'بلغت المرأة الليبية لحظة مفصلية من تاريخ بلدها، مع صياغة دستور جديد وبدء عملية إصلاح تشريعية. إذا أضاعت ليبيا هذه الفرصة لوضع الأسس القانونية لحقوق المرأة؛ فقد يؤدي هذا إلى وقوع انتهاكات جسيمة على مدار الأعوام القادمة'. هذا ما تصرح به لايزل غيرنهولتز، مديرة قسم حقوق المرأة في هيومن رايتس ووتش'.
لا أحد في ليبيا ينكر الدور الاساسي للمرأة الليبية في إنجاح الثورة. ونجحت الثورة، أو بتعبير أدق، تم إسقاط نظام القذافي. بعد ذلك، هناك من يرى أن دورها انتهى هنا وعليها أن تعود الى قاعدتها، البيت. المنظمة الحقوقية هيومن رايتس ووتش، تحذر بشدة في تقريرها الأخير عن وضع المرأة الليبية، من تقهقرها، واختفائها من الصورة تماماً، إن لم يكن لها حضور بارز في لجنة الستين، اللجنة المكلفة بصياغة أول دستور لليبيا بعد الثورة.
ثورة للجميع
ينص تقرير 'ثورة للجميع: حقوق المرأة في ليبيا الجديدة' لهيومن رايتس ووتش الصادر في 40 صفحة على ضرورة اتخاذ خطوات أساسية ينبغي على ليبيا إنجازها على طريق الوفاء بالتزاماتها الدولية. وذلك من خلال رفض التمييز بناء على النوع الاجتماعي (الجندر) بحزم في القانون والممارسة على السواء.
حنان صلاح، فلسطينية الاصل، مقيمة بليبيا منذ أقل من سنتين، ممثلة هيومن رايتس ووتش في ليبيا، تؤكد أن الوقت الراهن حساس ومهم جدا لدور ومشاركة المرأة في الحياة والسياسية، منها بالخصوص الوقت الذي يتم فيه الإعداد لأول دستور بعد الثورة. 'لابد أن تصير المرأة الليبية من صانعي القرار، وهو الدور الذي يجب أن تدعمه تماماً الحكومة الليبية'.
تقول لايزل غيرنهولتز، مديرة قسم حقوق المرأة في هيومن رايتس ووتش: 'بلغت المرأة الليبية لحظة مفصلية من تاريخ بلدها، مع صياغة دستور جديد وبدء عملية إصلاح تشريعية. إذا أضاعت ليبيا هذه الفرصة لوضع الأسس القانونية لحقوق المرأة؛ فقد يؤدي هذا إلى وقوع انتهاكات جسيمة على مدار الأعوام القادمة'.
وتؤكد حنان صلاح على أهمية المرحلة المقبلة وهي المرحلة التي ستحدد الإطار القانوني لأمد طويل. 'هي مرحلة مهمة لكل الأقليات ايضا بما فيها الأقليات الامازيغية مثلا'.
ثورة في العقل
الكاتبة الليبية انتصار بوراوي، ترى ضرورة أن تحدث ثورة في عقول الليبيين أولاً. المجتمع يرفض عموماً حضور المرأة و'إذا كانت المرأة نفسها لا تدعم المرأة، فهل سننتظر من الرجل أن يدعمها؟'. وكمثقفة ليبية، ترى انتصار أن الثقافة السائدة في المجتمع مسؤولة عن تراجع أو غياب دور المرأة إلى جانب تقصير كبير من جانب الدولة. أما 'عيب الناشطات في مجال المرأة، فهو أن أكثرهن يتحركن من داخل فنادق فخمة مغلقة، يتناولن نفس المواضيع المستهلكة منذ سنيتن، بعيداً كل البعد عن المرأة 'العادية'. تشير انتصار إلى عدم وجود تواصل مع القاعدة الشعبية للنساء، وهو ما يعيب هذه المنظمات التي المفروض ان ترفع من مستوى وعي النساء وتناقش معهن المشاكل المطروحة.
منظمات المجتمع المدني
نادية جعودة، رئيسة منظمة التراث والتعددية الثقافية، تتحرك ضمن مجموعة من منظمات المجتمع المدني، والتي قدمت مقترحاً للمؤتمر الوطني بخصوص انتخاب لجنة الستين. تقول جعودة إن هناك حرباً شرسة تخاض ضد المرأة من طرف التطرف الديني ومن طرف العقلية الرافضة لدور المرأة في الحياة العامة. ينص المقترح على ضرورة اعتماد التناوب أو الكوتا، في انتخاب لجنة الستين، لأجل ضمان تواجد المرأة في الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور. 'نعيش مرحلة انتقالية من عمر الدولة الليبية، وكنساء لن نسمح بالتخلي عن حقوقنا والعودة إلى عصر الظلمات'.
جاء في تقرير هيومن رايتس ووتش: ' كانت انتخابات 2012 البرلمانية التي شهدت اختيار الناخبين لـ 33 سيدة ضمن أعضاء المؤتمر الوطني العام البالغ عدده 200 عضو بمثابة بداية الزيادة الملحوظة في مشاركة المرأة السياسية. اشتمل قانون الانتخابات على شروط بالمساواة بين الجنسين، إذ طالب كل حزب بوضع مرشحاته على قوائم المرشحين بالتبادل مع المرشحين الرجال، وذلك لضمان انتخاب السيدات'. ولكن جعودة ترى أن الأحزاب خدعت المرأة، 'وبالرغم من أنها طبلت بشعارات مساندة لها أثناء الحملة، إلا أنها تخلت عنها أثناء الانتخابات وبعدها مباشرة'.
ثلاث نساء
تجمع النساء الثلاث، حنان صلاح، نادية جعودة وانتصار بوراوي على أنه لا بد أن تتغير العقلية السائدة بالمجتمع الليبي في فهمه لحقوق المرأة، بل ولابد أن يتوقف اضطهاد المرأة نفسها لنفسها. يسود تخوف الان من أن تفقد المرأة مكتسباتها، ويبدو عصيباً تحقيقها لحقوق إضافية. المرأة ليست موجودة بمراكز القرار فعلياً.
يركز تقرير هيومن رايتس ووتش على أنه أمام المرأة الليبية تحديات كبيرة. في فبراير الماضي مثلا، حكمت المحكمة الليبية العليا بحكم من آثاره رفع القيود عن تعدد الزوجات. في أبريل الماضي، تناقلت التقارير قيام وزارة الشؤون الاجتماعية بتجميد تراخيص الزواج لليبيات المتزوجات من أجانب، بعد أن طالب المفتي الليبي الحكومة بمنع السيدات من الزواج من أجانب.
إضافة إلى أن قانون العقوبات الليبي الحالي، على سبيل المثال، يصنف العنف الجنسي بصفته 'جريمة ضد شرف المرأة' وليس ضد المرأة كضحية فردية أو كانتهاك لسلامتها البدنية. أما قانون رقم 70 بشأن الزنا فمن آثاره تثبيط عزم ضحايا الاعتداءات الجنسية عن الإبلاغ عما تعرّضن له من جرائم.