يقود الوعى بالظلم الى التمرد، ينتقض الانسان فى حركة تمرد فردية أو جماعية، قد تقود الى ثورة شعبية كما حدث فى يناير عام 2011 فى مصر، أو الثورات الأخرى فى العالم.
لهذا تسعى جميع الأنظمة الحاكمة (شرقا وغربا) الى تغييب وعى الشعب منذ الطفولة بالاعلام والتعليم والتربية القائمة على السمع والطاعة والخضوع للسلطة الحاكمة فى الدولة والدين والعائلة. ورغم المؤامرات المتكررة الداخلية والخارجية لاجهاض الثورة المصرية، تواصل قطاعات شعبية متعددة سعيها لاسقاط حكم الاخوان المسلمين وحزبهم السياسي، الذى صعد الى الحكم بعد الثورة بتدعيم من المجلس العسكرى وحكومة باراك أوباما الأمريكية، تتعاون النظم الرأسمالية الأبوية فى العالم، بصرف النظر عن اختلاف الجنسيات والقوميات والأديان، بل إنها تستخدم هذه الاختلافات (خاصة الأديان) لتقسيم الشعوب وإضعافها لتسهيل قهرها ونهبها، المعارضة فى مصر وتتكون من الأحزاب القديمة والجديدة، منها الأحزاب الدينية السلفية والصوفية والجهادية بكل مذاهبها، ممن يعارضون الاخوان المسلمين شكليا، والأحزاب المدنية منها حزب الوفد واليمين الرأسمالى والوسط الليبرالى والنيوليبرالى واليسار الناصرى والاشتراكى والشيوعى ومنظمات المجتمع المدني.
وظهرت مؤخرا حركة شعبية معارضة تتجاوز الأحزاب السائدة بكل فصائلها، تحمل اسم "تمرد" استطاعت أن تجمع ملايين التوقيعات لسحب الثقة من رئيس الدولة الحالى يوم 30 يونيو، تعلن قيادات "تمرد" أنهم فقدوا الامل فى أحزاب المعارضة، وفقدوا الثقة فى حكم الاخوان المسلمين، أغلب الحركة شباب ينقدون دولة الاخوان الدينية بسبب اهدارها كرامة مصر ومواردها وتسولها المعونات الخارجية ونجحت حركة تمرد جماهيريا اكثر من أحزاب المعارضة القديمة والجديدة التى فقدت مصداقيتها، بسبب مفاوضاتها (السرية) مع قيادات الاخوان الحالية وأعوان مبارك السابقين، وتنازلاتها المتكررة عن مبادئ الثورة وأصبحت كلمة "تمرد" ايجابية، بل جميلة، بعد أن كانت من الكلمات المنبوذة منذ العبودية. ولم يكن للفلاحين التمرد على السيد مالك الأرض والا تعرضوا للقتل والحبس، ولم يكن للمراة أن تتمرد على سيدها الرجل والا عوقبت مثل عبيد الأرض.
مع التغيرات السياسية والاقتصادية فى مصر خلال القرن العشرين والانتفاضات الشعبية والثورات المتكررة بدأت كلمة "تمرد" تفقد قبحها فى اللغة السائدة.
وكان اليمين الدينى يعتبرها كفرا أو الخروج عن طاعة الحاكم الشرعي، وكان اليسار العلمانى يعتبرها طيشا وتهورا فرديا يتناقض مع العمل الجماعي، أما اذا اقترن التمرد بالمرأة فهى تصبح (فى نظرهم رغم اختلافاتهم الايديولوجية) ناشزا، تستحق التأديب بالضرب، أو بالطلاق، أو بالاقصاء السياسى والتجاهل، وفى بداية طفولتى أحسست أن أخى يحظى بما لا أحظى به لمجرد أنه ولد وأنا بنت، رغم أن بيتنا كان متحررا نسبيا، ولم تسحقنى السلطة الأبوية المطلقة كما يحدث لأغلب الأطفال التصقت بى كلمة متمرد منذ الطفولة، وتعنى عدم طاعة الأوامر وطرح أسئلة طفولية بديهية مثل لماذا يميز الله بين الولد والبنت اذا كان عادلا؟ لماذا تغطى الطفلة رأسها بالحجاب حين تصلى وأخوها يترك رأسه عاريا؟ لماذا أحمل اسم جدى (الذى مات قبل أن أولد) ولا أحمل اسم امى التى ترعانى ليل نهار؟
تطورت الأسئلة وتطورت خطورتها مع تطورى الفكري، وتشريحى لمخ الانسان فى كلية الطب وبحوثى عن علاقة المخ بالعقل والشعور بالتفكير والكيمياء بالبيولوجيا وكانت سعادتى بتحصيل المعرفة تشتد، ويشتد معها الأذى الذى أناله وبدأت أبحث لماذا أصبحت المعرفة خطيئة وارتبطت بحواء؟ وانفتح عش الضبابير، لكنى واصلت البحث عن علاقة الابداع بالمعرفة وعلاقة المعرفة بالتمرد وفى يناير 1993 وجدت نفسى خارج الوطن متهمة بالتمرد ومهددة بالقتل بسبب المعرفة (المحرمة) التى نشرتها فى كتبي. وما أفعل فى المنفى وأنا لا أحب مهنة الطب وأكره رائحة المستشفيات؟ أسعفنى خيالى واخترعت علما أطلقت عليه اسم "الابداع والتمرد" تحمست له بعض الجامعات المتطورة فى العالم، وهى تسعى لدعوة المفكرين والمبدعين من كافة البلاد لتدريس العلوم الجديدة التى تتجاوز التخصصات، وتربط بين العلوم الطبيعية والعلوم الانسانية، مثلا تربط الطب والكيمياء والفيزياء بالفلسفة والتاريخ والادب والموسيقى وغيرها.
كان الطلاب والطالبات (فى فصلي) من جنسيات متعددة، أغلبهم أمريكيون، بعضهم لم يتخرج بعد، وبعضهم تخرج فى الكليات المتخصصة وبدأوا الدراسات العليا، وتعودوا تسجيل كل كلمة تخرج من فم الاستاذ بكلية الطب فى جامعة القاهرة منذ نصف قرن طلبت منهم ان يضعوا أقلامهم ويرفعوا وجوههم لارى عيونهم. ابتسموا فى حرج، فالثقافة الأمريكية (الحديثة) تعتبر لقاء "العين بالعين" انتهاكا للخصوصية الشخصية واعتداء على الحرية الفردية رغم جذورها العدوانية فى التاريخ، وجدتى لأمى (التركية الأصل) كانت تنهرنى فى طفولتى إن نظرت مباشرة فى عينيها وتقول: عيب يا بنت تبحلقى كده؟ وكانت أمى (عكسها) تنصحنى بالنظر فى عينى من يكلمنى فهذا يعنى احترامه، أما جدتى الفلاحة (أم أبي) فكانت تقول: الروح تطل من العينين.
وأسألهم كما سألت جدتى فى طفولتى ما هى الروح؟ وكيف تطل من العينين؟ وأترك النقاش مفتوحا ليدور الحوار فى الفصل. -