصطدمن مباشرة مع المجتمع، وبالتالي يمكنهن طرح قضايا حساسة دون الدخول في مواجهات صارمة تؤدي إلى تقييد الحرية التي يتيحها لهن فضاء الانترنت.
على الصعيد الأسري والعائلي:
أشارت جميع المدونات إلى أنهن تلقين دعما وتشجيعا من أسرهن، حيث يعتبر أفراد الأسرة من المتابعين الدائمين للمبحوثات، وفي حالات عديدة يكون الأب أو الزوج هو الداعم الأساسي للمدونة، ويشعرها بالاعتزاز بمساهمتها في الحياة العامة وهذا أمر هام في تغيير الأنماط التقليدية لعلاقات النوع الاجتماعي، كان من اللافت أنه في الحالات التي تعرضت فيها المدونات للانتقاد، كانت الأم أو الأخت هن من ينقل الانتقاد والتحذير للمدونة. وهذا أمر مهم في طبيعة هرمية العلاقات بين الجنسين، حيث تمارس الأم دور الحماية المجتمعية، ولكن في حالة تعرض المرأة لخطر حقيقي أو في حين تجاوزها الخطوط المقبولة اجتماعيا يتدخل الرجل، وعليه ليس في هذا الأمر تغيير حقيقي لأدوار النوع الاجتماعي، وربما صغر حجم العينة لم يتح المجال أمام استيضاح تأثير التدوين على العلاقات داخل الأسرة.
على المستوى المجتمعي:
أشارت جميع المدونات إلى وجود قبول مجتمعي واسع لهن، بعضهن أشرن إلى أن أساتذة الجامعة يتابعوا تدوينانهن، أو أن أشخاص في الشارع يستوقفوهن ليعبروا عن اعجابهم أو رأيهم في موضوع كتبنه، هذا هو التغيير الاهم في قضايا التدوين، ألا وهو خلق حيز مختلف ومميز للمشاركة المجتمعية، يصنع نموذجا للنساء الشابات، ويساهم في تغيير النظرة النمطية التي تربط النساء بالدور الانجابي، لصورة أكثر واقعية للنساء كصاحبات رأي ومبدعات وسفيرات لبلادهن، ومدافعات عن قضاياهن وتحديدا في زمن حرب الانترنت والتويتر.
نجحت المدونات في تحريك سقف التوقعات، وتغيير النظرة النمطية، والاهتمام بقضايا كانت تصنف على أنها رجالية فقط، أو الحديث عن أمور مسكوت عنها في القضايا النسوية، لكن هذا الانجاز مازال محدودا بسقف، هو الفضاء الالكتروني، لأن مواجهة الواقع تتطلب أدوات من نوع مختلف، ومواجهة لتركيبات مختلفة من علاقات القوة في المجتمع.
العديد من المدونات أبدين استعدادهن لخوض نضال مجتمعي مختلف، على أرض الواقع، فمنهن من انضمت لمجموعة شبابية، أو فكرت في انشاء حزب سياسي أو شاركت في حملة للتوعية بسرطان الثدي. بعض المدونات هن ناشطات فعليا في الحركة النسوية.