سالمة صالح أديبة نقف بإندهاش لحالتها الإبداعية. تجتمع فيها عدة مواهب فهي روائية و كاتبة قصص قصيرة و مترجمة و رسامة. إنها تعطي لكل موهبة حقها من الخلق و الإبداع. عملت سالمة صالح صحفية في الصحف العراقية ولعبت دورا مهما في الدفاع عن حقوق الإنسان خصوصا المرأة العراقية ونضالها من أجل التحرر. حول مسيرتها في عالم الكتابة كان لـ " وكالة أخبار المرأة " معها الحوار الآتي:
* في البدء نود منك لمحة خاطفة عن حياتك الشخصية.. من تكون سالمة صالح؟
- ليس في حياتي الشخصية ما هو استثنائي. لقد عشت في طفولتي "حياة جد عادية، حياة آلاف من الأطفال، يقدم العالم لهم نفسه في العشبة التي تنبت بين بلاطات الأرض، في الدودة التي تفاجئ أصابعهم وهم يحفرون التراب وفي لسعة النحل...."
لكني أفضل أن أقدم نفسي من خلال النص، لذلك سأحيل القارئ إلى التحولات، النهوض، زهرة الأنبياء، شجرة المغفرة، البحث عن الخلندق، كالكانج، واالهاوية التي وضعتها في يد الناشر في ديسمبر الماضي وأتوقع صدورها هذا العام.
* برز إسمك في عالم القصة القصيرة فما سر إختيارك لهذا الجنس الأدبي تحديدا؟
- كانت ثمة عوامل مختلفة تجعل الكاتب يختار هذا النمط الأدبي يومذاك، منها الوقت المتيسر للكتابة وإمكانات النشر. لم يكن نشر الكتاب أمرا متيسرا وكانت الصحافة الناشر والمروج الوحيد للأدب، لم تخلُ صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية من صفحة للأدب. أظن أن القارئ كان يفضل أيضا قراءة نص قصير في فترات فراغه. هذا لا يعني أن الكاتب كان يفكر في ظروف النشر عند كتابة القصة، لكن هذه الظروف أثرت بشكل أو آخر على ازدهار هذا النمط الأدبي أكثر من غيره.
كانت القصة بالنسبة لي ولا تزال عملية اكتشاف أو إعادة اكتشاف على الأقل. إنها إضاءة تفاصيل تقع في مناطق مظلمة وزوايا خفية لم يكن القارئ قد انتبه إليها من قبل، وما كان ليتعرف عليها دون عون.
* حدثينا عن مجموعاتك القصصية؟
- لقد بدأت كتابة القصة في وقت مبكر وصدرت أول مجموعة لي وأنا في التاسعة عشرة، لا بد أنني في ذلك الوقت اعتقدت أن لدي ما أرويه، ما أجعله منظورا. بعد ذلك بسنة كنت قد أنجزت كتابي الثاني وحملته إلى المطبعة، كتبت القصص بأسلوب تقليدي، فثمة مقدمة وعقدة وحل. في الفترة التالية كتبت نصوصا أدبية قصيرة لمجلة القنديل ثم للإذاعة ونشرت قصصا قصيرة في الصفحات الأدبية.  في مجموعة "التحولات" التي صدرت بعد سنوات حلت الدلالة الفلسفية محل الموعظة، وكان هذا يتفق مع الشروط الخارجية التي لم تكن تسمح بقدر كبير من الحرية في تلك الفترة. في "زهرة الأنبياء" يكتسب النص قوته من قدرته على تناول الحياة العادية دون أن يسقط في التقرير، تكتسب اللغة فيه أهمية واضحة، نفس اللغة الواضحة المقتصدة التي يجدها المرء في قصص شجرة المغفرة. 
* كيف جاءت سالمة صالح إلى عالم الرواية؟ هل هي خطوة لتجريب جنس أدبي آخر بعيدا عن القصة؟
- أظن أن الفكرة هي التي تحدد الجنس الأدبي للعمل. تعدد الشخصيات وامتداد الفترة الزمنية واختلاف الأمكنة يجعل الرواية الجنس الأكثر ملاءمة للعمل. وإذن لم تكن المسألة مسألة تجريب.
* ما رأيك في مقولة الروائية المصرية رضوى عاشور:" يحتاج الروائي إلى مهارة الحكي التي تمكّنه من جذب اهتمام القارئ والاحتفاظ بانتباهه. الحكي في تقديري أساسُ الرواية، ومهارةُ الحكي شرطٌ من شروط كتابتها".
- لا شك أن الروائي بحاجة إلى الحرفية، لكنها ليست شرطها الوحيد، فقد يتحول"الحكي"  إلى ثرثرة لا تخدم العمل الأدبي. ثمة شيء يصعب تحديده أو تعريفه يجعل من عمل ما عملا جيدا يميزه عن أعمال أخرى ربما تناولت نفس الموضوع. أستطيع أن أقول عن رواية "المريض الانكليزي" مثلا إنها رواية جيدة، ليس بسبب موضوعها، إنه ذلك الشيء الخفي الذي لا يتيسر لكل كاتب. يمكن أن أقول الشيء نفسه عن رواية "ليون الأفريقي" وروايات أخرى لأمين المعلوف. 
* شخصيات أعمالك القصصية  والروائية، هل تأخذينها من واقع معاش أم أنها محض خيال لا أكثر؟
- بعضها من الواقع وبعضها الآخر من الخيال وبعضها مزيج منهما معا. حين أقول من الواقع لا أعني النقل الحرفي للواقع، فليس النقل الحرفي وظيفة الأدب.
* بين الصحافة و كتابة القصة والرواية تشكلت عوالمك، إلى من تنحازين تحديدا؟
- كتابة النص الأدبي بوجه عام والقصة بوجه خاص. لم تكن الصحافة سوى العمل الأقرب إلى العمل الأدبي، من هنا فإن أغلب الأدباء اتخذوا من الصحافة مهنة لكسب عيشهم، كذلك فعلت. 
* هل أنصف النقد أعمال الكاتبة سالمة صالح؟
- أود أن أوضح في البدء أن القليل مما يكتب في الصحف وحتى ما ينشر في المجلات الأدبية لا يرتفع إلى مستوى النقد، إنه في الاغلب عرض للكتاب أو وجهة نظر قارئ قد لا يكون جيدا بالضرورة. وإذن سنتحدث عن النقد.
عشت مثل عدد كبير من الكتاب العراقيين حياة مشطورة. كان تداول أعمالنا خلال أكثر من ثلاثة عقود ممنوعا في العراق، نشأ خلال ذلك جيل جديد من الكتاب لا يعرف سوى الكتاب المرتبطين بمؤسسات السلطة والذين نالوا قدرا كبيرا من الدعاية، كما نشأ جيل من القراء لم يقرأ للكتاب الذين أثَّروا في الثقافة وأثرَوها في سنوات الستينات.
بالمقابل كان النشر خارج العراق في فترة لاحقة فرصة للوصول إلى القارئ العربي والناقد العربي على السواء. تغير الحال بعد صدور "زهرة الأنبياء" عام 1994 في دمشق. من هنا فليس لدي سبب للشكوى من عدم إنصاف النقد.  ثم أن علاقتي منذ البداية كانت علاقة مباشرة مع القراء، ولا اعتقد أن ثمة من يدعي أن القارئ العربي من خارج الأوساط الأدبية يسترشد بالنقد حين يختار كتابا للقراءة.  
* حدثينا عن تجربتك في ميدان الترجمة؟
- حين يتعلم المرء لغة أجنبية ويجد متعة في قراءة أدبها تطرح الترجمة نفسها كنشاط عرضي في البدء، رغبة من المترجم في أن يشاركه الآخرون متعة القراءة، وقد يجد الكاتب بعد حين في الترجمة متعة كما في الكتابة. الترجمة الأدبية ليست النقل القاموسي للكلمات، إنها عمل إبداعي، إعادة خلق العمل الأدبي باللغة المترجم إليها. كان أول عمل ترجمته هو "العام الثلاثون" مجموعة قصص للكاتبة النمسوية إنغابورغ باخمان" وهو لا يزال أحب الأعمال التي ترجمتها إلي. ترجمت بعد ذلك أعمالا عديدة لكتاب مختلفين. 
* كيف تصفين تأثير العولمة على الثقافة العربية اليوم؟
- أعتقد أن العولمة أثرت تأثيرا سيئا على الثقافة الجماهيرية بوجه عام. حل التقليد محل الإبداع، أصبحت الشركات الكبيرة تمنح ترخيصات لإنتاج برامج تتكرر في كل محطات العالم وبكل اللغات. وتسهم مواقع الانترنيت في نشر أغاني يقاس نجاحها بعدد مشاهديها في يوتيوب، ثم لا تلبث أن تتلاشى مثل فقاعات، ولا ينتج التلفزيون المادة الإعلامية فقط وإنما يسهم في خلق ظواهر مثل هستيريا المعجبين بمغني أو فنان وينظم لهم التجمعات ويوجه سلوك جمهور كرة القدم . لم يطل هذا الأدب إلا بشكل محدود لحسن الحظ، لأن الكتابة الأدبية هي عمل فردي بالدرجة الأولى وهي تحتاج إلى وقت.
* كيف تمكنت سالمة صالح من تحقيق معادلة التعبير عن أحاسيسها بالرسم؟
- الرسم والموسيقى والكتابة كلها طرق للتعبير، يبدأ الطفل بالتعبير بالرسم قبل أن يتعلم القراءة والكتابة. لقد بقي الرسم بالنسبة لي طريقة للتعبير إلى جانب الكتابة. ثمة انفعالات يكون الرسم هو الطريقة المناسبة للتعبير عنها.
* في ظل المرحلة التي يمر بها المجتمع العربي والأخطار التي تهدد هويته، ما هي مهمة الأدب في رأيك؟
- لا تتحقق مهمة الأدب في تشكيل الوعي الفردي والعام على السواء في وقت قصير. والأعمال التي تكتب بعجالة كرد فعل أو استجابة للأوضاع السياسية المتغيرة قد تجد قراء متحمسين لدى صدورها، لكنها تقترب كثيرا من العمل الصحفي المرتبط بالحدث.
يجب أن أذكر هنا أن الأدب يجب أن يكون مقروءا أولا ليكون مؤثرا. وإذا ما راجعنا عدد الكتب المطبوعة في الوطن العربي ونسبته إلى عدد السكان سنجده ضئيلا جدا.
* كلمة ختامية؟
- من أجل النهوض بالثقافة يجب أن نهتم بالمعلم أولا، يجد الكاتب دائما مدخلا إلى وسائل الإعلام لقول كلمته، بينما لا ينال المعلم ما يستحقه من الاهتمام على مختلف الإصعدة رغم أنه من يضع الأسس لما ستكون عليه ثقافة المستقبل.