"اسمي مْباركة، بالله لو شفتو مكتوب على التلفزة إلّي قدّامك قلّي، راني ما نعْرفش نقرا". جملة ردّدتها مباركة على كلّ من جلس أو مرّ بجانبها في قاعة الانتظار بالسّفارة الفرنسيّة. كانت جميعُ الوُجوه تُعانِقُ الشاشة المُعلّقة، إلاّ مْباركة. كانت تعلمُ أنّهم سيكتبون اسمها لتُقابل من سيهتمّ بأمومتها الغارقة في أشواق، رسمتْها على جواز سفرها الصغير. لكنّها لم تكن مُقتنعة أنهم قد يُقفلون باب السفر في وجهها بختْم صغير. جلست بثوبها المُزركش كفَرحِها في انتظار أن يُفتَح باب الجنّة لتدخل فرحاَ بعِناق من حملتْه أحشاؤها. أَلَنْ يفتحَ على الجنة؟ كيف لا، والرحم الذي اختلط بدم وليدها يجعل الجنّة تحت أقدامها.
وجهٌ بسَمار شمس المتوسّط المُغرية بالاستفاقة المُبكّرة، لعجن خبز "الطابونة"، وحلْبِ الماعز، وتجهيز مائدة الفرح لعائلتها. وجه يكشف عن تعاريج وطن. وطنُها؟ أم وطن كلّ من سكن دارها؟ ومن تربّى بين أضلعها. أحد السّكان زرع وردة في أرضها ثمّ رحل. اليوم تبحث عن تأشيرة لتحمل له أنفاس تلك الوردة. هي تحمل أوراقها وجواز السفر كمن يحمل طفله بين أحضانه. التأشيرة، إنها ورقة إثبات أنها مازالت حيّة وأن طفلها لم يُفطم بعد من ثدييْها. هي إثبات لكل من جلسوا في القاعة أنها لم تكن تُنبِتُ الهباء حين حبلتْ بذلك المُغترِب خلف الحدود القاسية.
هناك، حيث يقطن ابنها، وينتظرُ أُمّه لِتحمل له رائحة طفولته، زرع رجلٌ زهرة من حنين، وعَمّر بيتا فيه رائحة المطر، تلك التي كانت تُغرق أمه فجرا وهي تأخذه إلى المدرسة. فيه بُستان من زهر اللوز، ذلك الذي كان يقفز ليُمسك منه شيئا في ربيع أحلامه. لكن بيته يرسم أيضا تضاريس غُربته على ذاكرة الوطن الحيّ فيه. لم يكن يبدأ نهاره إلا بدعوات أمّه له خيْراً، وقُبلة على جبينها ليُبارك الله نهاره. صار اليوم مُجرّد اسم منفيّ في وطن الجيران. ينتظر أن يهلّ عليه المساء ليسمع صوت أمه الحنون يبشّره أنها قريبا ستُنبت في بيته شجر الزيتون. الوطن هو أمّه قبل الأرض، فلولاها ما كانت الآرض، ولولاها ما نبتت سنابل في حقل والده. كانت تصحو فجرا في مواسم الحصاد، ليأكل الخبز شهيّا من يديْها اللامعتين، ويأكل رغيف عرقِها طوال السنة. لولاها لما كان اليوم في غربته أستاذا يبني جيلا في جامعة كُبرى، ولولاها ما نضج الحب في قلبه.
ظهر اسمُها على الشاشة، فنهضت إحدى النساء مُسرعة إلى مُباركة "مباركة، كتبوا اسمك"، وأخذتها نحو المكتب عدد 21، كأنما أمها التي تنتظر مساعدتها في شيخوختها. هكذا هنّ النساء في بلد الخضراء، يحملن قلوبا من ذهب، فكيف لمباركة أن لا تكون سيّدة المكان في ذلك اليوم المرهق للجميع. يوم، وقف فيه المنتظرون طوابير كلما دخلوا إحدى غرف السفارة، ولم يكِلّوا، ولم تكلّ مباركة نفسها، ولا من ساعدتها. حلمات خرجت من المكتب 21، التقتها المرأة نفسها، كأنّما كانت بانتظارها لتُساعدها على إنهاء مشوارها الطويل. أخذتها للخزنة كي تدفع ثمنن التأشيرة، تلك التأشيرة التي قد لا تجهز أبدا. لكن مباركة كانت تدري أنها ستحتضن ابنها إن آجلا أم عاجلا.