في مقهى قاعة الإنتظار بالمطار،  جلست قبالة النافذة ...كانت طائرتها المتوجهة الى بيروت قد تأخرت. وضعت هاتفها وقلمها و دفترها فوق الطاولة، طلبت كابوتشينو، فتحت دفترها، عبارة عن حزمة من الصور والأوراق و بعض الأشعار والخواطر مكتوب في أولها 'خذ تاريخك وأمضي' ...
  لملمت أوراقها و نظرت  إلى السماء كأنها تنتظر ردا منها أو إجابة أو تحليل عن كل ما يحصل أمامها ، فلطالما دعت الله أن يأتيها بمن تحب، و لطالما  كانت ترقب ساعة الغروب ، و هي تنتظر ظهور النجمة القطبية لتناجيها قائلة :" يانجمة الغرب  يا بعيدة أنت في السماء و حيدة و أنا على الأرض غريبة إشعلي الحب في قلب حبيبي كما تثور النار في القمح اللهيبة" .  دون  ترفع صوتها عملا بما أوصتها  به جدتها في صغرها:" إن عاشقات بلاد فريقة كن يدعن النجمة القطبية لتأتي لهن بالحب و يجب على التي تدعو السماء ان لا تخشى ضوء النجوم وتنادي النجمة و هي تنظر إليها فالحب عن الأمازيغ حق وسر والسماء فقط الآمنة لهذا الأسرار"
   كبرت و بلغت من العمر ستة عشر ربيعا وفهمت  أن الحب فضيحة وليس بسر تحفظه النجوم . لأن سحر ذلك الأسمر الذي إلتقت به في أحد المناسبات العائلية  جعل الجميع يرى إحمرار خدها و يسمع صوتها المتقطع و هي تستأذن  الحديث معه . لقد كان شابا في الثانية و العشرين من عمره  بدأ مشواره في إدراة الأعمال .  رغم ظروفه القاسية  وصغر سنه لكنه  كان يبدي نضجا و وقارا  كأنه نجم من كلاسيكيات السينما المصرية . أحست بقربه منها ربما لأنه يشاطرها الدم و الإسم العائلي أو لعله وعد السماء الذي يربط المحبين عندما يزرع بعض الوجع في قلب النساء . قربت منه و تجاذبت معه أطراف الحديث و ألتقطت صورة معه للذكرى و ما إن أنهت حديثها حتى بدأت الوشوشات و الضحكات حولها ... و قامت إحدى قريباتها تغني لها :" زوج الحمام بنت العرش الغالية زرقة الوشام و هي صغيرة وعاشقة" ...
   بمعنى  أطلقوا الحمام الزاجل الحامل لرسالة الحب المبعوثة من إبنة القبيلة الغالية لأنها صغيرة و عاشقة ، الأغنية تعلن للعالم أخبار الحب و تطلب الأمان و فتح الطريق لذلك الحمام الشاهد على صدق مشاعر الصبية . قلصت  معاني الأغنية  في عدد دقات قلبها وجعلتها تحاول إسترداد أنفاسها . فالألحان الجبلية  كانت تحفر في روحها إسم ذلك الأسمر الذي ألقى السلام عليها و غادر السهرة باكرا .تاركا إياها تتغنى به و تنتظر تلك الصورة الشمسية .  و تسأل نفسها هل كانت جميلة و هل كانت تليق به ؟  إنتهت السهرة و بدأت قصتها مع الحمام الذي يحمل رسائل حبها و أمنياتها .
  مرت سنين و غادرت الكاهنة  تراب وطنها ، كلما تبتعد جغرافيا عن مسقط رأسها تقترب روحيا من وطنها و تبدأ في البحث  عن كل ما يرتبط بأرضها و بجبل مدينتها الشامخ ، و بما أن العالم أصبح قرية صغيرة إلتقت الكاهنة بحبيبها في موقع للتواصل الإجتماعي ، حينها أحست ببطء في دقات قلبها، عاد الحلم الدفين حيا  من جديد و كأن السنين ولم تمر وتلك الخجولة لم تتحول إلى متحدثة لبقة و صاحبة قرار مثله. نظرت إلى جهاز الكمبيوتر و ضغطت على الزر لتطلب صداقته ، ظنا منها أن التكنولوجيا قد تقوم بدور الحمام الزاجل في نقل تلك نقل تلك المشاعر الصادقة  . رد عليها بالقبول و بدأت القصة بينهما ترافقها كلمات الأغاني الجبلية التي كانت تقولها وهي تتحدث معه و تتغنى به عندما تتحدث عليه .
  كانت كلماتها عميقة كقنابل ترسانات الحروب ، تعبر عن حب و إحترام كبير له ليس لأنه "مشهور و متميز" بل لأنها إعتبرته وطنها الذي تشتاق اليه  عند الفراق و  تتحمل مصائبه عند عودتها إليه  و تعتبره كريما إن جار أهله عليها . فالظلم في الأوطان يستوجب النضال و التضحيات و حبيبها  قضية يستوجب الفوز بها .
 غير أن من تحسبه الكاهنة  قضية  و بيت للشعر  يعاملها كرقم في قائمة صديقاته الطويلة يرد على مكالمتها في أوقات الفراغ و في بعض الأحيان لا يرد السلام عليها إن إعترضها في شوراع الفايس البوك أو أمام منشورات التويتر . يعاملها كأمير زمانه أو أكثر و هي تعامله  كأحد ملوك الشراكسة من يُستحب التغني بحضوره قبل الخوض في غمار أي حوار معه .
   رغم جفائه الدائم معها  غير أنه  يبدى  إستمتاعه عند لحديثها الرقيق ، و لا سيما عبارتها التي لا تخرج  في أغلب الأحيان عن حدود  عينيه و  شخصيته النموذجية .  من  يجعل منها ذلك الأسمر متماهية جدا  مع ما تحلم به  الكاهنة . تلك العاشقة التي كانت تريد أن ترى ما لا يمتلكه هو في نفسه.  فالكاهنة تضغي لدردشتها معه   كما يصغي المريد لشيخه عند ذكر الأوراد و الأذكار ، و تطير فرحا إذا أرسل لها إبتسامة في باب المحادثة .  يا لسخف تلك العاشقة ترضيها بعض الأيقونات الضاحكة .
 ظلت  تحلم و تهيم به كما يهيم التائب بالكعبة و إزداد تيهها عندما ضرب لها موعدا ليلتقي بها حينها غنت " زوجا الحمام بنت العرش الغالية " و إبتسمت و هي تنظر إلى المرأة قائلة "سأقول ما أريد بدون حمام جبالنا الزاجل" و ضحكت فتحت دولاب ملابسها لتبحث عن أجمل فستان ترتديه، ترددت ، إتصلت بصديقاتها ليشاركنها الرأي  و ليقدمن النصائح لها حتى توقع الأمير في شباكها ...
إلتقت البنات في غرفة نوم الكاهنة  و بدأن حديثهن حول الرجال و حول الألوان المثيرة عندهم  . ثم تطرقن لضرورة كتمان المشاعر عند النساء. نظرت إليهن  الكاهنة وقالت : كيف تكتم ؟ أنا لا أستطيع..... الحب فضيحة كبرى .. ردت إحداهن قائلة :" تلك الفضيحة ستكون وراء فشلك ، الرجل يهوى الصيد و الركض وراء الطريدة ". مثل هذا الحديث لا يروق للكاهنة لأنها ترى في حبيبها رجلا راقيا. و إنسان فنان  يسمع للسيمفونيات و يقرؤ باولو كويللو و يتحدث عن درويش . و عليه فمن  صعب أن يفكر كذلك و ثم هو ليس بمجرد رجل إنه وطن و ملاذ لها .
أفضى اللقاء مع البنات إلى  إختيار فستان ورديي و حذاء أسود مع حقيبة يد صغيرة لتلبسهم عند الموعد الذي تحلم به، حينها ودعت  صديقاتها و جلست إلى مكتبها لتكتب شيئا في مذكراتها عن حبيبها الأسمر و ما إن أنهت خاطرتها مسكت هاتفها النقال،  إتصلت به ، رد عليها بكل جفاء و قال لها : "لا أستطيع الحديث معك فأنا إلى جانب حبيبتي و أرجو أن لا تعيدي الإتصال مرة أخرى"
لم تصدق ما سمعت......لم تفهم ما يحدث حولها......لم تعرف من هو المخطئ في المسألة ؟ هي؟.......هو؟ .......هل فهمت حديثه خطأ؟........ أم...... ربما لأنها ليست من مقامه؟......ثم ....ثم مالذي يجعله يتعاطى معها بتلك الطريقة؟؟؟؟
أغلقت السماعات و إتجهت نحور غرفتها لتضع أغراضها المنثورة فوق سريرها في الدولاب، و ضاع موعدها مع صوت الحمام الزاجل ...
كتبت حينها في مذكراتها :"خذ تاريخك و إمضي" و قررت أن ترسل اليه الورقات مع الصورة الشمسية التي جمعتها به منذ سنوات و لكنها إستفاقت على صوت عقلها قائلا لها :" إنها ذكرياتك و صورتك و قصتك التي عشت أطوارها وحدك و لم يكن حضوره فيها سوى شكلي فقط .. قلبك من إخترعها و روحك التي أخطأت التقدير و لم تفهم بعد أن الفروسية تسكن روايات الأجداد و لم يبقى منها سوى  ألحان المغنيات التي أصبح العديد ينسى كلماتها "
على المسافرة الكاهنة بنت محمد صالح الالتحاق بالطائرة المتوجهة الى بيروت  ......على المسافرة الكاهنة بنت محمد صالح الالتحاق بالطائرة المتجهة الى بيروت.... انتبهت فجأة.....إحتست ما تبقى من الكابتشينو ......نظرت إلى أوراق مذكراتها و هي تضحك و تقول في نفسها كم أنا غبية .. منذ متى كان الرجال أوطانا للنساء ؟...حملت أوراقها وهي تسرع الخطى لتلحق بالطائرة ....