"التتويج اعتراف بكفاءة الفنّان وحِرفيّته" تقول شهرزاد هلال، المطربة التونسية الشابة الحائزة على جائزة أفضل أداء في مهرجان الأغنية العربية في دورته السادسة عشر (28-30 آيار 2013). هذه ليست الجائزة الأولى، بل في رصيد شهرزاد جائزة أفضل أداء في مهرجان الاسكندريّة للأغنية في دورته الثامنة لسنة 2010. عُرفت شهرزاد بأداء الأغاني الطربية والأغاني التونسية القديمة، وفي رصيدها ألبومان "لو تنسى" و"شهرزاد تُغني للعمالقة". تُلحّن وتكتب فألبومها الأول يحتوي على 3 أغان من تلحينها. جمعت بين الموهبة والتكوين الأكاديمي، فهي مُتحصّلة على الدكتوراه في الموسيقى العربية من جامعة السوربون بفرنسا، تخصّص مقامات شرقية وتقنيات الأداء العربي.
"وكالة أخبار المرأة" التقت شهرزاد هلال في هذا الحوار للتعرّف عليها عن قرب وملامسة الواقع الفني في تونس والوطن العربي، في خِضمّ الأحداث التي يعرفها.
* هل ستكونين حاضرة هذه الصائفة في المهرجانات؟
- قدّمت ملفّيْن لوزارة الثقافة، ملفّ يخُصّ مهرجان المدينة في شهر رمضان، عبارة عن عرض فنّي يجمع مختارات من الطربيّات مع إنتاجي الخاص الذي يمثّل 75 بالمائة من العرض، وقدّمت برنامج "نهونديّات" للمشاركة به في مهرجان الحمّامات الدوليّ، وهو عرض ذو صبغة مغاربيّة وفيه لون غربيّ نوعا ما يتماشى مع الصبغة السياحيّة للمهرجان. كما قدّمت طبعا للمشاركة بأغلب المهرجانات الصيفيّة الجهويّة، لكنّي مازلتُ قيْد الانتظار إذ لم أتلقّ بعدُ أيّ إجابة من وزارة الثقافة.
* هل لديْك ثقة في نجاح الموسم السياحيّ هذه السنة في ظلّ الأوضاع المُتوتّرة للبلاد؟
- تبقى تونس قِبلة السُيّاح من جميع أنحاء العالم، وهو الشيء الذي يفرضُه طقسُنا وجمال بلادنا، ولن تتغيّر تونس فهي بلاد الأمن والأمان. أما خطر الإرهاب فقد هوّله الإعلام أكثر من اللازم، ولا توجد تهديدات واضحة.
* وماذا عن السياحة الثقافيّة؟
- لدينا عروض عالميّة في المهرجانات الصيفيّة وهنالك أُناس سيحضرون من بلدان أخرى لحضور هذه العروض. بالنسبة إليّ، أوافق على وجود أسماء عالمية في مهرجاناتنا لأن في ذلك تشجيع للسياحة الثقافية في تونس.
* هل تُراهنين على نجاح دورة مهرجان قرطاج لهذه السنة كما راهنت عليه وزارة الثقافة في السنة الماضية وخسرت الرهان جماهيريّا؟
- هذه السنة تختلف عن التي سبقتْها، لأنّ الأمور صارت واضحة أكثر. ومن جِهتي، لديّ ثقة بمراد الصقلي، فهو صاحب خبرة في إدارة المهرجانات وتنظيمها مثلما فعل في مهرجان النجمة الزهراء من قبل. مراد الصقلي مُوسيقيّ قادر أن يجلب عروضا مشرّفة ومدروسة، وبالتالي عندي أمل في نجاح دورة مهرجان قرطاج هذه السنة بإدارته. ما ألومه فقط على وزارة الثقافة تأخّر صدور البرنامج الكامل للمهرجان، وقد يعود ذلك إلى تعيين مراد الصقلي في تاريخ متأخّر هذه السنة، ولولا ذلك لكانت البرمجة قد تمّت منذ مدّة لتكون العروض أكثر حرفيّة وإتقانا.
* شهرزاد هلال، أين تُرتّبين نفسك بين مُطربي تونس؟
- أنا مُطربة تونسيّة لديّ لوني الخاص، ومن حقّي أن أكون موجودة في المشهد الثقافي التونسي مادُمتُ أقدّم إضافة من خلال فنّي ورؤيتي الجديدة للأغنية الوتريّة. وبالتالي لديّ كامل الحقّ في تقديم عروض في المهرجانات التونسيّة، وأتمنّى أن يفهم المسؤولون ذلك. فأنا مُطربة حاصلة على جائزتيْن لأحلى صوت وإن لم آخذ حقّي ستكون مُصيبة.
* هل تُقيّم الجوائز الفنّان؟
- أرى أن الجوائز ليست مجرّد تكريم للفنان بل اعتراف له بقيمته وتمييزه عن غيره من الزملاء. إنّها تُضيف للسيرة الذاتية للفنان، خاصّة عندما تكون من مهرجانات عربيّة وعالميّة. في كُلّ الأحوال، التتويج اعتراف بكفاءة الفنّان وحِرفيّته.
* ماذا أضافت الجوائز لشهرزاد هلال؟
- جعلتني سعيدة بتشريف بلادي وتمثيلها أحسن تمثيل. كما أنها إضافة هامة لي تزيد من ثقتي بنفسي، وتجعلني أطالب بحقّي المهضوم.
"الماكينة" في وزارة الثقافة هي نفسها
* من الذي هضم حقّك؟
- هضم المسؤولون في قطاع الموسيقى حقّي، لأنني أستحقّ الغناء في دار الأوبرا المصرية وفي المحافل الدُوليّة ومقابلة الجمهور في المهرجانات الوطنيّة.
* في عهد بن علي كانت هنالك أسماء لا تغيب عن هذه المحافل الدولية بسبب المحسوبية، هل تغيّر الوضع اليوم؟
- لا نستطيع إنكار القيمة الفنية لبعض الأسماء الكبيرة في تونس، والتي انتقاها النظام السابق لتمثيل البلاد في المحافل الدوليّة، لكن المحسوبية كانت وما تزال، الطريقة التي يتعامل بها المسؤولون في ميدان الفن. إنها مشكلة كبيرة لن نتخلّص منها، لأن وزارة الثقافة مازالت ممتلئة بوجوه من النظام السابق والذين تعودوا على هذه التعاملات "الماكينة" هي نفسها". في كل الأحوال إذا لم آخذ حقّي لن أخسر شيئا لأنهم هم الخاسرون، وأنا باقية بفني وإبداعاتي.
* عُرفتِ بأداء الأغاني الطربيّة من قبلُ، فلماذا اخترت اللون التونسي مع إدماج الإيقاع السريع في أغلب إنتاجاتك الخاصة؟
- لقد وجدتُ نفسي ألحّن "طْبوع" تونسيّة وأستخدم إيقاعات تونسيّة بسبب المخزون السمعي الذي امتلكته منذ الصِّغر، فنهجتُ على منوال موسيقى "المالوف" التونسية.
* ولماذا لم تُنتجي أغاني طربيّة؟
- أريد أن أكون مُجدِّدة وتقليدية في الوقت نفسه، أريد ملامسة القاعدة الشبابيّة التي تُمثّل القاعدة الجماهيريّة الأكبر. هذا الشباب يريد الاستماع للأغنية الخفيفة بكلمات تُعبّر عن واقعه، وعن طريق التجديد، أحاول الاقتراب من أذن السامع الشابّ. أما اللمسة الطربيّة فيفرضُها صوتي الذي يُخوّل لي غناء الطربيّات.
* ألا يمكن التعبير عن الواقع من خلال غناء اللون الطربيّ، مثلما فعل الشيخ إمام، والذي له من الشباب قاعدة جماهيرية كبيرة؟
- لا يمكن مقارنة فنان من الستينات بفنانة من الألفية الثانية، كما لا يمكنني أن أقلّد أي فنان. أريد التفرّد وإضفاء البصمة الخاصة بشهرزاد هلال. نحن نتعلّم من هذه الأسماء الكبيرة، لكني لا أريد أن أكون كالببّغاء فأقلّدهم. لديّ طابع خاصّ يؤثّث لاختياراتي التي يجب أن أفرضها، في إطار الذوق السليم طبعا، من خلال إبداع موسيقيّ يشرّفني ويكون في مستوى ثقافتي الموسيقيّة، وكأستاذة موسيقى لا يمكنني إنتاج أغنية ضحلة، ولديّ أغاني طربية بالفعل مثل أغنية "ما أظلمك" تلحين الفنان رضا الشمك، والتي تحصّلت بها على جائزة أفضل أداء بمهرجان الأغنية العربية في دورته السادسة عشر.
 المعهد الأعلى للموسيقى بتونس محروم من كفاءتي
* أنت مُتحصّلة على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون، فلماذا لا تُدرّسين بالمعهد الأعلى للموسيقى؟
- لقد ظُلمت في عهد الرئيس المخلوع، إذ تم تعييني للتدريس بجامعة قفصة وبقيت هناك لمدة خمس سنوات. تلعب المحسوبية دورا كبيرا في التعيينات، ولا علاقة لها بالكفاءات. المعهد الأعلى للموسيقى بتونس محروم من كفاءتي ومن مستواي التعليمي والثقافي. أنا مختصّة في المقامات المشرقيّة وتقنيات أداء الغناء العربي، ومن المفروض أن أكون أنا من تُدرّس طلبة المعهد هذه الاختصاصات، لكنني أحسّ وجود عدائية تُجاه شهرزاد هلال. لقد حرموني من إفادة الجيل الجديد، وهو ما أعتبره خيانة للتعليم العالي من طرف المسؤولين.
اليوم أنا أدرّس في معهد النهوض بالمعاقين في منوبة، وهو معهد للتربية المختصة المهتمة بأصحاب الإعاقات العضوية والذهنية والمصابين بمرض التوحّد، وهو اختصاص لا علاقة لي به أكاديميّا، إذ أدرّس هناك  تكوينا موسيقيّا بسيطا يتعلّق بالمبادئ الأولى للموسيقى، بينما لي إمكانية تقديم أكثر من ذلك بكثير لو كنت في المعهد العالي للموسيقى.
* هل للتكوين الأكاديمي أهميّة في مسيرة الفنان المهنيّة؟
- لم يكن الأمر مطروحاً قبل إنشاء المعهد العالي للموسيقى في الثمانينات، إذ كانت مرتبطا بالموهبة. اليوم، نجد الكثير من المطربين الحاصلين على شهائد عليا في الموسيقى، فصار الأمر عاديّا. لكن التكوين الأكاديميّ يجعل المُطرب على دراية بما يغنّيه، وبما يختاره من أغاني تتناسب وطبقات صوتِه. كما أنه يضيف للموسيقى التونسية بشكل عام وبالتالي يؤدّي إلى نهضة في الموسيقى التونسيّة. هذه الفئة من المطربين، وللأسف، ليس لديهم حظ كبير في تونس مقارنة بمطربين آخرين. ولعلّ ذلك عائد لسبين، الأول، أن أغلبهم ليس لهم القدرة الماديّة لإنتاج ألبوم،  والثاني عدم اهتمام الإعلام بالنُخبة.
* في تونس، لا توجد شركات إنتاج فنيّة بالمعنى المتكامل، لماذا؟
- مشكلة شركات الإنتاج في تونس لن تُحلّ بسبب العقلية، فرؤوس الأموال موجودة لكنها لا تريد الاستثمار في المجال الموسيقي.
* ولماذا لا تتدخّل النقابة لحل هذه المشكلات؟
- مازالت النقابة تتلمّس خطاها ومازالت غارقة في مشاكل حقوق التأليف، والمشاكل الاجتماعية لبعض الفنانين الذين يعانون ماديّا. أما وزارة الثقافة فهي تقدّم الدعم لبعض الوجوه قدر المُستطاع.
* من هم الفنانون الذين تحبّين حضور حفلاتهم؟
- أحبّ حضور حفلات الفنانين التونسيين لأنني أجد فيها متعتي وما أحبّه من نوعيّة موسيقيّة.
* ما هُو واقع الأغنية التونسية اليوم؟
- الأغنية التونسية تترنّح، فهنالك تهميش لقطاع الموسيقى الذي يعرف معاناة كبيرة زادت بعد الثورة، فالناس غير مُهتمّين بالاستماع للموسيقى. هنالك اليوم تركيز كُليّ على السياسة ممّا جعلنا نُضيّع مكسبا تونسيّا هاما هو الموسيقى التي تمثّل عنوان الهويّة التونسيّة.
للأسف لم نتحرّك كفنّانين للدفاع عن حقّنا وعن أغنيتنا، فالكلّ مشغول بنفسه، حتى بات الوضع الراهن صعبا وضاعت الأغنية في خضمّ الوضع غير المُستقرّ في تونس. كان من المفروض أن نضع اليد في اليد من أجل حقوقنا، والمُطالبة بتضمينها في الدستور، لكن النقابة لم تطرح هذه المسألة. كان من الممكن على النقابات الفنيّة إقامة مؤتمر لطرح المسألة للنقاش، لكن، لا أحد يهتمّ بغير مصلحته، وإن لم يُحسم في القضية ستضلّ مفتوحة. لن نعرف مُستقبل الكلمة الحرّة، وستبقى حريتنا ضبابية.
"الثقافة العربية آيلة للدّمار"
* أنت غنيّت في عدد من الأماكن الأثرية، إلى أيّ مدى يُعدّ تهديد هذه المعالم التي تضمّ المهرجانات الدولية بالاندثار، ضربةً للثقافة العربيّة؟ وهنا أسوق لك مثال قصر العظم بدمشق وما قد يحصل له بسبب الأحداث الدامية في سوريا.
- الوضع الأمني والسياسي متدهور لأقصى درجة في سوريا، وهو ما يهدّد بضربة قويّة للثقافة العربية، فالمعالم الأثرية التي وقع ضربها مِلكٌ للثقافة العالمية. إن الثقافة العربية آيلة للدّمار، وهو ما يهدف له بنُو صهيون والولايات المتحدة الأمريكية لتحطيم الحضارة العربية. ويقابله صمت عربيّ تامّ مع مساهمة بعض البلدان العربية في هذه الجريمة النكراء. نحن لا ندري ما هو مصير الثقافة العربية في ظِلّ هذا الوضع المُزري.
* ماذا تتمنّيْن للعالم العربي عامة؟
- أتمنّى أن لا تقضي الأحداث الدامية على المكاسب الإنسانية للعالم العربي من آثار ومواقع تاريخيّة، أتمنّى صحوة في أذهان الزُعماء العرب لإنقاذ ما تبقّى من شرفنا وكرامتنا.

المُطربة التونسية شهرزاد هلال

 

جائزة أفضل أداء بمهرجان الأغنية العربية(1)

الزميلة الثريا رمضان سكرتيرة تحرير " وكالة أخبار المرأة " مع الفنانة شهرزاد هلال