قال دبشليم ملك الهند لبيدبا الفيلسوف حدثني عن شهوة السلطة وما تفعله بقلوب الرجال .
قال الفيلسوف : مولاي ، قديما قال احد الحكماء ( آخر ما يخرج من قلوب الأتقياء حب الجاه)، فان حب الجاه والسلطة اذا تمكن من قلب الرجل لم تدع فيه مكانا لما سواه . ثم أردف الفيلسوف : زعموا ان ذئبا عجوزا احكم قبضته على غابة مترامية الإطراف مليئة بالخيرات يتوسطها نهر عظيم وتعج بالمخلوقات ، وقد حكمها حكما مطلقا غير آبه لحقوق بقية الحيوانات مستبدا برأيه ، مستعينا في تثبيت عرشه برصيد بطولاته ايام الشباب في الدفاع عن الغابة ضد المعتدين ، وبسرب كبير العدد من البزاة يرأسها باز مهيب،وبثور ضخم يضبط الأمن والنظام ، وبجماعة من القرود اعتادت ان تعيش على فتات طرائده ، وكان الذئب يخوف الحيوانات التي عرف عنها الطيب والتسامح والصبر على جور الحكام ، قائلا بان رحيله عن الحكم هو رحيل استقرارهم وأمنهم ، هكذا حتى طال عليه الأمد فجمد ذهنه وانطفأت حكمته وأوقعه بعض أهله في مصيدة تنصيب ابنه ملكا من بعده ، فخرجت حيوانات الغابة على أمر ذلك الذئب العجوز ، وحاصرته مطالبة بتنحيه عن عرش الغابة ، وقد اشترك جل سكان الغابة في التصدي لتلك المهمة فكانت الجموع الثائرة التي تضم الزرافات والأيائل والطيور والزواحف والسناجب والعصافير تناضل باذلة التضحيات في سبيل تحقيق هدفها ، وارتأت بعض الثعالب ان تتقدم الصفوف لتقود تلك الجموع ، بينما انقلبت بعض القرود على ولي نعمتها بعد ان كانت تقبل الارض بين يديه ،وأثناء ذلك كان الذئب العجوز يحارب أعدائه بأساليب باليه ولم يستمع لنصائح البومة الحكيمة التي كانت تأمره دائما بالعدل والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه وكبر الامر وتعاظم وتوافدت جموع الحيوانات الى ساحة الغابة للمطالبة برحيل الذئب إلى ان حسم الباز الكبير الامر وقام بأجبار الذئب على التنحي ، فعمت الفرحة تلك الغابة الكبيرة وامتدت الاحتفالات في معظم إرجائها أياما وليال ، وظن سرب الصقور ان الطريق باتت ممهدة للوصول الى عرش الغابة خاصة بعد التضحيات التي قدموها منذ عقود طويلة الى ان انتصرت ثورتهم على الذئب.
الا ان الفتنة لم تكن قط نائمة فبجوار تلك الغابة كانت تقبع غابة الصنوبر التي استولى عليها الغربان منذ سنوات بعد ان طردوا جل ساكنيها الأصليين منها ، وشرعت الغربان تحيك الدسائس لتلك الغابة العظيمة ولساكنيها ولثورتهم ، وقد عادت جل الحيوانات الى مساكنها بعد ان تحقق مرادها ما عدا قلة قليلة استمرأت البقاء في العراء ناصبة الخيام ، في حين اتفق الجميع على انتخاب ملك جديد للغابة يحكم بالعدل ويوزع ثروات الغابة على الجميع دون تمييز ، بينما قامت الثعالب بعقد اجتماع فيما بينها قررت خلاله عدم التخلي عن العرش للصقور حتى ولو كان ذلك ضد إرادة بقية الحيوانات ، ورسموا الخطط المحكمة للوثوب على العرش دون الصقور وتوزيع المناصب فيما بينهم ،احد الثعالب المحنكين كان وزيرا في خدمة الذئب جل فترة حكمه وكان الجميع ينظرون اليه بهيبة ووقار ، وقد حدث نفسه بالانضمام الى صفوف الحيوانات الثائرة لعله يحظى بفرصة الجلوس على عرش الغابة متمثلا بالحكمة الساخرة ( الزعيم هو رجل محظوظ اشترك في مظاهره) الا ان اكثر الثعالب دهاءا كان الثعلب العجوز القادم من اعالي البحار ليجرب حظه في حكم الغابة ، لكن غالبية الحيوانات قررت ان تعطي الفرصة للصقور لتقول كلمتها فاختارت من بينهم واحدا ليحل محل الذئب المخلوع على عرش الغابة ، جن جنون الثعالب وشرعت تحيك المؤامرات والدسائس وتشعل نيران الفتنة تحت كل شجرة في الغابة وكان وقودها في المعركة قبيلة القرود التي رضيت بلعب الدور المطلوب منها ، وشرعت في تخصيص شجرة عملاقة كثيرة الأغصان لتكون ملتقى لكل حيوان في الغابة يريد ان يفهم ما يجري فكانت القردة تتقافز من غصن الى غصن طوال الليل متهكمة على الصقر الملك وإتباعه وتسخر من طريقة كلامه وتسفه قراراته وتصوره انه عدو للجميع وان الصقور يخططون لاحتكار السلطة وإقصاء البقية ، وقد ابتكر ادهى القرود حيلة ذكية ليسلم من مساءلة الصقر فكان يتظاهر بالسفه حتى ترك له الحبل على الغارب سنة كاملة يقول ويفعل ما يشاء يحشد الحيوانات ويغرر بالبسطاء حتى زالت هيبة الصقر من صدور الجميع وركب الجميع الموجه وتداخل الصالح مع الطالح كل يأتي بالحجج والبراهين لتأييد رأيه وموقفه ، وكان الباز الكبير قائد سرب البزاة الساهر على حماية الحيوانات وحماية من يجلس على عرش الغابة يراقب الذي يجري من بعيد وقلبه يميل الى صف الثعالب وخاصة الثعلب العجوز الذي ما انفك يشيع في كل مجلس ان الصقر لا دراية له بشؤون الحكم ولا جلد لديه على قيادة الحيوانات وان الغابة في طريقها الى الفشل بعد ان كانت في مقدمة الغابات المجاورة عزا ومنعةُ، وشاعت الأكاذيب واندثرت الحقائق واختلط الحابل بالنابل في تلك الغابة العظيمة ، وأصبحت الحيوانات الثائرة وفي مقدمتها الثعالب لا ترى بأسا في رجوع الذئب ليحكم الغابة مجددا ، وقام بعض التجار بإخفاء سلع هامة للضغط على الحيوانات وانهار الامن والنظام نتيجة تخلي الثور عن القيام بواجباته وهو الذي اشرب في قلبه بغض الصقور منذ امد طويل ، وانحدرت الأخلاق الى حد ان التعبير عن رفض أي قرار لم يعد باللسان بل برفع الحذاء ، وجاهدت البومة الحكيمة في اسداء النصح للحاكم وللمحكومين فنصحت الصقر قائلة : ينبغي للملك ان يكون متفقدا لأموره ذا حزم فيها فإن لم يحسن ولايته قلت راحته ، وحذرته من تقافز القرود ودسائسهم وانهم وقود الحرب في هذا الزمان ، الا ان الصقر اجاب: الرجل الكامل المشاور اهل النبل في الرأي والعقل ان رأى في بدء امره وسمع من بشاعة اللفظ ومخالفة الهوى ما يكره وصبر على ذلك فان ذلك يعقب منفعة . الا ان منطق الثعالب والقرود قد اظل الغابة زمانه واحتشد الجميع في ساحة الغابة للمطالبة برحيل الصقر واتباعه حتى ان الغزلان، الهرمات منهن والشابات ، المحتشمات منهن او اللواتي اعتدن ارتداء ما قل ودل من الثياب توافدن الى ساحة الاعتصام رافعات احذيتهن في وجه الصقر مطالبات برحيله . حاول الصقر جاهدا تصحيح أخطائه وتصويب مساره بعد ان ابتلي بحاشية حديثة العهد بشؤون الحكم فأوردته المهالك ، الا ان الأوان كان قد فات وسبق السيف العذل ، وبدأت الأرض تميد من تحت قدميه وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير قيام الصقر بتأييد ثورة الأيائل في غابة اللوز المجاورة ضد ملكهم السفاح ، وانقسم اهل الغابة الى قسمين مؤيد للصقر ومعارض له واتخذ كل فريق منهم ساحة يعبر فيها عن قراره ، لكن القرار الفعلي كان بيد الباز الذي حسم امره ودخل على الصقر مصحوبا بجيشه الكبير وبفرقة الثعالب وانزل الصقر عن عرشه واقتيد الى السجن ليواجه مصير الذئب مع انه لم يسرق قوت الحيوانات ولم يبطش باعدائه كما فعل الذئب، ثم قام الباز بتنصيب الحصان مكانه لبضعة شهور ريثما تهدأ النفوس ويتم الاتفاق على اختيار ملك جديد ، وقبل ان يخرج الصقر من مكانه قفز الثعلب العجوز فجلس على العرش ليرى ان كان مقاسه مناسبا لطموحه ممهدا لنفسه شامتا بعدوه الصقر ، فاستفزت وقاحته البومة الحكيمة التي رددت على الملأ حكمة قالها البشر يوما ( فوق اجمل عروش الدنيا لا يمكن للمرء ان يجلس الا على مؤخرته) ثم صفقت بجناحيها ورحلت عن الغابة الى الأبد .
صمت  الفيلسوف بيدبا برهة من الزمن ، ثم استعجله الملك ليسمع بقية الحكاية فأكمل قائلا: بعد مضي أربعة عقود من الزمن على تلك الواقعة ، وبعد ان طعن ألباز الكبير في السن وخط الشيب مفرقه ، خرج على الجماهير من خلال برنامج (شاهد على العصر) ليحكي وقائع ذلك الحدث كما يراها هو وليبرر ما اقترفه موردا اسماء وشهادات وأحداث أصبح جل أبطالها تحت التراب ولم يتبق من عظامهم شيء سوى (عجب الذنب) ، ولم تنجح محاولات المذيع الجريء لحمله على الاعتراف بما اقترفه من أخطاء في حق سكان الغابة وبحق الصقور مدعما أسئلته بوثائق تاريخيه ، الا ان ألباز أصر على براءته وانه أقدم على ما فعله من اجل عيون الغابة وشعبها العظيم وانه لم يكن يطمع في شيء من السلطة وانه كان يقف على مسافة واحدة من الجميع ، وهنا قهقه الملك بصوت عال وقال للفيلسوف ( قالوا في الأمثال: (اثنين لا  تقدر تكذيبهم ، شاب تغرب وشيخ ماتت أجياله).