جلستْ تراقِص تراب الوقت، تقطف من كل ذرّة فكرة.. تحدّثها أنيقةً بشموخ النساء.. لكنّ أصابعَها تفضح طفولتها الشقيّة.. ترسمُ ساعة بلا عقارب.. تُخرِسُ الدقّات بين ساعاتها.. ترسم جوريّة تُقبِل بين أصابعِ رجل.. ترسم كوب حليبها؟ لا.. بل ترسم فنجان قهوة يليق بصبية كاعِبٍ.. تُديره إلى القلب ليُسمِعها صوت الهوى.. تصبُّ البنّ فوق الشهقة الأولى لتسمع دويّ الصدى حبّا..
لا تجربة لها في الحب.. كل ما تذكره وجه طفولتها الشقيّ يقول أبي أحبّك.. ثمّ ارتحل الدم في شرايين الشهقة الأخيرة.. وغدتْ مثيرة للمكان لوحدها.. ضحكتها تقول للحب ما أجملك.. هات يدكْ.. خذني على سفينة أهرب فيها من ضجيج العابثين بوحدتي..  "كم أحببت وجوها وهي كانت كالدُمى.. أحببت اللهو بها لأعرف ما الحبّ"..
تنتظرُ الطفلةُ لحنَ رسائل عاشقٍ يعزفُها الطريق الفارغ.. لم يحدثْ أن تسارعت نبضات القلب على الدرج الفسيح إلى السماء.. حين مرّ على البحيرة رجل.. ابتسم لقلبها الصغير.. رأت ابتسامته عصا سحرية.. أمسكت بها وتبلّلت بالأمنيات.. كل ما فيه يوحي بالفرح.. أليس للحب اسم آخر غير الفرح؟ قالت ربما يكون هو الحبيب الذي اشتهيت لقاء خدّه.. أنتِ سؤال حائر يخشى الطريق أيَا صغيرة.. هاتِ يدكْ.. لأعاند الصخر العنيد وأقطع بك الطريق.. لمستْ يده.. كفّ الدم عن السريان.. خفق الفؤاد.. تلمّست كل أصابعه الحنونة.. فتلعثمت في صمتها.. احمرّ وجه الطفلة المهجورة عند سفح النهر.. هو لي؟ ربّما.. هو لي.. بلا.. هو لي.. أكيد.. هو لي.. وانتفضت من فرط الحب تركض في ألَق.. وهو يعارك اللحظة لا يدري سوى أن البُنيّة كانت مُتعبة.. وهو الذي أسعدَ صوتَ أشجانها صدفةً.. عابرَ سبيلٍ كان.. "عابر سبيل سأبقى".. لا تُكبري في الحب رجلا سابحا في الخيال.. أنت لستِ لي.. بل للقمر يستحمّ في فضاء الأمنيات.. أحلامي تبعثرت ذات حرب.. تحت زخّات الرصاص وأنين الأبرياء.. خذي الحب إن شئت من قلبي.. صُبّيه على أيامك نبيذا مُسكرا.. لكني لستُ لكِ.. ولستُ لي.. أنا لخيال الحب يغتال اغترابي... لولا المنفى لقيّدتُك على دفّة نهري.. غريباً كنت.. وغريباً سأبقى..
خيّرَتِ الخطوةَ بين انهِزامِها أو شقّها عمق الجبل.. في الجبل اهتزازات موسميّة.. سحبت يدها وقالت: "الحب يحتاج لامرأة بلا ألم مليئة بالأمنيات، وحياتي مليئة بالفوضى.. أنا امرأة لا تصلح للحب".. قال: "ليس صحيحا.. أنت سيّدة الترتيب حين يكون لديك الوقت".. قالت: "أريدك أنت.. لِتُرتب لي حياتي.. قضيت سنوات أبحث عن رجل يرتّب لي حياتي.." قال: "نحاول سويّا.." ومضى.. يرتّب حياته.. "لا أريدك حاضرا فقط في ذاكرتي.. أريدك مالكاً لخارطتي.. تكتب معي أسرار مدينتي.. تسمّيها كما يحلو لك.. تضع القلاع شمالا أو جنوبا.. قد تغيّر أسماء الأزقّة فيها.. تقرّر حفر بئر عميقة تخبّئ فيها كلّ أسرارنا.. ترتّب معي الشوارع.. تنفض معي الغبار من الديار المنسيّة منها.."
نامتْ في انتظار رُقعة برديّ تعانقها خلسة.. تعيد لحياتها صخبها العاطفيّ.. نامتْ.. وهي تحلم أن الحب يُغرقُها ليل نهار.. يُربِكُها.. لا غياب فيه.. ولو بالغياب.. نامتْ.. وهاتفها بجانبها.. ميتٌ كصخرة ثقيلة على صدرها.. ونامتْ طويلا.. ونام هو أكثر..
يُربِكها أن تشتهي وتطلب شهواتها كطفلة صغيرة.. يوجعها الدلال حين يصبح رقصة لا تناغم بينها وبين فستانها.. ويهزمها الخوف أن تطلب ما لا حق لها فيه.. فيعيد عليها جملته المثيرة "أنا لست لك.. ولست لي.." ويغزوها الحلم أن تفتك حقها غصبا عنه.. "سأبقى معك حتى نهايات العمر ولو غصبا عنك" ليست جملة تنتهِكُ القوانين.. بل صادقة حين قالتها.. وهي تلتهم أصابعه التي أغلقت كل منافذ الدخول إليه مرّاتٍ.. كان يختفي لتنبش الأرض تبحث عن رائحته.. يفوح منها عطرها هي.. الرجال أنانيون في الغياب.. يحتكرون الأحلام لحسابهم..
ربما لم يكن مثيرا ذلك اليوم الذي سقطت فيه على سراب وجهه في الماء.. ربما كانت مصادفة عابثة بسُكونها حين قال "أحبّكِ".. ربما سقطت في هاوية حين قرّرت أن تنضمّ لجموع الخارجين عن القانون.. وتدوّن حياتها حسب قانون خاص.. لا شرعيّة فيه إلا لجنون قلبها.. "ربّما" تفتح باب احتمالات تضع القلب في معركة مع العقل.. يستلّ الفكر حُسامه في وجه الفطرة.. يحزم أمره.. لا سبيل لحياة حبلِ أفكارٍ قد يخنق روحي.. ويُعلّقها على باب واقعيّ..
أكان واقعيّا ما تلمّسته ذات مطر شتويّ؟ أكان واقعيّا ما هطل على صدرها لمُصادرة آخر دقّات الفؤاد؟ أكان ما لمسته على جفنِ السفر جسدا لرجل تملكُه؟ أمْ هو الذي ملكها فكبّلها بنافذة مشروخة.. لا تفتح إلا على اغتراب..
باذخ هو القلق حين يصبّ على الأحلام هشاشة الوقت.. يثيرها دائما حضوره على ضفاف بحيرتها الصغيرة.. يأتي ليُبعثِرها.. فكأنما الصمت المقيت يصبح جمرة حب على جسدها المعتوه..
قالوا.. للمنفى وجه لا يشبه الوطن.. "وما الوطن لو كان القلب منفيّا؟" هي اختارت الموت منتشية على ضفّة الغريب.. ركضت وراء السراب تسمّيه مجراها.. تغسل به وجهها كل صباح..
ويبقيان.. كما ضفتين لا تلتقيان إلا عند الفيضان..
هو يصقُل الوقت انتظارا للحبيبة.. كانت هنا لحظة كانا يخترعان للمكان اسما سوى الغربة.. سمّاها الحبّ.. فسمّته الحياة.. اقتسما رغيف الليل كلٌّ في مكان.. كان اللقاء الأخير موجة تغسل خطاياهما.. هرب الزمان به نحو منفى من تراب.. وهي تهذي باسم آخر ما تبقّى من "هو".. هو لا ينتظرها.. فهو يعلم أنها دائما تنتظره..
هي.. ظلّت تبوح لدميتها الصغيرة بالقلق.. حتى صاحبها الأرق.. يوم راق لها الخيال.. كان سرابا ليس منه رجاء.. هي لا تنتظره.. هي تعلم دائما أنه سيعود..
هما.. ظلاّن للحب.. ينتظران أن تُزهر الدنيا حياة.. كلٌّ في طريقه راحل.. لا يلتقيان إلا لزرع الضحكة في قلب جلسة..  ولا يعلمان متى تنتهي سلسلة الانتظار المورقة نرجسا..