في حلقة اليوم من «سجالات»، نتناول موضوع حقوق المرأة السياسية والاجتماعية في دول الخليج العربي. ونطرح فيما يلي سؤالين متصلين بهذا الموضوع، على 4 شخصيات نسائية خليجية بارزة. السؤال الأول هو: هل أنتِ مع الإصلاح المتدرج.. أم تعتبرينه ذريعة لحرمان المرأة من حقوقها؟ وتجيب عنه إقبال الأحمد، رئيس التحرير السابق لوكالة الأنباء الكويتية، والكاتبة والباحثة السعودية حصة آل الشيخ. والسؤال الثاني هو: هل المرأة في بلدك جاهزة حقا للحصول على حقوق سياسية واجتماعية أوسع؟ وتجيب عنه الأكاديمية والسياسية البحرينية الدكتورة منيرة فخرو العضو القيادي في جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)، والناشطة السعودية منى العنقري المديرة التنفيذية للقسم النسائي في الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
هل أنت مع الإصلاح المتدرج.. أم تعتبرينه ذريعة لحرمان المرأة من حقوقها؟
نعم- .. لكنه مهدد اليوم بالأصولية التي حملها «الربيع العربي»
إقبال الأحمد الإعلامية الكويتية ترد على السؤال بالقول:
نعم، أنا مع الإصلاح المتدرج، خاصة في مجتمعنا الخليجي الذي اختفت فيه المرأة من المشهد السياسي فترة طويلة تصدر فيها الرجل المشهد بكل أشكاله؛ السياسي والاجتماعي والاقتصادي.. وظلت المرأة رهن انفتاحه وعلو ثقافته في محيط الأسرة والعمل وفي محيط السلطة.
المرأة الكويتية كانت سبّاقة إلى قطف ثمار انفتاح نظامها السياسي ودستور بلادها، الذي كانت مسطرة الحقوق فيه واحدة للمرأة والرجل، وهو ما ساعد على نيلها حقوقها السياسية في الترشيح والانتخاب، مقارنة بشقيقاتها الخليجيات.
ومنذ حصلت المرأة الكويتية على حقوقها السياسية منذ أكثر من 7 سنوات، بدأت تقفز في إنجازاتها السياسية، فأصبحت نائبة في البرلمان ووزيرة، علما بأنها كانت أول امرأة خليجية تتقلد منصب مديرة للجامعة وسفيرة.. وهذا ليس بجديد عليها، لأنها من أولى نساء الخليج اللاتي ابتعثن للتعليم في الخارج منذ الخمسينات من القرن الماضي.
ولعل تطورات الأحداث في بداية التسعينات، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، دفعت بعجلة حقوق المرأة في منطقة الخليج وعجلت من وتيرتها، بعدما كانت لفترة من الزمن موضوعا محليا لا يجوز التدخل فيه من الخارج. ذلك أن هذه التطورات جعلت من المرأة وتمكينها سياسيا واجتماعيا موضوعا ملحا في سبيل تحقيق هدف عام يمكن من الوصول إلى الإصلاح الذي من شأنه الحد من كل الظواهر المتطرفة التي تدور في فلكها كل أنواع الإرهاب بكل أشكاله. ولأن المرأة هي أصل التربية، أضحى الاهتمام بها موضوعا ذا أولوية تحتم الالتفات إليها والاهتمام بها. ومن ثم، أصبحت المرأة العربية بعد هذا التاريخ محط اهتمام استثنائي.
من جهة ثانية، لا شك في أن موضوع تمكين المرأة في الخليج أصبح مطلبا أكثر منه بهرجة، مع موجة الإصلاح والتنمية التي بدأت تدب في حياة المجتمعات الخليجية خلال السنوات الأخيرة. وهذا أمر حتم إشراك المرأة في هذه الدائرة، من خلال مشاركتها في البناء والتنمية. ويلاحظ أن المبادرات التي قامت بها أنظمة دول الخليج لمنح المرأة بعض حقوقها، خاصة في المجال السياسي، كانت متقاربة زمنيا، الأمر الذي يبين أنها (أي الأنظمة) آثرت تلقائيا تقديم مبادرات منها للمرأة قبل أن تجد نفسها مضطرة لها، ومفروضة عليها من الخارج. وهذا من شأنه أن يثير ألف سؤال، في حال التفكير بالتراجع عن فكرة التمكين أو حرمان المرأة من حقوق سبق أن حظيت بها.
ولأن العالم أصبح اليوم قرية صغيرة وعالما مفتوحا ومتقاربا، ما عاد ممكنا لأي مجتمع بأي حال من الأحوال البقاء منعزلا، بحجة العادات والتقاليد، والانسلاخ بأي شكل من الأشكال. إلا أن ما يقلق اليوم هو الصبغة الدينية لثورات ما يسمى بـ«الربيع العربي» في بعض الدول العربية، التي من شانها أن تعيد المرأة العربية إلى ما يقرب من المربع الأول، حيث مكان المرأة بيتها.
ومن شأن الدعوات الإسلامية التي توازنت مع الثورات العربية الأخيرة، والتي احتفظت بحقها من التغيرات كما تدعي، أن تسحب المرأة وكل إنجازاتها إلى الوراء ما لم تقف المرأة نفسها أمام هذا المد الأصولي الذي يتعامل مع المرأة من زاوية ضيقة جدا جدا.. تتجرد فيها المرأة من كثير من المكاسب التي تحققت لها في عشرات السنوات الأخيرة، وتنتصر للإنجازات التي حققتها لتستمر في كسب مزيد من حقوقها التي حصلت عليها.
وبما أن بناء المجتمعات وتنميتها وتقدمها تقوم على الشراكة بين المرأة والرجل، فذلك حتما يتطلب إتاحة الفرصة والمجال أمام المرأة لتقوم بدورها، من خلال المشاركة في اتخاذ القرار والتشريعات التي من شأنها منح المرأة المزيد من حقوقها التي لا تزال قيد التفكير.. وأيضا تؤكد أهميتها كالرجل في بناء الأوطان.
إن التدرج في الإصلاح، خاصة فيما يخص المرأة، أمر مطلوب لكي تستوعب المرأة حقوقها وأدوارها ومشاركتها، خطوة خطوة، ولتتفهم هذا الدور، شأنها شأن أي حقوق مكتسبة يبنى بعضها على بعض. ويكمل بعضها البعض.. فالمرأة لا يمكنها التحدث والمطالبة بحقوق سياسية متقدمة، بينما هي تعاني من فقدان أبسط حقوقها الاجتماعية، ولكن هذا لا يبرر أبدا أن تستغرق المرأة لاستكمال حقوقها الفترة الماضية نفسها.. وذلك لأن المعطيات الحالية والظروف المحيطة لم تعد جامدة، كما كانت سابقا، ولم تعد مغلقة كما كانت سابقا، ولم تعد منعزلة كما كانت سابقا.
وهذا ما يؤكد أن الإصلاح المتدرج اليوم لا بد أن يكون بوتيرة أسرع، وبخطوات متسارعة أكثر.. شرط أن لا تسحبها حبال الإسلام الأصولي وخيوطه، وهو ما نشعر اليوم به تهديدا يحاول سحب المرأة إلى الوراء، إلى حيث بدأت المسيرة، عشرات عشرات السنين الماضية.
هل أنت مع الإصلاح المتدرج.. أم تعتبرينه ذريعة لحرمان المرأة من حقوقها؟
لا- الحقوق لا يجوز تعطيلها لا بمنع ولا بتأخير عن أصحابها.. مهما كانت الذرائع
حصة آل الشيخ الكاتبة والباحثة السعودية توضح التالي:
لإيماني بأن الحقوق لا يُستفتى عليها، فنظرتي إلى نظام التدرج أنه نظام تأخير متَعمد يتحايل على الحقوق بغية تعطيلها، كحال الاستفتاءات المتكررة على حقوق المرأة، وكأن هذه المرأة كائن هبط من كوكب آخر وليست مخلوقا إنسانيا كالرجل.
الحقوق لا يجوز تعطيلها لا بمنع ولا تأخير عن أصحابها مهما تذرع به المتذرعون من حجج، بل إنه وبسبب تأخير الحقوق الطبيعية للمرأة نحتاج إلى قفزات على مستوى إنساني راقٍ لتعويض المرأة ما فاتها من أصل حقوقها وفروعها.. وما يجري من تعطيل أو تأجيل بحجة التدرج إن هو إلا محاولة مستميتة من قِبل مُتمصلحي التعطيل ليدوم الحال على ما هو مسكوت عنه أو محجوب من حقوق على مر الزمان.. والحقيقة: نزاول ضربا مقيتا من الكفر الأخلاقي بمنع الحقوق.
وتحضرني هنا مقولة عظيمة لعالم الاجتماع والتاريخ الدكتور علي الوردي رحمه الله: «إننا اعتدنا أن نتصور الزمان منفصلا عن المكان، ولكن الزمان امتداد في الفضاء، فالزمن لا يسير، إنما هو واقف في مكانه ونحن الذين نسير في الواقع، حيث ننتقل من نقطة إلى أخرى على امتداد خط الزمان المديد.. إن راكب القطار السريع يتصور حين ينظر من النافذة أن ما حوله يتحرك وهو واقف، على هذا المنوال يتصور الإنسان الزمان متحركا بينما هو في الحقيقة ساكن، فالمستقبل لا يأتي إلينا إنما نحن نذهب إليه، فهو موجود (هناك) في نقطة من نقاط الزمان».
هذا الفهم العميق لحركة الزمان، المستقبل منه بالذات، يدلنا على عقوبة ونتائج التأخير، بحيث يسجل الآخرون نقاطا تقدمية على خط الزمان، بينما نحن نقف على نقطة منه لا نبرحها. إذن نحن بحاجة إلى قفزات سريعة وجريئة لنسجل نقاطا متقدمة نعوض بها ما فاتنا، لا أن نقف على نقطة منه نتشدق فيها بتراث ماضٍ غابر من الزمان.
أما عن الجاهزية، فما الجاهزية المقصودة أكثر من توافر امرأة لاقت حظا ونصيبا من العلم والمعرفة والدربة والخبرة، وتنتظر ترجمة قدراتها ومهاراتها في جميع المناصب كالرجل تماما؟ هل بعد هذا جاهزية؟! الجاهزية ليست مصطلحا هلاميا، بل هي إنسان وواقع يهب الكفاءة جل اهتمامه. والسؤال، إذن، هل ثمة نضج معين ينبغي أن تبلغه المرأة حتى تصبح أهلا لحقوقها؟
ولأن الأمر دائما مرتبط بالحرية، فالعقل هو أول ما يجب تحريره من مقولات الانتقاص للمرأة، التي تناصب الكرامة الإنسانية العداء تجاه مواقفها المأزومة باعتبارها جنسا لا يقبل المساواة بالرجل في الحقوق القانونية والكفاءة والمناصب. وهذه ثقافة ترسخ للرجم بالغيب؛ فتتوقع فشل المرأة دونما امتحان، وهي نتيجة حتمية لإسقاط قيمة الحقوق بعنصرية وتعصب ذكوري..
يقول الفيلسوف الشهير إيمانويل كانط: «لا يمكن للمرء أن ينضج للحرية إذا هو لم يوضع من قبل في حالة حرية». ولأن الحقوق تعول على الحرية، يمكنني القول: لا يمكن للإنسان أن ينضج لتقدير الحقوق ما لم نضعه من قبل في حالة حقوق. فحقوق المرأة التي صودرت منذ غابر الزمان هي التي فرعت الحقوق على أساس الجندر، والوعي لا يزال مأزوما بهذا التقسيم اللاإنساني الذي يتكالب عليه مغيبو الأنسنة في كل مكان وزمان. هذا التقسيم الجندري الأبوي السلطوي هو ما جعل حقوق المرأة دائما إن لم يطلها التغييب فستؤول للتأجيل، وكأنهم يستشيرون بصمة الذكورة في عقولهم ويهادنونها قبل السماح للمرأة بحق من الحقوق، وهو شأن المؤدلجين بثقافة التراث الغابر اللاإنساني الذي ينطلق في تعامله مع المرأة من غريزته لا من إنسانيته.
والحق؛ ليس أكثر من مَفسدة لحكم «ما» مثل مواطنة منقوصة، المواطنة التي لا تحمل القدر نفسه من الاستعداد الطبيعي للهوية والمسؤولية الوطنية.
وحده تغيير وعينا بالإنسان كفيل بفتح الطريق أمام التصحيح الحقوقي، والتصحيح كما أنه لا يتقبل التجزئة فهو لا يحتمل التأخير.. أنسِن الحقوق، هيِّئ الأرضية وقدم صياغة الكفاءة القانونية على أساس ينهض بالمقدرات والحظوظ الإدراكية للقدرات والمواهب، ثم ضع الشخص المناسب في المكان المناسب، عندها فقط تُنال الحقوق بلا عراقيل ولا مصادمات.
هناك هوة حقوقية سحيقة طال ملء عقول أهلها بانتقاص عقل المرأة وتهميش دورها، ومورس بأثرها الكثير من العنف والقهر ضد المرأة، لذلك أنا أميل لتقديم الحقوق على المناصب، فما إن تتأنسن الحقوق، حتى تهرول المناصب لمستحقيها رجلا وامرأة، ومع أني مؤيدة وبقوة دخول المرأة في مجلس الشورى، لكني لا أميل إلى التأييد المعتمد على الجندر لأتوقع نجاحا يعتمد على الجنس، فالنائب عن الشعب متى كان حقوقيا صادقا يدافع عن الفئات المهمشة فهو جدير بتولي المسؤولية المجتمعية كنائب برلماني.
المرأة حققت أعلى الدرجات العلمية، واكتسبت خبرات إدارية من خلال ممارستها للعمل في قطاعات كثيرة، ولا يزال الأمل بتحقيق خطوات أكثر لملاءمة حقوقية أعلى إنسانية، فالمناصب المهمة ما زالت محصورة في الرجال، وما دام منع الحقوق ساريا، فبالطبع سيليه مصادرة المناصب.
وبأنسنة العلاقات تتكافأ الحقوق، عندها فقط ستكون الحقوق القانونية والمدنية هي السائدة، ولكن علينا مصارحة أنفسنا كمجتمع أولا، وكنساء بالذات، أن الحقوق تسبق المناصب، فما لم يُرَد اعتباري كإنسانة كاملة الأهلية، لا كناقصتها أو معدومتها، فلن تنفع المناصب، والدليل أن المرأة وصلت لمنصب مديرة جامعة ووكيلة وزارة ونائبة وزير وعضو شورى ولا يزال انتقاصها وتشييؤها يمارس على مستوى التربية والتعليم وفي الإجراءات الحكومية، ويكفي كمثال فقط لا كحصر الرسائل النصية (SMS) التي تصل للزوج أو الولي لتخبره بأن امرأته غادرت البلاد أو قدمت، كتفعيل تقني يخدم النظرة القاصرة لتشييء المرأة... وما لم تتغير الإجراءات الحكومية والثقافة المكونة لهذا الوعي المأزوم في علاقته بالمرأة، فلن نستفيد من مناصب مفصولة عن نيل الحقوق وأنسنة العلاقات ومساواة التكافؤ.
قناعاتي تفضي إلى ضرورة إحداث وعي إنساني شامل يزيل معوقات النظرة الانتقاصية للمرأة في مناحي الحياة، بعدها تكون المناصب جاهزة بدهيا وبسلاسة.
.. وهل المرأة في المنطقة جاهزة حقا للحصول على حقوق سياسية واجتماعية أوسع؟
نعم- فعلى الرغم من التقدم الحاصل في دول الخليج.. ما زالت الإنجازات قليلة
د. منيرة فخرو الأكاديمية والسياسية البحرينية تقول:
لدينا على صعيد حقوق المرأة تجارب عدة في دول عربية وإسلامية، بعضها قام بسلسلة من الإصلاحات الفوقية نتج عنها كثير من المساواة، مثل تركيا وتونس، بينما قامت دول أخرى بإصلاحات تدريجية كانت نتيجتها أيضا حصول المرأة على معظم الحقوق مثل المغرب.
ما بدأه أتاتورك منذ نحو 80 سنة من إصلاحات تصب في صالح المرأة ومساواتها بالرجل، أوصل المرأة إلى نيل كثير من الحقوق في شتى المجالات. وكذلك في تونس، حيث أصدر الحبيب بورقية منذ 6 عقود (1956) «مدونة المرأة» التي منحت المرأة التونسية دفعة قوية تجاه المساواة مع الرجل. بالطبع، صاحب ذلك وجود تنظيمات نسائية كانت بمثابة الدرع الذي يدافع عن مكتسباتها وعن أي انتكاسة تصيب هذا الإصلاح. هذا بالنسبة للإصلاحات الفورية التي أجراها زعماء إصلاحيون غير ديمقراطيين، أو كما نطلق عليها «المستبد العادل».
أما على صعيد الإصلاح المتدرج، فالمغرب خير مثال على ذلك، حيث ساهمت في إنجاحه التنظيمات النسائية (القاعدة الشعبية) بالتعاون مع الملك (القمة) وبتشجيع من الاتحاد الأوروبي (التأثيرات الخارجية). لقد نظمت مجموعة مثقفة متخصصة من القانونيات والإصلاحيات والكاتبات نفسهن، وتوجهت إلى شرح ما يردن من الإصلاحات إلى مجموعة من البرلمانيين الذين تبنوا تلك الإصلاحات المعززة بنصوص فقهية إسلامية، مما جعلهم يتبنون ويصوتون لصالحها في البرلمان المغربي. وساهم في ذلك وجود ملك شاب تولى الحكم لتوه وفي نيته تتويج عهده بإصلاحات تصب في مصلحة المرأة، مع تشجيع من دول الجوار الأوروبية بتقارب اقتصادي أكبر أسهم في إصدار مدونة للمرأة مقاربة لمدونة تونس في الخمسينات من القرن الماضي.
ولا شك في اعتقادي أن الإصلاحات التي جرت في المغرب، والتي توجت بإصدار مدونة المرأة منذ نحو 10 سنوات هي الأفضل. فهي جرت بتنظيم مكثف من نساء مثقفات متخصصات في القانون والفقه الإسلامي، وصممت، بالتعاون مع رجال الدين الإصلاحيين والإعلام ومساندة كبيرة من مكونات مختلفة من المجتمع، على بلوغ درجة كبيرة من المساواة مع الرجل، وقد حصلن عليها.
نعود الآن إلى موضوعنا الرئيس بالنسبة لدول الخليج.. للاطلاع على مدى إمكانية إصلاح القوانين التي تحكم المرأة.
جميع هذه الدول حصلت على درجات متدنية في الدراسة القيمة التي أجرتها منظمة «فريدوم هاوس»، وأن اختلفت درجة تدنيها، ولن أقول إنجازاتها، فهي لم تنجز إلا القليل. وفي هذه المنطقة، يدور الحوار حول الإصلاح المتدرج من قبل التنظيمات النسائية الرسمية والأهلية، لكن الإنجازات قليلة جدا.
في تقرير «فريدوم هاوس»، نالت الكويت أكبر عدد من النقاط تلتها البحرين ثم البقية. وفي الكويت سيدات قانونيات وجمعيات تقدمية نسائية تؤازرها مجموعة من الليبراليين تسعى للإصلاح المتدرج. أما في البحرين، فهناك مجموعات تسعى للوصول إلى قوانين تنصف المرأة، وأهم هذه التنظيمات «المجلس الأعلى للمرأة» و«الاتحاد النسائي» والجمعيات النسائية، وبعض الجمعيات السياسية الليبرالية، مثل «جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)».
ولعل ما قامت به مجموعة من السيدات السعوديات يدل على أن الإصلاح التدريجي يأتي بثماره، فقد اتفقن على تناول بعض القضايا المجحفة بحق المرأة في سبيل الوصول إلى حلها، وعلى بحث كل قضية على حدة. وبدأن أولا بموضوع «إلغاء الوكيل الشرعي في الأعمال التجارية والتعاملات بصورة عامة»، وطالبن أولي الأمر بذلك، وشرحن كيف أن المرأة لا تحتاج إلى مثل تلك الإجراءات، ثم عقدن مجموعة من المحاضرات ودعون متخصصات في تلك القضايا لإلقاء المحاضرات. وجدير القول إنهن قد نجحن في مسعاهن وتم إلغاء هذا الأمر.
أما الموضوع الثاني الذي تطرقن إليه فكان «مشاركة المرأة في العمل» وهو يتعلق بموضوع «الولاية» (ولي الأمر)، وينقسم إلى عدة بنود أهمها «أن المرأة لا تستطيع أن تتعلم أو تتلقى العلاج إلا بموافقة ولي الأمر». وقد استغرق هذا الموضوع المهم سنة كاملة في النقاش وإلقاء المحاضرات وتوضيح أن نظام الحكم لا يفرق بين الجنسين، وهو أيضا مبني على الشريعة.
أما القضية الثالثة، فقد كانت الرغبة في إنشاء أقسام في المحاكم التي تختص بالإرث والمرأة، والتفريق بين التقاليد الاجتماعية والقوانين الشرعية، إذ إن المعمول به حاليا هو حصر الورثة، وليس حصر الإرث، تاركين للموكل أن يتصرف حسب ما يرتئيه، وليس هناك عقاب أو محاسبة له، إذا لم يلتزم بالشرع. وهن يطالبن بإنشاء أقسام بحصر الورثة وحصر الإرث وتحديد الوقت الزمني لتوزيعها، نظرا لكونها تمتد في أحيان كثيرة إلى سنين طويلة لتوزيعها.
تلك الإنجازات، على الرغم من تواضعها، استغرقت سنوات لتطبيقها، ويجب أن لا ننسى وجود القيادة المتمثلة بخادم الحرمين الشريفين الذي بدأ عهده الإصلاحي بالوقوف مع كثير من قضايا المرأة. هنا أيضا نرى أن القاعدة ممثلة في الصفوة من النساء المتعلمات، والقيادة، ممثلة في خادم الحرمين الشريفين، قد ساعدتا على دعم هذه الإنجازات، ونتمنى أن نرى المزيد منها قريبا. هذا الاستعراض السريع لواقع الحال في دول مجلس التعاون يعكس لنا استحالة الإصلاح الفوري والفوقي، لذلك يجب بذل جهود مضاعفة وتكريس الإعلام والكتب المدرسية لنشر ثقافة الإصلاح والمساواة. ولكن حتى ينضج المجتمع ويقتنع بحتمية الإصلاح، فلن نشهد أي تقدم وستظل المرأة محرومة من نيل حقوقها لفترة طويلة مقبلة.
.. وهل المرأة في المنطقة جاهزة حقا للحصول على حقوق سياسية واجتماعية أوسع؟
لا- .. إذا كان المقصود الحصول على الحقوق من دون ضوابط أو معايير
منى العنقري الناشطة السعودية المديرة التنفيذية للقسم النسائي في الندوة العالمية للشباب الإسلامي تجيب على السؤال:
السؤال بطريقته هذه يبدو لي مُبهما، لكنني أقول إنه إذا كان المقصود منه هو حصول المرأة على الحقوق السياسية والاجتماعية من دون أي ضوابط أو معايير محددة، فإجابتي هي «لا».
ثم، من جانب آخر، يجب أن يوضح أكثر مفهوم الحقوق السياسية! بناءً على ما تقدم، وحسب فهمي للسؤال، يمكننا القول إن المرأة في المملكة العربية السعودية استطاعت على امتداد عقود من الزمن الارتقاء بنفسها في مجالات تعليمية مختلفة، وأصبحت فردا واعيا.. وبالتالي تستطيع التأثير على المجتمع. وهي أيضا قادرة على المشاركة في سن القوانين التي تضعها الدولة، والمشاركة في دفع عجلة التنمية لأنها تُعتبَر نصف المجتمع، وعلى هذا الأساس، لا بد من إعطائها الفرصة للعمل على المشاركة في تنمية الدولة، وأداء دورها الفعال لتحقيق الرفاهية لها ولأسرتها.
إنها اليوم قادرة على الانضمام للمناشط المدنية، وقادرة أيضا على تسنم المناصب العليا. ولكن، في المقابل، لا بد أن تكون هذه المشاركة تحت ضوابط شرعية؛ فلا نقحمها إقحاما من دون تهيئة المكان المخصص لها، الذي تستطيع العمل فيه بحرية في مجال نسوي خاص لا مجال فيه للاختلاط. والتقنية الحديثة المتوافرة هذه الأيام تساعد كثيرا في هذا المجال من خلال عقد الاجتماعات عن بُعد، وإرسال الملفات والتعاميم عبر الوسائط الإلكترونية السهلة والمتطورة تقنيا.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن الإسلام كفل للمرأة حقوقها الاجتماعية، التي لم تستطع المرأة حتى في المجتمعات الغربية في أميركا الشمالية وأوروبا الحصول عليها. ولكن، مع الأسف، أتاح جهل المرأة السعودية بتلك الحقوق للرجل المجال للتسلط عليها والتقليل من شأنها. وفي رأيي أن هذه المشكلة لم يخلقها الرجل فقط، وإنما كان للمرأة دور في ذلك، إذ صار عندها أحساس بالظلم الاجتماعي، واتُّهم الشرع، وهو بريء من هذا الظلم، وكان للإعلام هنا أيضا، مع الأسف، دور في إبرازه.
ولهذا، أقول إنه لا بد من زيادة الوعي لدى النساء للتغلب على حالات التمييز ضدهن، ونشر الحقوق الشرعية والقانونية التي تحمي المرأة، بحيث تتمكن من الإسهام في المسيرة التنموية في المملكة، ورفع قدراتها على صعيد اتخاذ القرار والتخطيط والتنفيذ.
كذلك لا بد من منحها الحقوق التي كفلها الإسلام لها، والتوجيه للمحاكم والمؤسسات التي تختص بالمشكلات الاجتماعية بنشر هذه الثقافة، حتى بين القضاة والمسؤولين فيها؛ إذ ليس من المعقول أن تظل الزوجة تتردد على ردهات المحاكم سنين طويلة لأخذ حق شرعه الله لها، سواء في نفقة أو حضانة بسبب تعنت زوج وسوء استخدام سلطة من القاضي.
وبتوضيح أكثر، أرى أنه من الضروري أن يكون هناك إدارات متخصصة، نسائية بحتة، للعمل على مساعدة هؤلاء النسوة في تحصيل حقوقهن وتثقيفهن وتسهيل أمورهن.
ختاما، أختتم كلامي بالتشديد على أن المرأة السعودية، في رأيي، جاهزة ومؤهلة للحصول على أعلى المناصب. وهي قادرة أيضا على التخطيط، وبشكل أدق من الرجل في كثير من المجالات. ولكن، كما سبق ونوهنا، يجب أن تُعطى لها هذه الصلاحيات بضوابط شرعية، وأن لا يُزج بها زجا، كما حصل مع وزارة العمل حين سمحت للبائعات اللواتي يعملن جنبا إلى جنب مع الرجل بالعمل من دون دراسة الوضع دراسة كافية، مما أدى إلى ضياع حقوق كثير من الفتيات وسوء تعامل رؤسائهن معهن.