تستطيع أن تشاهد فيلماً سينمائياً مثل «ذا كارتيه كيد»، بل يدلك عليه إعلان كبير ملون على صفحة كاملة في صحيفة «الحياة»، يدعوك للتمتع بمشاهدته، ومن دون أن تدفع قرشاً واحداً، لكن ليس في دُور العرض السينمائية الممنوعة في بلادنا، بل وأنت جالس على المقعد في منزلك، على قناة «إم بي سي 2 السعودية»!
هل تريد مهرجان سينما سعودياً؟ حتى هذا ممكن، فما عليك إلا أن تدير قناة «روتانا خليجية» لتحظى بمشاهدة أفلام شباب سعودية وتستمع إلى تعليقات لجنة نقاد سعوديين. هذا غير القنوات الهائلة والمتخصصة في الأفلام، بعضها تحت الطلب مدفوع الثمن، وبعضها مجاني. وإن كنتَ تقول: إن عدم وجود دُور عرض سينما في السعودية كفيل بانعدام أي حركة سينمائية سعودية فأنت مخط‍ئ، فهناك عشرة أفلام أخرجها ونفذها وصورها ومثلها سعوديون شاركت العام الماضي في مهرجان السينما الخليجي في دبي، وكل عام تشارك بأعداد تفوق هذه العدد، لكن، من المفارقات أن مهرجان دبي السينمائي الخليجي الماضي اختار فيلماً سعودياً، كي يفتتح به المهرجان، لأن هذا الفيلم حصل على ثلاث جوائز في مهرجان السينما الدولي في دبي لعام 2012. والمفارقة الأشد سخريةً أن مخرجته امرأة سعودية هي المبدعة هيفاء المنصور! كيف يحدث هذا في بلاد تمنع صالات العرض السينمائية؟! وكيف تنمو حركة في ظل هذا المنع والحجب؟!
هناك قانون يقول إنك لا تستطيع أن تمنع حاجات البشر الطبيعية للحياة والتأمل والإبداع والتفكير، وإن فعلتَ وأقفلتَ في وجهها الباب فستدخل من الشباك، والسينما فن يعبّر عن الحاجة الإنسانية للتأمل والفهم والتمتع والتذوق، وكذلك هي تمارس دوراً تهذيبياً فترتقي بحس الإنسان، والناس تحتاج إلى الترفية كلما تحسن نوع الحياة، لهذا فإن جمهور السينما في البحرين القريبة منا- ووفق ما نشرت صحيفة «إيلاف» - 95 في المئة منه سعوديون. وقد لا تحتاج إلى إحصاء كهذا، إذ تكفيك مشاهدتهم وهم يملأون بهو الصالات في مدينة دبي في العطلات، أطفالاً وكباراً، عائلات وشباباً، وقد دُهشت حين قابلتُ سيدة أعرف عنها تشدداً وتزمتاً، وهي تدخل السينما، وحين عبّرت لها عن دهشتي، قالتْ لي: «من أجل الأطفال»، لكن الأطفال ليسوا وحدهم الذين يعيشون هذه التناقضات. السينما متاحة في البحرين وفي دبي، لكن ممنوعة في بلادهم، وحلال في دبي وفي البحرين وفي التلفزيون وفي محال بيع الأفلام السينمائية، بينما حرام في صالات العرض وفي مراكزهم التجارية، حتى الكبار يدخلون الفيلم ويسعدون، لكنهم حين يخرجون يقولون: «نعم، ولكن هذا لا يصلح في بلادنا».
ليست السينما وحدها التي واجهتْ عنتاً في دخولها بلادنا، فكثير من وسائل النقل والاتصال والترفية قابلتْها دورة من التشدد والرفض، مثل الأطباق اللاقطة التي أسفرت عن تجارة سوق سوداء باعت عشرات الآلاف بمبالغ خيالية وتربح منها كثيرون، كذلك حدث مع أجهزة الهاتف المحمول بكاميرا، ثم اكتشف التجار أن الجميع يشتريه وأنهم يخسرون بقفل الأسواق من دونه. الأمثلة لا تنتهي، فلمَ بقيت السينما تحت الحظر لدرجة أن المخرجة هيفاء المنصور حين فتشت عن مكان لعرض فيلمها الفائز بالجائزة لم تجد غير بهو السفارة الأميركية في السعودية؟ هكذا سيسهّل على تيار المتشددين أن يرموا الراغبين في مشاهدة هذا الفيلم بأنهم من «زوار السفارات»، والمثل يقول: «تهمتين في الرأس توجع»! الله يعينك.