اكتست قضية المرأة أهمية بارزة في الفكر الإسلامي المعاصر فتعددت الكتب والدراسات والأبحاث والملتقيات الفكرية حول مختلف الاهتمامات التي تتعلق بالموضوع، إلا أن كثرة التأليف في قضايا المرأة لا يعكس بالضرورة تراكماً كيفياً يمثل ترتيبا تصاعديا على مستوى الأفكار والمفاهيم، أو على مستوى منهجيات البحث وأدواته التحليلية، وكذا على مستوى الخبرات والتطبيقات والتجارب. ما عدا بعض المؤلفات التي لا ينبغي تجاوزها مثل كتاب "حقوق النساء في الإسلام " للشيخ محمد رشيد رضا، الذي صدر عام 1930 م، والذي يقدم بعض الرؤى والأفكار المؤسسة والبانية في قضية المرأة، وبالتالي يعد في هذا الباب من أهم المؤلفات عمقا بالمقارنة مع عشرات الكتابات التي صدرت بعده ولا تزال تصدر.
كما أن جل المقاربات الأدبية لقضايا المرأة في العالم الإسلامي تحكمها مؤثرات ذاتية وأخرى موضوعية؛ نتج عنها خلل منهجي عميق كان له أثره في ضياع النظرة الشمولية والتكاملية في التعاطي مع الموضوع، والقدرة على نقد واقع مجتمعي هو في النهاية حصيلة تراكمات تاريخية تعكس واقع الاستبداد والظلم الذي عانته الأمة وتعانيه. ونرى أن أبرز تلك المؤثرات يمكن تلخيصها في عاملين أساسيين، الأول موضوعي والثاني ذاتي، وما سواهما مؤثرات فرعية من نواتجهما:
• العامل الأول: ويتمثل في التبعية لمنطق التفكير الصراعي مع الغرب ومعه الدول الحديثة الوارثة للاستعمار، المقلدة للنموذج الغربي في بناء أنظمتها ومؤسساتها التشريعية على مستوى الإعلام والمجتمع والسلطة والدولة، والتي تمتلك سلطة القرار لفرض وتسويق نموذج نسوي معياري يحاول الغرب تدويله بشكل ممنهج ومقنن، مما جعل الحركات الممانعة أسيرة منطق دفاعي تطبعه الانتقائية وافتعال العصرنة.
• العامل الثاني: وإن كان سابقا في الزمن لأنه نابع من ذاتنا وتاريخنا وهو أصل كل الأدواء التي لحقت بالأمة، ونقصد به عامل الاستبداد وما لازمه من انفصام بين الشأن العام للأمة والشأن الفردي الخاص، إلا أننا أرجأناه في مسألة منهج التناول لقضية المرأة لكون العامل الأول شوش أكثر على منهجية التعامل مع الموضوع وخلط الأوراق بطرحه نموذجا يبدو ناجحا متلألئا أمام الناظرين "النموذج الغربي للمرأة"، لا أقصد أن المفكرين الإسلاميين تأثروا بهذا النموذج من حيث المضمون، بل لكونه سبب قلقا منهجيا تأرجح بين الرفض القاطع للنموذج الآخر المتفوق عسكريا وتقنيا وسياسيا وبين التبعية للغرب وفق قاعدة "نحلة الغالب" بالتعبير الخلدوني.
من تجليات العامل الثاني (عامل الاستبداد السياسي) فقدان القدرة على فرز التراكمات التاريخية الناتجة عن "إيديولوجيا الاستبداد"، وإضفاء نوع من المشروعية والقدسية على أنماط وصيغ مجتمعية هجينة في معاملة المرأة، وهي المثالب التي لم تتردد الحركات التحررية النسائية في ركوبها لتدفع باستماتة باتجاه قطع العلاقة المرجعية بين المرأة المسلمة وبين أصولها الدينية. يتفرع عن هذا العامل الأساسي مجموعة من العوامل الفرعية أصبحت لازمة للكتابات حول موضوع المرأة، منها على سبيل المثال :
• الابتعاد نسبيا عن مصادر المعرفة الإسلامية (الكتاب والسنة) لصالح التراث أو اجتهادات قرونية مرهونة بزمانها ومكانها وظروفها.
• تغييب الرؤية التجديدية القادرة على معالجة الواقع واستشراف المستقبل على ضوء مرجعية الأمة وهويتها الصحيحة (القرآن والسنة).
إلا أنه في مطلع القرن الخامس عشر الهجري صدرت بعض الأعمال الفكرية الهامة، التي استطاعت خرق النمط السائد في منهجية الرؤية حول المرأة، خصوصاً في مجالين عظيمين من أصول الفكر الاسلامي، هما مجالا الحديث والفقه. ففي مجال الحديث جاء كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) لعبد الحليم أبو شقة، والذي اعتمد فيه صاحبه على الصحيح من الروايات وبالأخص البخاري ومسلم ففوجئ فيه بالصورة المشرقة لشخصية المرأة المتوازنة تربية وحضورا في واقع المسلمين إبان عصر الرسالة، ودعا الى تصحيح تصورات المسلمين للصورة التي ترتسم في أذهانهم حول المرأة وأسلوب التعامل بين الرجال والنساء في المجتمع الاسلامي. ولعل ربط مفهوم التحرير بعصر الرسالة كان مقصودا عند أبو شقة؛ إذ إن أكبر عملية تحرير عرفها تاريخ المرأة خصوصا، والانسانية عموما، جاءت مع انبعاث الإسلام، ولا مجال للحديث عن إعادة التحرير دون الرجوع الى عصر الرسالة لاستلهام أسرار التغييرالأول.
وجاء في مجال الفقه كتاب "مسائل حرجة في فقه المرأة" لمحمد مهدي شمس الدين ، الذي جمع بين الفقه والثقافة، وبين النقد والتأسيس في مجال الأحكام المتعلقة بعلاقة المرأة بالمجتمع والأسرة، يدعو فيه الى التعامل مع النصوص الواردة في السنة على ضوء النص القرآني من جهة، وعلى اعتبار النصوص وحدة متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، في عملية استنباط الأحكام.
يستشف من هاتين المحاولتين أن أزمة هذه الأمة وفي ثناياها أزمة المرأة، هي أزمة تربوية وفكرية وسياسية، أو قل هي أزمة منهاج بالأساس. تحتاج إلى تقويم منهاجي يستمد النور من القرآن والسنة ويستفيد من تجربة الإنسانية، في معالجة مشاكل المجتمع في مختلف مظاهرها، فيعمل العقل المستنير بنور الوحي على فهم المقاصد والغايات والكليات والقواعد، وتنريلها في الواقع المركب والمتغير.
من هنا يأتي إسهام الأستاذ عبد السلام ياسين في قراءة القرآن المجيد، والسنة النبوية الشريفة قراءة متوازنة شاملة متكاملة، مع استلهام -وليس استنساخ- التجربة من العهد النبوي والراشدي والومضات المضيئة في تاريخنا، ليحقق المقاصد القرآنية الكلية الكبرى، ليس على مستوى الأفكار والمفاهيم، أو على مستوى منهجيات البحث وأدواته التحليلية فحسب، بل أيضا على مستوى الخبرات والتطبيقات والتجارب، مستعملا منظومة مفاهيمية تتسم بالأصالة والدقة والنسقية والتكامل، وتوحي بفهم عميق لماضي المسلمين وحاضرهم واستشراف لمستقبلهم، وتضع الإصبع بكل وضوح على موضع الداء، كخطوة صحيحة قبل توصيف الدواء، الذي ما هو إلا منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرفيق، الرحيم، المتدرج، في تنريل آي القرآن الحكيم على واقع الناس، فكان كتاب "المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا" ، خلاصة رؤيته التجديدية في ترتيب الأولويات، واقتراح البدائل التطبيقية لمعالجة أدواء الأمة.فما موقع المرأة المسلمة في النظرية المنهاجية للأستاذ عبد السلام ياسين، وما حظها من هذا الاجتهاد؟ هل وسعها ما يسع أمتها، أم حظيت باهتمام تنظيري يراعي خصوصيتها؟ وهل لها خصوصية ينبغي أن تراعى؟ ثم ما دورها في التغيير المنشود؟ وما حجم مركزية القرآن الكريم والسنة الشريفة في معالجة قضية المرأة في الفكر المنهاجي؟
ذلك ما سنحاول ملامسته في هذه الورقة، من خلال ثلاثة محاور، هي كالتالي:
• المحور الأول: مفاهيم مركزية في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين،
• المحور الثاني: مركزية القرآن الكريم في معالجة قضية المرأة عند الأستاذ عبد السلام ياسين،
• المحور الثالث: معالم الرؤية التجديدية في معالجة قضية المرأة في نظرية الفكر المنهاجي.