نعاني في مجتمعاتنا الشرقية من أزمة الشرف المزعوم الذي يتقزّم ليختصر في المرأة دون غيرها من قيم الشرف وأخلاقياته؛ويرجع ذلك إلى الجهل والسلطة الأبوية المفرطة في عدائها نحو المرأة،والمعلية من قيمة الرجل في إزاء تحقير المرأة بكلّ المقاييس،ولذلك ليس من الصّعب أن نجد هذا المجتمع السلطوي الذكري يقيد المرأة ويقصيها،ويبتدع أشكالاً ومحددات اجتماعية لا يمكن إلاّ أن نصفها بالجائرة من أجل سحق المرأة،وما قضية الشرف المزعومة المرتبطة بالمرأة دون الرجل إلاّ شكلاً من أشكال الإرهاب الذكوري في المجتمعات الشرقية تجاه المرأة المغضوب عليها في كلّ الأحوال لاسيما إن حاولت أن تعتزّ بإنسانيتها وقراراتها وحياتها.
     ويحاول الكثير أن يعلّق هذه الأزمة على مشجب الدين لاسيما الإسلام،والحقيقة أنّ الدين الإسلامي بل والديانات السماوية جميعها بريئة وربها من كلّ عيوب الإنسان ومخازيه،ولكنه الإنسان هو فقط من يحترف خلق أشكال العنف والتطرف والعنصرية والظلم،ثم يبدع في إلباسها لبوس الأخلاق والأردية الاجتماعية،تحت مظلة سلطة الرجل الذي يتمترس خلف متاريس المفاهيم الاجتماعية والعادات والتقاليد من أجل أن يدجّن المرأة،ولذلك لابأس أن يخترع قضية الشرف المزعومة التي يقزّمها ويعرّيها من كلّ أشكالها،ليختزلها في رداء امرأة ما!!!
      وفي هذا الصّدد نستطيع القول بكلّ جرأة أننا في حاجة إلى هذه الصيغة منذ زمن طويل،وهذا الصيغة لا نحتاج إعادة بنائها،بل إيقاظها من سباتها،فديننا وحضارتنا وثقافتنا قدّمت هذه الصيغة منذ قرون طويلة،وأهدتها للبشرية نبراساً للحضارة والتواصل والبناء والمعمار الإنساني،لتقيم عليها أركانها الأخلاقية والإنسانية،وهذه الصيغة تقدّم الشرف في صيغة فضفاضة تحتوي كلّ مفاهيم الأخلاق من صدق ومحبة وتعاون وإخلاص وانتظام...الخ ،وترفض أن تجعل الشرف مجرد سلاح آثم يرفع على المرأة فيما هبّ ودبّ.
      وباختصار إنّ الرجل في حالة إفلاسه الإنساني والأخلاقي والديني والمعرفي والحضاري،وتأرجح مفاهيمه بين الجهل والرجعية والتبعية،يغدو مفرغاً باحثاً عن أيّ دليل يؤكد زعامته ووجوده وأهميته وريادة وسلطته في ظلّ منظومة سياسية واجتماعية وحضارية في الغالب تقهره وتسحقه وتسوطه دون رحمة،فلا يجد متنفساً له يفرغ فيه غضبه،ويثبت له أنّه رجل حتى ولو كان عنيناً ومفلساً إنسانياً وحضارياً غير المرأة بالحجر عليها،والتضيق عليها،وتعذيبها،وتجريمها متى شقت عصا طاعته بسلطة الشرف المزعومة!!!
   وبصدق وصراحة  نقول إنّ المجتمع الذي يعاني  من مثل هذا التعسّف والسلطة الجائزة هو باختصار مجتمع متهاوٍ ضعيف متناقض وداعر،حتى ولو كان يلبس لبوس العفاف والطهر والشرف المزعوم؛لأنّه بكلّ اختصار يجرّم المرأة بسلوك ما،ويغرّمها عليه غرامة جائرة قد تصل إلى حدّ دفع حياته مقابله،ولو كان ذلك في حظيرة الشك والظّن والاتهام،في حين يبرّأ الرجل من نفس الجريمة،ولو كانت ثابتة عليه،ويصفه بالفحل والرجل والشجاع!! فأي نظام اجتماعي هذا الذي يعاقب الأضعف في الجريمة،ويسامح المجرم الأقوى؟ لا شكّ أن مجتمع بهذا الشكل هو مجتمع زائف يدعي الأخلاق والتماسك والشرف،ويبطن التهتك والانحلال والعهر،وهذا الأمر لايضرّ بالمرأة بالدرجة الأولى فقط،فيمنعها من حقوقها وإنسانيتها ،ومشاركتها الطبيعية في معمار الحضارة والبناء،بل هو يضرّ الرجل على المدى غير البعيد،ويهدده بالضياع كذلك.
     الحلّ الوحيد لهذه المشكلة هو أن نشكّل صيغة جديدة للشرف بل ولحياتنا عبر عودتنا الحقيقية لا الشكلية المتعصبة إلى ديننا الإسلامي الذي يقدّم لنا مفهوماً حقيقياً لوجودنا وسلوكياتنا ورسالتنا حيث الصيغة المقدسة والسحرية للسعادة والعدل والنماء والخير.ليغدو الشرف عند أيّ إنسان يحترم إنسانيته وإنسانية الآخرين،ويدرك رسالته في الحياة يجب أن يكون منظومة حياة وسلوك وبناء ونماء،لا مجرد آلة همجية تسلّط على رقاب المرأة متى تخيّل أيّ رجل مأفون أنّه آن الأوان لإنهاء حياة امرأة ما لأي تهمة يراها أو يخترعها أو يبتدعها بحجة الشرف.
      أعيد وأكرر أنّ الدين براء من هذه الهمجية الذكورية السلطوية البشعة،ولكن الرجل وحده هو من صاغ الشكل الاجتماعي الجائر الذي يحاصر المرأة ويضطهدها،والمرأة بجهلها وضعفها وانصياعها هي من ساهمت في تعزيز هذا الاستلاب،أعتقد أنّ الرجل والمرأة كليهما في حاجة إلى إعادة بناء وتحرير من الجهل،لتتغيّر أقدارهما في الحياة.